البيان……

 

بطاقة تعارف ( 7 )

 

 

البيان…… ( 1 )

 في …. التأسيس للبنيان…

 

” … واالله الذي نفسي بيده ، إننا لسنا عبيد أحد ، ولن نتوارث بعد اليوم …”

- أحمد عرابي

في الأسباب الموجبة :

( 1 )

-        هل الأمة العربية ، في الظروف الراهنة ، تنتظر برنامجاً جديداً للنهضة ،يعتمده الرواد الجدد ، للخروج مما هي فيه ..؟

سنجيب دون تردد ، نعم ، بل أكثر من ذلك ، نقول ، أن الأمة بحاجة ماسة إلى مشاريع معاصرة ، متعددة ،بعدد الفصائل ،والايديولوجيات ، ذلك ، أن مشاريع النهضة ، التي ولدت مع بدايات القرن العشرين ، وحتى منتصفه ،قد كبت ، وكانت وليدة ظروف معينة ، قد انقضت ، حيث جدت ظروفا أكثر تعقيداً ، كان من المفترض أن تتطور مشاريع النهضة لتواكبها ، لكنها ، وبفعل عوامل متعددة ،ذاتية،وموضوعية ،من داخلها ،أو من خارجها ،عجزت عن المواكبة  ، وتقوقعت على نفسها ، حيث بدت الساحة العربية مفتوحة لفعل كثيف من قوى الاستبداد في الداخل ، ومن قوى الهيمنة في الخارج ، التي استأنفت هجومها ، فأوقفت تقدم مشاريع النهضة ، التي بدا مع منتصف القرن العشرين ، وكأنها تتجه ، بالمجتمع العربي ، باتجاه التطور ، والنمو ، والمواطنة ، والتحرر ، والتوحد ، فظهر إلى العلن ، عصر من النكوص إلى الإقليمية ، ثم ،إلى الطائفية ، ومن ثم إلى المذهبية ، وإلى الأثنية ،   والقبلية ، والأسرية ، وحتى إلى الفردية المتوحشة .

وهذا هو القانون ، النوعي ، للمجتمعات ، ذلك أنه عندما تعجز قوى النهضة عن الفعل ،يتباطأ التطور ،ربما إلى حد التوقف ،ويتم استنزاف الإنجازات التي كانت قد تحققت ،ويفتقد الجميع الأمان ،حيث يبحث كل فرد ، في المجتمع ، عن مخبأ ، أو “وكر” ، يحتمي فيه ،أوعصابة ، يمنحها الولاء ،مقابل أن تمنحه الحياة … ، وفي مثل تلك الظروف ، يجد رواد النهضة أنفسهم ، وكأنهم معلقون في الهواء ، فلا ، هم ، قادرين على الهبوط مع الواقع ،الموضوعي ، الذي ينحدر ، ولا سواعدهم قادرة على وقف الانهيار ، وانتشال المجتمع ، من الهوة التي يتجه إليها …فتتحول مشاريع النهضة ، في هذه الحالة ، إلى مشكلة ، بعد أن كان من المؤمل ، أن تكون هي الحل .ومن ، ثم ،يتسلل الخلل إلى بنية فصائل النهضة ،ذاتها ،فتتحول من رافعة باتجاه النهوض ،إلى ساحات للعبث ،والضياع ،واللاجدوى….

          نقول هذا بداية ، وكنقد للذات ، قبل أن يكون للآخر ، لكي يستمد هذا الحدث مشروعيته ، وبالتالي ، فإن من الملح ، والحاسم ، في هذه المرحلة ، أن تتم المراجعة ، والتعديل ، والولادة من رحم المعاناة ، والتجارب المرة ، فالواقع الراهن في أمس الحاجة إلى مشاريع شابة تقضي على الوهن ، والعجز ، وتجدد خلاياها ، ومقدرتها ، وتكسي هياكلها العظمية ، التي تعرت بفعل الاستبداد ، تكسيها لحماً ، ودماً ، وأعصاباً ، بحيث تتكاتف الأيادي ،وتتشابك ، وتتناغم المشاريع المتعددة ، للنهوض ، بالمجتمع ، من جديد …

( 2 )

          ونقول ذلك ،ثانيا ، في مواجهة الذين يتحدثون عن “خروج العرب من التاريخ” ، وفي مواجهة ، الذين يتحدثون عن أمة في نفق من الاحتضار ، والموات ،في محاولة منهم ، لإخراجها من الحاضر ، ونقوله ،ثالثا ، في مواجهة الذين يصادرون المستقبل ، ويغلقونه تماماً في وجه العرب ، حيث العالم قرية إلكترونية ،واحدة ،هم وحدهم ،حكامها ، ولا مكان للعرب ، إلا على أطرافها ، في أكواخ الصفيح ،  أو بين المقابر ، والمجارير ، والنفايات ..

          فلنقرر بداية ، أن العرب ، لم يخرجوا من التاريخ ، وأنهم ، ليسوا قطعان خائفة ، مذعورة ، هاربة من الحاضر ، وأنهم ليسوا هائمين على وجوههم بلا أحلام للمستقبل …وإن مايجري ،الآن ،مجرد محنة ،وستمضي …..

1 – عن التاريخ ، نقول ، إن العرب فعلوا فيه ، وتفاعلوا معه ، أثروا، وتأثروا ، انتصروا ، وانهزموا ، وهذا كله ، بحلوه ، ومره ، تاريخ ، غير قابل للإلغاء ، أو للتعديل ، أو للإنكار ، وأن محاولات تزويره ، أو تقطيع أوصاله ،بحيث تصطنع تواريخ على مقاس الطغاة ، ما هي إلا جرائم ، لا تصنع تاريخاً بديلاً ، وإنما مجرد جرائم سيطالها القانون ، العادل ، يوماً ، ما ، … لا أحد في هذا العالم ، يستطيع إنكار ، أن هذا العالم ، كان في يوم من الأيام ، في عيون العرب ، يجّدون الخطى ، لنشر رسالات ، وحضارات ، وقيم ، ومنظومات اجتماعية ، وفكرية ، وعلمية ، وثقافية .. وعندما كبت عقولهم ، كبت خيولهم … فانهزموا أمام أنفسهم ، قبل أن ينهزموا أمام الآخر ، وإذا كان من السهولة ، بمكان ، تفسير ، وتحليل أسباب كبوتهم ، فمن الصعب ، علينا ، فهم أولئك الذين خرجوا من ظلامات العصور الوسطى ، وظلامها ، في أوربا ، الذين ، ما أن شعت عليهم شمس عصر الأنوار ، في بلدانهم ، حتى اندفعوا غزاة مستعمرين ، مستغلين ، عنصريين ، ينشرون الظلام في العالم ،ناهبين للثروات ، طامعين بوطن العرب ،وبأوطان غير العرب ، وكأن طريق الحضارة ، والحرية ، والمساواة ، والديمقراطية ، لا يمر ، إلا عبر تدمير بغداد ، واحتلال بيت المقدس ،وتهجير المستوطنين الأوروبيين ، من أوروبا ،إلى فلسطين ، وتهجير عرب فلسطين من فلسطين ، ومحاصرة الإسكندرية ، وتدمير عدن ، وعمان ، واحتلال فاس ، ومكناس ، وطنجة ،   وطرابلس .. وإغراق صيدا ، وإحراق دمشق .. لكن العرب ، وفي الحالتين .. في حالة الكر ، وفي حالة الفر .. كانوا في عين التاريخ ، هدافون كانوا ، أم أهدافاً للغير ، فالعرب لم يخرجوا من التاريخ ، ومازالوا في الحاضر ، يتململون ، للنهوض مما هم فيه ..وبالتالي ، لا خوف على مكانة العرب في التاريخ …

 

( 3 )

2 – أما عن الحاضر … فإن العرب ، ورغم المآسي ، التي لا يمكن حصرها ، مازالوا في عين الحاضر ، بدليل المشاريع ، والخرائط التي توضع للوطن العربي ، والتي ، لا تنقصها التقنية المتطورة ، والأسلحة الفتاكة ، والأدوات المحلية ،  والمعولمة ، ورغم ذلك كله ، فهي تتعثر ، بمقاومات لم تخطر على بال الذين يدعون ، أنهم يقبضون على العالم بقبضة من حديد ، فقوى الهيمنة الدولية ، بالتنسيق مع قوى الظلام ، والاستبداد في الداخل العربي ، تعربد منذ عقود في الوطن العربي ، وفي مشارق الأرض ، ومغاربها .. معلنة ، أنها حسمت صراع الحضارات ، ووصلت إلى نهاية التاريخ ، الذي عليه ، أن يستنقع تحت قدميها .. وحتى نهاية الكون ، الذي تعبث ببيئته ، وتركيبته البنيوية ، وتوازن مكوناته ، لكن المخرز العربي ، المثلوم ، رغم كل شيء، يؤرق مقدرة صواريخها الذكية ، وعقولها الالكترونية ، وكمراتها الخفية ، فهي تدرك ، أن استقرار هيمنتها ، يتوقف على إخراج العرب من الحاضر ، ومن المستقبل ، كما توهموا ،من قبل ، أنهم أخرجوهم من التاريخ ، فهم ، يؤكدون ،أن ، لا عرب .. لا أمة عربية ، إنه مجرد شرق أوسط ، أو أدنى ،تحت سيطرتهم ، تعيش فيه ، كائنات  شرق أوسطية ، شعوب ، وجماعات ، وأقليات شرق المتوسط ، وشمال أفريقيون ، كائنات ، لا هوية لها ، ولا معالم … هوائم تخدم شركات النفط ، والملاحة ،  و الاتجار بالعالم … إنهم عبيد لا أسماء لهم .. مجرد أرقام في حواسيبهم ، لكن هل تحقق لهم ذلك ..؟ نقول ببساطة ، لا ، وألف ، لا .. ، فالمعركة ، ورغم عدم التكافؤ ، في أوجها .. رغم ، “أبو رغالات” الحاضر ، وكراديس المهزومين ، فالأمة  لم تترك ساحة الحاضر ، بعد .. إنها تعبر عن نفسها ، بأشكال ، ووسائل لا تخطر على بال أحد ، وكلما توهموا أنهم دفنوها في مكان ،ما ، برزت لهم في مكان آخر ، لتفسد عليهم تقبل التهاني .. إنها كنبات “الترخوم” ، قد ، لا تعرف أين البذرة ، ولا تعرف أين يمكن أن يظهر النبت ، للعيان .. الجذور ممتدة في كل مكان ، في أراضي الأمة ، كلها ، من الصحاري إلى الوديان ، وحتى شعاب الجبال ، وبالتالي يمكن أن تفاجئهم النبتة العربية ، من أي مكان ، حتى عندما اعتقدوا ،أنهم قضوا على الأمة ، عندما اعتقدوا ، أنهم هزموا التيار القومي العربي ، نهائيا ،فاجأتهم الأمة بجماعات ملحدة ،حتى الشهادة ،تارة ،ثم ،بجماعات مؤمنة ،حتى الشهادة ،تارة أخرى ، لا أقصد من هذا ، أننا في أحسن الأحوال ، أو أننا ننشد أناشيد النصر .. على العكس من ذلك ، نحن في محنة .. بل نحن في محن ، متشعبة ، شديدة التعقيد .. فقط ، أريد التأكيد ، أن هذه الأمة لم ترفع الراية البيضاء ، وان المعركة مستمرة على مختلف الجبهات الداخلية ، والخارجية ، وأن الأمة العربية ، رغم ، كل ، هذا الضجيج ، ورغم كل ما يفعل ، ويقال ، ورغم قعقعة السلاح ، ودوي القنابل ، وهدير الطائرات ، وتزاحم الأساطيل ، وأجهزة المخابرات ، وسلطات المستبدين ، والطغاة ، وفتن قوى الظلام ، والتفتيت .. هي في عين الحاضر .. وإلا ، وإذا لم تكن حاضرة ، وبقوة …، فلماذا كل هذا الصخب .. ، وبمواجهة من …؟ أليس بمواجهتها …؟ أليس هذا دليل ، حاسم ، وبيّن ، على وجودها القومي ، والقادر ، رغم أنها مكبلة بالقيود ، من محيطها ، وحتى خليجها ..!!

( 4 )

3 – أما عن المستقبل ، وهو المهم ، ذلك أننا ، ونحن نتعمق في التاريخ ، ونستقصي أوضاع الحاضر ، فإننا نفعل ذلك ، وعيوننا شاخصة على المستقبل .. فهو ساحة المواجهة ، وهو ساحة البناء في الوقت ذاته ، والقضية ، هنا ، تتعلق مباشرة بصراع الإرادات … ويمكن تحديد جبهتين في هذا المجال ، في كل منهما تعددية في الوسائل ، والقوى ، والتحالفات ..

( 5 )

الجبهة الأولى ، وتتمثل في إرادة قوى متعددة ، مهيمنة ، على الواقع العربي سياسياً ، وعسكرياً ، سلطات متعددة ، وأجهزة أمنية متطورة ، جاهزة للبطش في أية لحظة ، عناصرها ، وقواها ، من أول المخبرين ، وحتى الرقم “واحد” في السلطة ، خرجوا من المجتمع ، كقوى مسلحة ، تحت شعارات عامة متنوعة ،ثم تقوقعوا حول أنفسهم ،أو حول فرد منهم ، أو خرجوا من المجتمع ، كتركيبة أسروية ، أو طائفية ، أو مذهبية ، أو قبلية ..من الأساس ، ثم تحولوا إلى وضع فئوي ، فوق المجتمع ، يوجهون جميع أسلحتهم ، وإمكانياتهم ، لمنع المجتمع ، من التململ ،  أو الحراك من أي نوع ، لأن استقرار سلطاتهم ، يعتمد على دفع المجتمع إلى السكونية ، ..والاستنقاع ، وبالتالي ، فهي سلطات تمتلك قوى هائلة في مواجهة المجتمع ، لكنها لا تصمد أمام أية مواجهة خارجية ، لأن تركيبتها الأساسية ، صممت في مواجهة المجتمع ، ولم تصمم للدفاع عنه ..باختصار شديد ،إن تلك القوى السلطوية ، تحولت من قوى صاعدة من المجتمع ،للمجتمع ،إلى قوى خارجة على المجتمع ،وفي مواجهته ،وبالتالي ،فإنها ، باتت ،  في الوقت ذاته ، عنصر من عناصر قوى الهيمنة الدولية ، وورقة بيدها متى شاءت ، وقوة فاعلة في مشاريعها ، للمنطقة ، وللعالم ..سواء ، بالإرادة ،أو بطبيعة المهام…، ولإغلاق دائرة الحصار حول المجتمع ، بشكل تام ، حشرت جميع قوى المجتمع ، الاقتصادية ، والسياسية ، أمام طريق مسدود ، فنشأت طبقات اقتصادية ، من حواشي السلطات ، تمسك بمقدرات المجتمع المادية ، وتمارس سائر أشكال الفساد ، والإفساد ، وأدى ، ذلك كله ، إلى قلب النظرية الشهيرة ، بأن الاقتصاد ، يفرز القوى السياسية الفوقية في الدولة ، رأساً على عقب ، ذلك ، أن الذي حصل ،ويحصل في الوطن العربي ، هو أن حواشي السلطات الحاكمة ، والأسر الحاكمة ، أفرزوا من ، اللاشيء ،اقتصاديا ، وبفعل التلاعب بالمال العام ، وبالنظام العام ، وبالقوانين ، والأنظمة ، أفرزوا طبقة اقتصادية “مافاوية” ، نجح عدد كبير ، من أفرادها ، من دخول نادي مليارديريات العالم ، وأصبح المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، أسرى عصاباتهم …، واستكمالاً لعناصر هذه الصورة المأساوية ، وبفعل هذا الإلتهام الفاضح ، للمجتمع ، ولإمكانياته ، كان من الطبيعي ، أن يفرز المجتمع ، في مواجهة ذلك ، قوى ، وأدوات تحمل ذات الحدة ، والرفض القاطع ، للآخر ، حيث لم يعد من الممكن قبول الوسطية ، والاعتدال …. ، فبرزت قوى ،في قاع المجتمع ، من ذات طبيعة نظم الاستبداد ،لكنها على تعارض معها ، فإذا كان طائفياً باتجاه ، فهي طائفية بالاتجاه المعاكس ، وإذا كان عنصرياً باتجاه ، فهي عنصرية بالاتجاه الآخر ، وإذا …!! وهكذا في مختلف نواحي السياسة ، والاقتصاد ، والثقافة ، والعقائد .. ودفع المجتمع ، بأغلبيته المحاصرة بين الطرفين ، الثمن غالياً ، ومازال يدفع … هذا أدى ، ويؤدي بالفعل  ، وبرد الفعل ، إلى محاصرة قوى النهضة ، التي تم مهاجمتها ، وتعريتها ، من كوادرها ، ومن قبل الطرفين ، في الوقت ذاته ، وبقدر ما كان الضعف ، والوهن يدب في قوى النهضة ، بقدر ما كان طرفي معادلة الاستبداد ، المضادة للنهضة ، يطبقان على المجتمع ، من الأعلى ، ومن الأسفل ، والمحصلة كانت لصالح الاستبداد ، والفساد ، في السلطة ،ولصالح التطرف الأهوج المقابل ، وغاب عن الطرف المقابل للسلطة ، في قاع المجتمع ،أنه ،  ورغم حجم الضحايا الهائل الذي دفعه ، أنه بإضعاف قوى النهضة ، كان يغذي الاستبداد ، والفساد ..في السلطة ،وغير السلطة … وأن الطائفية ، هي الطائفية ، والعنصرية ، هي العنصرية ، والإقليمية ، هي الإقليمية ، وأنه ليس هناك طائفية ، أو عنصرية ، أو إقليمية ، إيجابية ، وأخرى سلبية … فهي سلب بالكامل ، أياً كان اتجاهها ، وأياً كانت المبررات… ذلك ، أن ، أي من تلك النشاطات ، التي تحط من قدر المجتمع ، إلى الفتن المدمرة، هي الحد المقابل ، الضروري ، لتفعيل نشاط الحد الذي يهدف إلى تدمير بنية المجتمع للسيطرة عليه ،من قبل السلطة ، فالطائفية لا يمكن أن تنتج أثرها السلبي ، من طرف واحد ، هي بحاجة دائمة ، إلى حدين … وبالتالي ، فإن تكوين الحد المقابل ، هو  ،في حقيقة الأمر ، استجابة يسعى إليها الحد الأول دائما ،ويسعى لتوليدها كلما خبت … وهكذا ..

          على أية حال ، لابد من الاعتراف ، أن تلك الجبهة ، بمكوناتها ، وأطرافها الظلامية ، كلها ، من الأعلى ،ومن الأسفل ، هي التي تسيطر بشكل ، فعلي ، وواقعي ، على الواقع العربي ،هذه الأيام ، بين المحيط والخليج ، مع بعض الفوارق الشكلية ، بين جزء عربي ،وآخر …

( 6 )

          وحتى يكتمل الحديث ، عن تلك الجبهة ،التي تنطلق من خنادق متناقضة ،وتهدف إلى أهداف موحدة ،وهي تدمير بنية المجتمع ، لابد من الحديث ، عن عنصر هام ، وفعال ،لا يمكن إغفاله ، يتدخل في تفاصيل عمل تلك الجبهة ، وفي مستقبلها ، وهو عنصر ، قوى الهيمنة الخارجية ، التي تحاول ، أن تضع قوى هذه الجبهة ، بعناصرها المختلفة ، والمتناقضة ، في سياق أهدافها ، ومشاريعها  المعلنة ، للوطن العربي ، وللمنطقة ، التي يطورون تسميتها ، من الشرق الأوسط ، إلى الشرق الأوسط الجديد ، إلى الشرق الأوسط  وشمال أفريقيا ، وأخيراً إلى الشرق الأوسط الكبير …، وهذا ما أشرنا إليه ، في الفقرة الثالثة ، من هذا الحديث …

          ما يعنينا ، الآن ، التأكيد ، أن تلك الجبهة ، بمكوناتها ، وعناصرها الداخلية ، والخارجية ، تهيمن واقعياً على الوطن العربي ، بغض النظر ، عن الهام ، والأهم من عناصرها ، ففي حين يلقي البعض المسؤولية ، بالكامل على الخارج ، يتوجه البعض الآخر إلى الداخل ليقول ، أن المشكلة ، هي ، في الداخل العربي ، وبالتدقيق في هذه المسألة ، قد نصل إلى السؤال المحير : عن البيضة ، والدجاجة أيهما أولاً …فالوضع المتأزم ، في الداخل ، يستدعي التدخل الخارجي ، والتدخل الخارجي ، يستدعي قوى الظلام ، والاستبداد في الواقع الداخلي ، ليستعديها على المجتمع ، وهكذا في دائرة مقفلة  تماماً … لا مجال للخروج منها إلا بتكاتف قوى النهضة ، لفهم المعادلة بشقيها الداخلي ، والخارجي معاً …ومواجهتها ،كجبهة واحدة ، وبالتالي نتلمس طريق الخروج ، من تلك الدائرة المفرغة ، السوداء  ……..

( 7 )

2 – الجبهة الثانية ،المواجهة للجبهة الأولى ، وتتمثل في قوى ، ومشاريع النهضة ، التي بدأت بذورها، بالإنبات ، مع القرن التاسع عشر ، وولدت مفاهيمها ، مع بداية القرن العشرين ،وترسخت في منتصفه ، ثم بدأت بالأنكسار ، والانحسار ، مع نهاياته … وهذه الجبهة ، كانت المعادل المناقض ، تماماً ، للجبهة الأولى ، في كل شيء ، وفي شتى المجالات ، فقد ولدت جبهة النهضة ،والتنوير ، في ظروف بالغة الصعوبة ، خلافة عثمانية تتراجع ، واستعمار أوروبي يتقدم ، واقع مرير ، تتنازعه قوى ، أنهكتها السلطنة العثمانية ، ويتكالب عليها الاستعمار ، وكما يحدث الآن ، فرض على فصائل النهضة ، أن تختار بين ثنائية، أحلاهما ، مر ، فإما ، مع استنقاع السلطنة العثمانية ، وتخريبها ، وإما ، التغريب مع الاستعمار الغربي ، ووحشيته ، ومشاريعه المشبوهة ، وكان على مشاريع النهضة ، أن ترفض هذا الخيار ،برفض الخيارين معا ،لإنهما في حقيقة الأمر طرف واحد ، ثم ، كان ، عليها ، في مرحلة لاحقة ، أن تختار بين المعسكر الاشتراكي ، بما له ، وما عليه ، وبين المعسكر الرأسمالي الإمبريالي ، بما له ،وما عليه …، ومرة أخرى ، كان على فصائل النهضة ، أن ترفض … ، وأن تختار برنامجها … ولم يكن هذا ، في الحالتين سهلاً ، ثم ، لم يكن ممكناً بفعل العواصف ، والحروب التي عصفت بالوطن العربي ، وبالعالم بأسره .. وبفعل التركيبة الغضة لمشاريع النهضة …ومع ذلك فقد خاضت فصائل النهضة ،والتنوير معارك شرسة ،للدفاع عن الأمة ،ومكوناتها ،ومن ثم التقدم بها ، على طريق النهضة ،والتنوير….فانتصرت حينا ،وانهزمت أحيانا ،لكنها في الحالات كلها ،لم ترفع الراية البيضاء ،والمعركة مستمرة ،بدليل عمليات المراجعة ،والتصويب ،والأصرار……….

( يتبع … “2”…. البيان …)

•        حبيب عيسى

•        E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

28

يكتبها : حبيب عيسى

 

البيــــان ….

في التأسيس للبنيان …!

 

(  2 )

( تتمة …..”2″…. البيان….. )

 

( 8 )

 

          لقد ولدت مشاريع النهضة العربية ، في مطلع القرن المنصرم ، من رحم تلك المعاناة ، وكان عليها أن تجابه قوى عاتية .. قوى “خلافة عثمانية” ، لم تعرف كيف تكون إسلامية ، فانكفأت ، تدافع عن “طوارنية” الدولة التركية ، بتوقيع عشرات المعاهدات ، مع قوى الاستعمار الأوروبي ،تمنحه امتيازات في الوطن العربي ، لم تفكر ، إطلاقا ،ً مثلها ، مثل كل نظم الاستبداد ، السابقة ، واللاحقة ، بالاعتماد على قوى الداخل التركي ، والعربي ، بل اعتمدت على تكبيل تلك القوى ، وإعدام رموزها … ، وبالتالي ، فإنها ، ومع توقيع كل معاهدة ، مع الغرب الاستعماري ، كانت تنسحب ، رويداً ،  رويداً ، وتخلي الساحة ، ليس ، لقوى عربية قادرة على مجابهة الخطر الاستعماري ، وإنما لقوى الاستعمار ، والغزو ، ذاتها … هكذا ، أخلت شمال أفريقيا العربي ، بالكامل ، وعندما حاولت أن تدافع عن الجزء الآسيوي ، من الوطن العربي ، انهزمت شر هزيمة ، ولكن ليس أمام قوى الداخل العربي ، وإنما ، أيضا ،ً أمام مشاريع الغزو الاستعماري الغربي .. تلك المشاريع ، بالغة التعقيد ، ذلك أن الوطن العربي ، خضع من محيطه ، إلى خليجه ، ولأول مرة ، في التاريخ ، إلى تقسيم ، بالقلم ، والمسطرة ، لا يستند على أي أساس وطني ، سواء كان تاريخي ، أو جغرافي … ووجدت مشاريع النهضة نفسها ، على اختلافها ، محاصرة بين خيارين ، إذا اختارت التأسيس على الجذور التاريخية للأمة ، فستتهم ، أنها مع الاستبداد العثماني ،والعنصرية الطورانية ، أما ، إذا اختارت التأسيس على ثقافة عصر الأنوار ، والحرية ، والمساواة في الغرب ، فستتهم على الفور ،أنها تتغرب ، وأنها تعمل لحساب المشاريع الاستعمارية ، وما يترتب عليها ،من مآسي ، في الوطن العربي …، وهكذا، كان على مشاريع النهضة ،أن تتجنب حقل الألغام ذاك ،فلا تسقط في براثن الاستبداد ،والتخلف ،وفي الوقت ، ذاته ، عليها أن تتجنب السقوط في وحول التوحش الاستعماري ،هكذا كان عليها ، أن تحدد الهوية ، والانتماء ، فالاستبداد التهم الخلافة الإسلامية في الدولة العثمانية ، والرأسمالية ، بالنهب الاستعماري ، التهمت النهضة ، وعصر الأنوار ، في أوروبا … وفي مرحلة لاحقة ، برز المعسكر الاشتراكي ، مع ما يمثله من إغراء تصعب مقاومته ، فهو ضد الهيمنة الإمبريالية ، من جهة ، ويقدم مشروعاً متكاملاً ، لإنهاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، لكن الاستبداد هناك ألتهم التجربة الاشتراكية أيضاً ، وألتهم الحلم الإنساني بالتحرر من الاستغلال ..وما أشبه اليوم ، بالبارحة ،فمشروع النهضة العربية ،الآن ،يجد نفسه ، بين ذات الثنائيات تقريبا ،على أية حال ،وبالعود على بدء ،فإن تلك المشاريع ، بمجملها كانت طاغية على الساحة الداخلية ، والدولية ، وكذلك ،الحروب الساخنة ، ثم الحروب الباردة ، ثم التعايش ، الذي حسم ، لصالح القوى الإمبريالية ، الطاغية ،ذلك الواقع الصاخب ، لم يكن يسمح بالمشاركة في تلك المشاريع ، أو الحوار معها ، ولكن ، كل طرف منها ، يطلب موقفاً حاداً ، ومحدداً ، إما مع ، وإما ضد ، وبالتالي ، فإن الطريق الثالث كان مستهجنا من قبل القطبين ، خاصة بعد أن فقد مؤتمر “باندونغ” ، ألقه ، وقادت مخابرات دولة الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة انقلابات عسكرية ، من اندونيسيا ، وحتى الجزائر ، وأعماق أفريقيا ،وصولا إلى أمريكا اللاتينية ، لفرض ديكتاتوريات لا ترحم ،وكان أداء المخابرات السوفيتية أقل شأنا ،ومرة أخرى كان على مشاريع النهضة أن تختار أحداها ، وحتى التقديس ، وتعادي الأخرى ، حتى الرجم .. وإلا فهي وسطية ، وبلا موقف ، وفي أحوال أخرى ، تحريفية ، إلى حد التخوين … ، إذا أرادت أن تختار الاشتراكية ، عليها ، أن تقدس الاستبداد ، وإذا أرادت أن تختار الديمقراطية ، عليها أن تقدس الاستغلال الرأسمالي … وإذا أرادت ، أن تختار العقيدة الدينية ، عليها أن تنصاع لولي الأمر ، ولو كان ظالماً …وليس لها أن تختار ولي الأمر ،أو أن تحدد مواصفاته ،فهو يختار نفسه ، وليا للأمر ،وهي ترتكب المعصية ، إذا لم تنصاع له ، أو في أحسن الأحوال ،عليها أن تسلم أمرها ، لواحد من شيوخ الطوائف ، أو المذاهب ،أو القبائل ، ليفكر عنها ، ويقرر عنها ، وما عليها ، إلا إتباع تعاليمه ، ورفض تعاليم الآخرين ، وتكفيرهم … وإذا أرادت أن تثور ، عليها بالحزب القائد ، أو اللجنة العسكرية ، أو الضباط الأحرار ..لينتهي ، هذا كله ، بيد زعيم مقدس ،هو قائد الحزب ، أو اللجنة ، أو الضباط ، ثم هو أبو الوطن ، والشعب ،موالي،عنده ، وما عليهم ، إلا الطاعة ، والانصياع ، وإذا لم يتسنى لها ،أن تثور ، فعليها ، أن تقدم فروض الطاعة ، لإ صحاب الجلالة ، والسمو، الملوك ، والأمراء ، والسلاطين ، خاصة ، بعد أن استنسخت الانقلابات ، ملوكا ، وأمراء ، وسلاطين ،يتوارثون البلاد ،والعباد ، أمر ، وأدهى ،من النسخ التقليدية ، مما يجعل الإبقاء على النسخ الأصلية ،منهم ، أقل خطورة ….

 

( 9 )

 

          هكذا ، كان على مشاريع النهضة ،منذ بدايات القرن العشرين ، أن تشق طريقها ، في حقل ألغام ، تجهل خريطته ، وتتداخل فيه القوى ، التي تزرع الألغام ، وتتضارب ، وتنشر دخاناً ، كثيفاً … يجعل الرؤيا ، شبه مستحيلة … وإذا كانت الانتصارات ، تستر العيوب ، فإن مشاريع النهضة ، التي ولدت من رحم مقاومة الاستبداد العثماني ، ومن ثم مقاومة الاستعمار الغربي ، ومشروعه الاستيطاني في فلسطين ، ومن ثم الانتفاض على الأوضاع التي أدت إلى النكبة الفلسطينية ، إذا كانت تلك المشاريع النهضوية ، التي حققت تحرير معظم الأجزاء العربية ، من الاستعمار المباشر ، ثم قاومت عدواناً شرساً عام 1956 ، ثم أقامت دولة الجمهورية العربية المتحدة …، كانت تعتمد  الحماسة ، وكاريزما الزعماء ، والعواطف الجياشة ، لكن مشاريع النهضة تلك ، بدءاً من انفصال الإقليم الشمالي ، عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 ، ومن ثم هزيمة 1967 كمقدمة لسلسلة هزائم ، مازالت تنزل بالأمة ، حتى يومنا هذا …تلك الهزائم المتلاحقة ، كشفت العيوب ،ومواطن الوهن ، وفضحت العورات ، وبانت على الملأ ، الأخطاء ، والخطايا … وبدأت الحماسة ، والعواطف تخبو ، وتختفي بفعل الواقع الذي يزداد مرارة ، وبدأت مشاريع النهضة تفقد حاضنتها الجماهيرية ، مما جعلها سهلة المنال من قوى الاستبداد في الواقع العربي ، تلك القوى المستبدة التي كانت تبرر الاستبداد تحت دعاوي مختلفة ، مثل الغاية تبرر الوسيلة ، وضرورة الاستبداد مرحلياً لحرق المراحل ، ومقاومة القوى المضادة التي تتربص بالثوار ، وأنه مرحلة مؤقتة ..ضرورية ،لمواجهة الإمبريالية ،والصهيونية ،أو بالمقابل ، ضروري لمواجهة الإلحاد الشيوعي …، هذا كله ، فقد مصداقيته ، فتحول الاستبداد ، من وسيلة مؤقتة ، إلى هدف دائم ، وأبدي ،إلى الأبد ، وبات معيار الزعامة ،  من هو ، الأكثر دهاء ، بالاحتفاظ ، بالسلطة إلى مدى أطول ، وكيف يختزلها المستبد ، بجماعته المقربة ، ثم يختصرها بأسرته ، ثم يسكبها بأحد أبنائه .. وهكذا ..!! هذا ، بالنسبة لبعض السلطات ، التي تورطت مشاريع النهضة في إقامتها ،فتولت تلك السلطات ،ذاتها ،إجهاض مشروع النهضة ، أما السلطات الأخرى ، المتمثلة ، بالأسر التقليدية ، ملوكاً ، وأمراء ، وسلاطين ، وحكومات تحتمي بالقواعد الأجنبية ، فقد حوصرت بالحماسة الشعبية ،بين الأعوام 1956 و1961 ، وانكمشت في قصورها ، تحت حراسات مشددة ، وبدأت مشاريع النهضة ، تخترق مؤسساتها ، وحتى أسرها الحاكمة ، بالذات ، فبتنا نسمع عن “الأمراء الأحرار” ، الذين يهجرون القصور ، ويلتحقون بمشاريع النهضة ، وبتنا نسمع ، أيضاً ، عن الضباط الأحرار ، الذين يلتحقون بمشاريع النهضة ،أو يعتقلون  …ذاك الحلم ، الذي بلغ أوجه ، في خمسينات القرن المنصرم ، بدأ يخبو .. مع انفصال الإقليم الشمالي ، عن الجمهورية العربية المتحدة ،ثم مع تتابع الهزائم التي حلت بمشاريع النهضة ، فاستعادت تلك الأسر الحاكمة أنفاسها ، وعادت تتربع على عرش النظام الإقليمي ، تستمد عناصر قوتها ، من فشل مشاريع النهضة ، في الوطن العربي ، ومن التشكيك بتلك المشاريع ، على أوسع نطاق ، ليس بهدف كشف الأخطاء والخطايا ، وإنما لبث أفكار الثبات ، وإبقاء الحال على ما هو عليه ، وبث شائعة ، أن مشاريع النهضة ، هي مشاريع فاشلة ، وأن هذا الفشل ، لا يعود إلى الأساليب ، وحسب ، وإنما ، هي فاشلة ، من حيث أهدافها ، وغاياتها … ويتم التدليل ، على ذلك ، من مقارنات ، لا تنتهي بين نظم الاستبداد التقليدية ، ونظم الاستبداد العصرية التي قامت على أنها تدخل في حساب النهضة ، وكأن مشاريع النهضة ، هي مشاريع نظم استبدادية ، من أي نوع  كانت…

          هكذا ، وعندما غدت مشاريع النهضة خارج حاضنتها الشعبية ، أضحت مكشوفة ، لقوى الاستبداد العاتية ، ففتكت فيها ، ثم دفعت ما تبقى منها ، إلى العمل السري ، بعيداً عن أي تأثير عام ، على المجتمع …، وبما أن هذا الاستبداد ، امتد عقوداً من الزمن ، فإن غيبة مشاريع النهضة ، في الأقبية السرية ،لعقود مديدة من الزمن ،أدى إلى ،أن أجيالا جديدة في الوطن العربي ، ولدت ، وترعرعت تحت خيمة من نظم الاستبداد ، لا تعرف عن مشاريع النهضة ، إلا أنها مشاريع فاشلة ، ومهزومة ، وبالتالي حوصرت مشاريع النهضة تلك ، واقتصرت على بعض النخب ، التي تتداول حواراتها ، وأحياناً صراعاتها ، في الغرف المغلقة ، أو ربما في زنازين سجون المستبدين …

 

( 10 )

 

 

          وقبل اختتام هذا الحديث ، عن الظروف المعقدة ، التي ولدت فيها مشاريع النهضة ، لابد من الإشارة إلى عامل هام ، أثر تأثيراً سلبياً على مجمل الواقع العربي ، ونقصد بذلك ، ذلك التداخل الشديد التعقيد ، الذي حصل بين قوى الاستعمار الغربي ، وقوى السلطنة العثمانية ، مما أدى إلى اختلاف الظروف الموضوعية ، من منطقة إلى أخرى ، في الوطن العربي …

          فقبل أن ينصرم القرن التاسع عشر ، كان الاستعمار الأوروبي بجيوشه  البريطانية ، والفرنسية ، والألمانية ، والإيطالية ، والأسبانية ، قد أحكم سيطرته على الجناح الإفريقي ، من وطن العرب ، بينما كان الجناح الآسيوي ، من وطن العرب ، تحت السيطرة العثمانية ، باستثناءات محدودة على أطرافه ، في الجنوب ، والخليج .. هذا الواقع فرض ، ما يمكن اعتباره ، تناقضاً في الأسس الفكرية ، والعقائدية التي بنيت عليها مشاريع النهضة ، في الواقع العربي ..بسبب اختلاف الظروف ،ففي الجناح الأفريقي من الوطن العربي ،اعتمد مشروع النهضة على مقاومة الاستعمار الغربي ،وتطلع إلى الدعم من السلطنة العثمانية…،بينما اعتمد مشروع النهضة في الجناح الآسيوي من الوطن العربي على مقاومة السيطرة العثمانية ،وتطلع إلى الدعم من الغرب الاستعماري…..

          فقد كان طبيعياً ، أن تقوم مشاريع النهضة ، في الجناح الإفريقي من وطن العرب ، على الموروث الإسلامي ، لمواجهة الاستعمار الغربي ، ذلك أن رواد النهضة العرب ، في الجناح الإفريقي احتكوا احتكاكاً مباشراً بالاستعمار الغربي ، وكان عليهم مواجهة مشاريعه ، ومذابحه الوحشية ، وبالتالي لم يكن تعاملهم معه تعاملاً نظرياً ، لتقييم الليبرالية ، أو عصر الأنوار ، فقد لمسوا على أرض الواقع ، أنهم بمواجهة جيوش ، وحكام غربيين ، يمارسون شتى أشكال الاستبداد ، والتعسف ، والبطش ، بالشعب العربي ، ويرتكبون من المجازر ما يكفي ، لأن يستند “النهضويون” ، على الجذر الإسلامي ، لمواجهة تلك الهمجية الاستعمارية الغربية ، هكذا كانت رموز النهضة تتمثل بالشيخ جمال الدين الأفغاني ، والإمام محمد عبده ، والشيخ مالك بن نبي ، وعمر المختار ، والمهدي ،وعبد الكريم الخطابي ،وعبد القادر الجزائري … ومن ثم احمد عرابي ، ومصطفى كامل …ومحمد فريد ،  وإلى آخرهم …..

 

( 11 )

 

          في الجناح المشرقي ، من الوطن العربي ، كانت الظروف الموضوعية ، مغايرة لذلك تماماً ، حيث كانت السلطنة العثمانية تفرض سيطرتها ، وترفض الاعتراف بوجود الأمة العربية ، أو اللغة العربية ، فالشعب العربي ، في الجناح الآسيوي هم رعايا السلطان ، وفي مرحلة لاحقة ، سيطر “الطورانيون” ، على السلطة في الأستانة ، وتصاعد التعسف ،والتوحش ،ونصبت المشانق للأحرار العرب …، وهكذا فإن “النهضويون” ، في المشرق العربي ، أسندوا مشاريعهم ، على الوجود القومي ، للأمة العربي ، في وجه التعسف ، الذي يمارسه “الطورانيون” ، باسم الإسلام ،وبالتالي ، فإن رموز النهضة ، في المشرق العربي ،كان عليهم تأسيس منتديات ، وجمعيات عربية ، وحتى الشيخ الجليل عبد الرحمن الكواكبي ، أسس منظومته الفكرية ، على أساس اعتبار الأساس العقائدي ،هو مقاومة الاستبداد ، أياً كان مصدره ، فقامت مشاريع النهضة في المشرق العربي على أسس فكرية ، تزاوج بين الجذر المدني للمجتمع ..، وبين الجذر القومي ، وبين الجذر الإسلامي ، خاصة ، وأن المشرق العربي ، لم يكن قد احتك احتكاكاً مباشراً مع الاستعمار الغربي ،إلا ، كبعثات تبشير دينية ،أو ثقافية ، فقد كان الغرب ، بالنسبة للكثيرين ، في المشرق العربي ، مبهراً من الناحية النظرية ، مبهراً ، بالحريات التي تمارس في مجتمعاته ، مبهراً ، في عصر النهضة ، مبهراً في سرعة تطوره …

          وهكذا ، نجد رموز النهضة ، في المشرق العربي ، يعتمدون على الجذر القومي للأمة العربية ، مع انتمائهم إلى جذورهم الدينية ، فتطالعنا أسماء مثل ، عبد الحميد الزهراوي ، وعبد الكريم خليل ، ومحمد المحمصاني ، وسالم الجزائري ، وجورجي حداد ، وعمر حمد ، وعبد الغني العريس ، وأحمد طيارة ، ومحمد الشنطي ، وتوفيق البساط ، وشفيق المؤيد ، وعبد الوهاب الإنكليزي ، ورفيق رزق سلوم ، وساطع الحصري … ،وإلى آخرهم . حتى الشريف حسين الذي قاد الثورة على العثمانيين ،بالتحالف مع الاستعمار الغربي ،أطلق على نفسه ،قائد الثورة العربية الكبرى ،ووضع أرثه ،البالغ الأهمية ،كسليل لبيت النبي ، في المقام الثاني ……

 

( 12 )

 

          ولعل ما جرى ، في مطلع القرن العشرين ، كان مثالاً صارخاً على ما بدا ، وكأنه تناقض بين جناحي الوطن العربي ، فبينما كان الطليان يرتكبون المجازر ، في طرابلس الغرب ، وبرقة ، وكذلك يفعل الفرنسيون ، في تونس ، والجزائر ، إضافة إلى مجازر ، الأسبان ، والفرنسيين ، في المغرب ، وموريتانيا ، وبينما كان الحاكم الإنكليزي ، لمصر ، ينصب أعواد المشانق ، في دنشواي ، للمناضلين العرب .. في مصر ، كانت السلطنة العثمانية ، على يد جمال باشا السفاح ، تنصب المشانق ، للمناضلين العرب ، في بيروت ، ودمشق ، وبالتالي ، فإن رواد النهضة ، في المشرق ، كانوا يعتمدون على مساندة الغرب الاستعماري ، في مواجهة وحشية السلطنة العثمانية … وسط استغراب رواد النهضة في الغرب العربي ، حيث كان رواد النهضة ، في الغرب العربي ، ينتظرون مساندة السلطنة العثمانية ، في مواجهة وحشية الاستعمار الغربي .. وسط استغراب رواد النهضة ، في المشرق العربي .. وقد دفع رواد النهضة في أرجاء الوطن العربي ، عامة ، دماء غزيرة ، وضيعوا فرصاً هائلة ، قبل أن يدركوا ، معاً ، أنه لا يمكن الاعتماد على السلطنة العثمانية في مقاومة التغريب الاستعماري ، وأنه لا يمكن الاعتماد على الغرب الاستعماري في مواجهة التخريب الذي تمارسه السلطنة العثمانية ، وان المعادلة ، تحتاج إلى تعديل جوهري … ففي العلاقات ، مع العالم ، لا توجد عداوات دائمة ، وصداقات دائمة ، وأن ، الإسناد ، لن يقدم مجاناً ، لأحد ، أياً كان ، وبالتالي فإن السؤال ، يجب أن يبدأ استنادا على قاعدة مختلفة ، تماماً ، من نحن ..؟ ماذا  نريد …؟ ما هي مصالحنا ..؟ بعد ذلك يمكن البحث عن ، من تلتقي مصالحه مع مصالحنا…؟ ، وعن ، من تتعارض مصالحه مع مصالحنا…؟ ، وبالتالي ، تقوم علاقات متوازنة ، بحيث تأخذ ، وتعطي ، أما قبل ذلك … فإن القوى الخارجية ، تنظر إلى قوى الداخل ، أياً كانت ، على أنها ،مجرد ورقة ، في برامجها ،للعب بها، مع هذا ، أو ضد ذاك ، وفي هذه الحالة ، فإن هذه القوى الداخلية ،على تنوعها ، عليها دائماً، أن تعطي مما تحت يدها في الوطن ، وأن ، لا تأخذ شيء للوطن ، وفي أحسن الأحوال ، قد تساعدها القوى الخارجية ، في أن تأخذ نصيب ، يسير ، من الوطن ، أيضاً ، لصالح حساباتها الخاصة ، وبالتالي ، فإن تلك القوى ،سواء بإرادتها ، أو بغبائها ،أو بضيق أفقها ،أو بوضع مصالحها الضيقة ، فوق مصلحة الوطن ، تصبح شريكة لقوى الهيمنة الخارجية ، في عملية النهب ، لثروات الوطن ، وإمكانياته .

 

( 13 )

 

          على أية حال ، فإنه ، واعتباراً من عشرينيات القرن العشرين ، أزيل ما كان يبدو تناقضاً داخل المشروع النهضوي العربي ،سواء ،في المغرب ،أو في المشرق ، وتساوى العرب جميعاً في المظالم ، فباتوا ، جميعاً ، تحت النفوذ المباشر ، للغرب الاستعماري ، لكن مشاريع النهضة ، كانت قد اعتمدت أسسها الفكرية ، فصّدرت مصر ، والغرب العربي ، حركة الأخوان المسلمين إلى المشرق … ، وصَدر المشرق العربي ، إلى الغرب العربي ، حركة القومية العربية ، فلاقت حركة الأخوان المسلمين مناصرين في المشرق ، ولاقت حركة القومية العربية مناصرين في الغرب العربي … إضافة إلى حركات نهضوية أخرى تتبنى العلمانية ، أو تتبنى المناطقية ، والإقليمية ، في كلا الجانبين …

          هذا لا يعني ، على الإطلاق ، أن المشرق العربي ، كان أقل انتماء للجذر الإسلامي ، أو أن الغرب العربي ، كان أقل انتماء للأمة العربية ، ولكن الأولويات الضاغطة ، التي فرضت نفسها ، مع بداية القرن العشرين ، حتمت ذلك ، وإن كانت الأمور ، قد باتت أكثر وضوحاً ، مع تقدم التجربة ، من جهة ، ومع التعقيدات التي أحاطت بمشاريع النهضة ، والهزائم التي لحقت بها ..

 

( 14 )

 

          لقد كان ما تقدم ، ضرورياً ، لتبيان الظروف المعقدة ، التي ولدت فيها مشاريع النهضة العربية ، علَ الجيل العربي الجديد ، يجد لنا بعض الأعذار ، عما آلت إليه الأوضاع ، في وطننا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، لعل ذلك ، يعزز الأسباب الموجبة ، لتجديد الخطاب النهضوي العربي ، واستئناف مسيرة النهوض ، ومن جهة ثالثة ، أن لا يستهين الجيل الجديد ، بالتضحيات ، التي بذلها رواد النهضة العربية ، على مدى القرن المنصرم ، في ظروف عاصفة ، وضاغطة ..

واستكمالاً ، لهذا الحديث ، لابد من الانتقال ، من البحث في الظروف الموضوعية ، التي أحاطت بالنشأة  ، إلى البحث في مشاريع النهضة ذاتها ، وعناصر القوة ، والضعف في بنيتها ، ومدى التأثر ، والتأثير ، بظروف موضوعية ، داخلية ، وعالمية ، تغيرت بشكل حاد ، ودراماتيكي ، في أغلب الأحيان …

          فماذا عن تلك المشاريع ..؟ ولماذا آلت إلى ما آلت إليه …؟

 

( يتبع…”3″…البيان… )

 

o        حبيب عيسى

Email:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

29

يكتبها : حبيب عيسى

البيان … ( 3 )

 

.. في أحوال :

 أحزاب النهضة العربية ، وأزماتها …!

 

( تتمة … “3” …البيان … )

( 15 )

          إن فتح ملف الأحزاب ، وتيارات السياسة ، والثقافة ، والعقائد ، التي تبلورت ، مع بداية القرن العشرين ، وحتى منتصفه ،وإلى الآن … في الوطن العربي ، أشبه ما يكون ، بالدخول في غابة تعرضت لعواصف عاتية ، وحرائق مدمرة … لكن ، لا مفر من فتح هذا الملف الشائك ، مهما تعاظمت المخاطر … ومهما بدت الأحداث ، والأوراق والمسالك ، وكأنها عصية على الفهم ، المسألة هامة ، ولا خيار أمامنا إلا التصميم على سلوك هذا الطريق ، مهما كانت الصعاب … ذلك أنه ، إذا لم نفهم ما جرى ، لن نعرف كيف نتحكم بما يجري ، وبما سيجري ، في مستقبل الأيام …فبناء المستقبل ، لا يتم في الفراغ ،ولا يأتي من الفراغ ،لذا ، لابد من الكشف  عن الأسس الصلبة الصالحة ، للارتكاز ، ولابد من الكشف ، أيضاً ، عن المناطق الرخوة ، لمعالجتها ، بالوسائل المناسبة .. وإذا ، كان ، لا يمكن شطب ما جرى في ذلك القرن المنصرم ، من التاريخ العربي ، فإنه ، لم يعد من الممكن ، أن نبقى قابعين في خرائبه ، وهذا يحتم ، سبر أغواره ، كي ننطلق من محطته الأخيرة ،مهما كان الدمار الذي أصابها بليغا ، باتجاه المستقبل ، مع ما يتطلبه ، ذلك من جرف للأنقاض ، ووصف للحالة الراهنة ، وجرد دقيق للأضرار ، والموجودات ، والمفقودات ، والإمكانيات المتاحة ، والإمكانيات الممكنة ، والعقبات ، والمطبات المحتملة ، كل ذلك ، مع ما تقتضيه الظروف الذاتية ، والموضوعية ، من إطلالة واعية ، عاقلة ، على العالم ، في طبعته الجديدة ، والمتجددة باستمرار … وتحديد الاتجاه إلى مستقبل إنساني ، مختلف ، إذا لم يكن خالياً من التوحش ، بالكامل ، فإنه على الأقل ، ليس عصراً متوحشاً ، بالكامل ..! .

لكن ، وقبل ذلك ، وحتى لا نبدو ، وكأننا ننبش صراعات الماضي ، لنستنسخها ، في الحاضر ، ونشكل منها عقبات ، باتجاه المستقبل ، نرى ، أنه ، لابد من وضع ضوابط ، وأسس دقيقة ، ومحددة ، تجنباً لتلك المحاذير ،المشار إليها ، والتي ، لا تحتمل المرحلة الراهنة ، المماحكات حولها …! أو ، الخلاف عليها ، ذلك ، أن المطلوب ، الآن ، هو ، على العكس من ذلك ، تماماً ، المطلوب نبذ الصراعات الداخلية ، على تنوعها ، والانتقال ، من الصراع الداخلي ، إلى الحوار الوطني ،القومي ، ومن ثم الانتقال من الخلاف ، إلى الاختلاف ، ومن حيث النتيجة ، البحث عن الإيجابي الكامن ، في كل طرف ، من الأطراف ،كبديل عن التفتيش ،عن السلب في الآخر ،لإقصائه ، فما ، هي هذه الضوابط …؟

( 16)

أولاً : لعل أول هذه الضوابط ، وأكثرها أهمية ، يتمثل في إبرام عقد وطني ، قومي ، بين مكونات القوى ، والأحزاب ، والجماعات ، وحتى بين الأفراد ،يقضي بالكف ، نهائياً ، عن اللهجة العدائية ، والتحريضية ، والإلغائية ، والتخوينية ، والإقصائية ، والاستئصالية ، والتكفيرية ، التي سادت ، في الخطاب السياسي ، والعقائدي المتبادل ، بين تلك القوى ، المنتشرة في الوطن العربي ، والتحلي ، بقدر من التواضع ، سواء ، في الحديث ، عن الذات ، أو في تقييم الآخر .. وذلك حتى ، لا تتورم الذات ، إلى درجة “التسرطن” ، ولا يقزمّ الآخر ، إلى درجة ، النفي ، والإلغاء … ثم ، أن ، يكف كل طرف ، عن إدعاء امتلاك السر المقدس ، في الجهاد ، والنهضة ، والتقدمية ، والمقاومة ، وفي الوقت ذاته ، يكف عن اتهام الآخر ، بأنه يمتلك سر الشيطان الرجيم ، في الرجعية ، والظلامية ، والتخريب ، والتغريب ، ثم ، أن يخرج الجميع ، من الخنادق المتقابلة ، التي شوهت خارطة الوطن ، بعد أن ثبت بالأدلة ، القطعية ، أن النهضة ، لا تقوم على رفض الآخر ، أو نفيه .. وإنما تتم بالحوار معه ، وتصحيح الأخطاء المتبادلة ، بالحوار ، بين كل الأطراف .. فليلتمس الجميع الأعذار لبعضهم ، البعض ،  خاصة ، وأن الظروف الموضوعية ، بالغة التعقيد ، في الوطن العربي ، وتداخل المشكلات ، والقوى الطامعة ، ومشاريعها المتضاربة ، وضعف البنية الاجتماعية العربية ، بفعل قرون من الاستبداد المديد … قد شكل ، أعذاراً للجميع ، من الجدير أخذها ، بعين الاعتبار … ذلك ، أن ما جرى ، وما يجري ، لا يمكن مواجهته ، بضربة واحدة ، من قبل طرف واحد ، وإنما ، بالعمل الجاد ، والفعال ، والمتواصل ، بتراكم ممارسات ، نهضوية ، متتالية ، ومتواترة ،في شتى المجالات ، تتخللها ، انتصارات ، وهزائم ، لكن يحكمها تصميم أكيد على المثابرة ، باتجاه الهدف ، بالإنطاق من الانتصارات ، وبالنهوض من الهزائم .. وما جرى في القرن العشرين ، ليس ، صفراً ، على أية حال ، وليس سلباً بالمطلق .. لقد قدم ، هذا الشعب العربي ، قوافل متتالية من الشهداء ، وأبدع الرواد من أبنائه ، أساليب ، وأدوات ، للنضال على الطريق إلى النهضة ، والحرية ، لا يمكن إغفالها ، فقد ،تقدموا بقدر ما امتلكوا ، من معارف ، ومقدرة …، وانهزموا ، بقدر ما امتلك أعداءهم ، من إمكانيات ، وأدوات ، وممارسات وحشية ، عجز رواد النهضة عن مقارعتها … على أية حال ، فقد قدموا ، كل ، ما يمكن أن يقدموه ، في مثل ظروفهم ، الموضوعية ، المعقدة ، وإمكانياتهم المحدودة ، وإمكانيات أعدائهم ، الهائلة ، وبالتالي ، فإن الأجيال العربية ، في الظروف الراهنة ، لا تنطلق من الصفر ، أو بالعودة إلى الصفر ، كما يحلو للبعض ، أن يقول ، وإنما ستنطلق ، فيالق النهضة العربية إلى المستقبل ، استناداً ، وبناء على ما أسسه ، أولئك الرواد ، العظام ، من كافة الاتجاهات ، بالدماء ، والجهد ، والإبداع ، والفكر الخلاق … ، وعندما يبدأ الرواد ، القادمون من الجيل الجديد ، بإزالة تلك الكتل ، من الركام ، والحطام ، سيكشفون ، في الوقت ذاته ، عن أساسات صلبة ، ليستأنفوا مشاريع النهضة ، بالاستناد إليها ، والانطلاق منها…..! .

          القصد من ذلك ، كله ، هو الكف عن الادعاء ، باحتكار مشروع النهضة ،من قبل ، أي ، طرف منفرد ، بهدف إلغاء الآخرين ، لهذا لابد من الاعتراف ، بأن ، كل ، من حاول ، له شرف المحاولة ، بغض النظر عن النجاح ، أو الفشل ، وبغض النظر ، عن ، الصحيح ،وعن ، الخطأ ..، فالجميع يتساوون ، بعد أكثر من قرن ، بالفشل في الوصول ، إلى الغاية ، التي وضعها ، كل واحد ، لنفسه ، أو لجماعته ، أو لجمعيته ،   أو لحزبه ، وبالتالي ، فإن الجميع ، مطالب بالمراجعة ، ودعوة الآخر ، إلى الكلمة السواء .

( 17 )

ثانياً : ثاني تلك الضوابط ، وهو لا يقل أهمية ، عن الأول ، ويتعلق بضرورة تهذيب الخطاب السياسي ، من المفردات النابية ، أولاً ، والخروج من “حوار الطرشان” ، ثانياً ، بمعنى ، أن المتابع للحوارات ، والسجالات ، والندوات ، الدائرة ، على ساحة الوطن العربي ، يلاحظ دون عناء ، أن كل فريق ، أو طرف ، أو فرد ، يرمي المسؤولية ، بالكامل ، عن ما جرى ،  على الطرف الآخر ، ويوظف ، كل طاقاته ، وأدواته ، لإثبات ، أن الآخر ، على خطأ مطلق ، وأنه يتحمل مسؤولية الخطايا ، التي ارتكبت بحق الأمة ، وهذا في حال استمراره ،  لن يؤدي ، إلا إلى استمرار الخراب السائد ، ذلك ، أن هذا الأسلوب ، في الحوار ، لا يلغي إمكانية المراجعة ،والتصويب لدى الطرف المهاجم ،وحسب ، وإنما يلغي إمكانية المراجعة ،والتصويب ، لدى الطرف المدافع ، أيضاً .. ويدخل الجميع ، في مماحكات ، لا نتيجة إيجابية لها ، على الإطلاق ، وهذا ما نشاهده ، للأسف الشديد ، في الحوارات ، بين ،من يدّعون امتلاك العلمانية ،وبين ،من يدّعون امتلاك الوكالة “الحصرية” عن الله ، والدين ، ثم ،بين أهل اليمين ،وأهل اليسار ،ثم ، بين القوميين ، والإقليميين و .. إلى آخرهم …

          لقد أدى ، هذا الوضع الشائن ، إلى فقدان الرؤيا الإستراتيجية ، والمؤسساتية ، لدى الجميع ،ويؤدي إلى “الشخصانية” ، ذلك ، أن التركيز ينصب على تحديد الموقف من الآخر ، عوضاً ، من أن ينصب على البرامج ، والتخطيط ، والأساليب ، والأفكار ، والعقائد ، وهذا ، ما يمكن استنتاجه ، دون عناء ، من الإطلاع على أدبيات الجماعات ، والأحزاب ، وبقاياها ، ذلك ، أن تلك الأدبيات ، تغرق ،وتبالغ ، في تحديد الموقف من الآخر ، وتغفل الاهتمام ، ببرامج ، وأهداف ، ومشاريع المؤسسة التي تعبر عنها ، وهذا يتطلب مراجعة جذرية بحيث ينصب الاهتمام الرئيسي ، من كل فريق ، على توضيح نهجه ، وعقائده ، وبرامجه ، ومؤسساته ، ومشاريعه ، ومن ثم ، وبناء على ذلك ، وانطلاقاً منه ، يتم الحوار مع الآخر ، ومناقشة الأفكار ، والعقائد ، والبرامج الأخرى ، موضوعياً ،وبعيدا عن “الشخصنة” ، لتحديد التقاطعات ، وأين يكمن الاتفاق ، وأين ، هي نقاط الاختلاف ، بهذا ، وبهذا فقط ، يتم الانتقال إلى عتبة بناء مؤسساتي ، من جهة ، ووضع أسس موضوعية ، للحوار مع الآخر ، من جهة أخرى .

( 18 )

ثالثاً : ثالث تلك الضوابط ، ويكمن ، في الإنعتاق ، قدر الإمكان ، من “الشخصنة” ، وتلك آفة مزمنة ، ومستقرة في الواقع العربي ، تضخمت ، واستوطنت ، بفعل الاستبداد المديد ، حيث ، لولي الأمر ، أو ، للحاكم المستبد ،أو ، للحاكم بأمر الله ، على الناس ، حق الطاعة المطلقة ، وفي المقابل ، تكون المعارضة ، تحت عباءة الإمام ، المقدس ، المعصوم ، أو القائد الثوري ، الذي يعرف ، كل ، الأسرار ، دون سواه ، وما على الآخرين ، إلا ، الانصياع ، والطاعة ، أيضاً ، وتقديس الأسرار ، التي لا يعرفون كنهها … ، وهكذا على المواطنين ، تقديس الأسرار ، إما ،تلك المحفوظة لدى ولي الأمر ، الحاكم ، وإما ،تلك المحفوظة لدى ، إمام ، المعارضة ،المعصوم ، والطامع في الحكم ، دون ، أن يكون لهؤلاء المواطنين ، الحق في البحث عن ، كنه ، تلك الأسرار ، أو مصادرها … ونحن ، هنا ، لسنا في وارد البحث التاريخي ، عن جذور تلك الآفة المزمنة ، في الواقع العربي ، وأسبابها ، وإنما ، فقط ، نبحث في تداعياتها ، وآثارها السلبية ، في الواقع الراهن ، حيث ، تم “شخصنة” السلطات ، في الواقع العربي ، وبات الحاكم ، الفرد ، مصدر كل السلطات ، وتم ، إلغاء دور المؤسسات التشريعية ، والتنفيذية ، والقضائية ، فهو الموجه الوحيد ، لتلك المؤسسات ، التي فقدت دورها ، في صنع القرار ، وتحولت إلى مجرد مكاتب سكرتاريا ، تابعة للحاكم ، تنحصر مهماتها ، في تنفيذ الأوامر ، التي تأتي من المصدر الواحد ، والوحيد في  البلاد … وفي الجهة المقابلة ، فإن الاستبداد ينتج معارضة من ذات طبيعته…،كما أن شخصنة الحكم ، لم تقتصر آثارها على شخصنة مؤسسات الدولة ،والمعارضة ، وإنما انتقلت آثارها بشكل مدمر ، لتنال من مؤسسات المجتمع ، ونسيجه الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والفكري ، ففي اللحظة ، التي فشلت فيها مؤسسات المجتمع ، من مواجهة توحش الشخصنة ، في قمة السلطة ، ثم في مؤسساتها ، بدأت تتلاشى كمؤسسات مجتمعية ، وسياسية ، وثقافية ، وفكرية ، وتحولت إلى تجمعات شكلانية ، جمعية ، يمسك بمفاصلها ، المستبدون ، بالترهيب ، والترغيب …………. ، وتنصاع ، هي ، بالنفاق ، أو الانتهاز ، وتبرر ذلك بالخوف ، والتقية ، وهكذا تعطل الجهاز المناعي للمجتمع ، حيث لا أحزاب ، لا نقابات ، لا جمعيات ، لا منتديات ، وأما الذين رفضوا الاشتراك في تلك المهزلة ، فقد تعرضوا ، لمختلف أساليب التصفية ، قتل ، اعتقال ، فرض حالة حصار اقتصادي ، واجتماعي ، فدفع بهم ، ذلك كله ، إلى الانطواء ، والاختباء ، وشيئاً ، فشيئاً ، تحولوا من مؤسسات ، إلى أوضاع شللية ، تتجمع حول شخصيات ، ورموز معينة ، فلم نعد أمام مؤسسات ، وإنما أمام ، جماعة فلان ، أو مجموعة علانّ ، وهكذا .. إلى أن انسحب ذلك ، بشكل ، أو بآخر ، على كافة مناحي الحياة الاجتماعية ، والسياسية ، والثقافية ، والفكرية ، وانكفأت العلاقات ، بين الناس ، إلى مادون المواطنة ، فالقوميون العرب الذين كانوا يبحثون عن مواطنة لائقة بهم تنتمي إلى دولة الأمة العربية الواحدة ، ويرفضون بالتالي المواطنة في الدولة الإقليمية ، أو يعتبرونها ، مرحلية ، في أفضل الأحوال ، وجدوا أنفسهم ، مع الآخرين جميعاً ، ومن جميع الانتماءات ، دون المواطنة ،حتى ، في الدولة الإقليمية ، بمراحل شاسعة … فهم الآن ، اقل ، من سوريين ، وأدنى ، من مصريين ، وأقل ، من لبنانيين ، أو عراقيين ، أو جزائريين ، أو سودانيين ، وهم أصغر ، من أن يكونوا فلسطينيين ، ثم ، أصغر من الضفة الغربية ، وغزة ، وغداً ، أصغر من غزة ، وأصغر من الضفة ، وهكذا … وإلى آخر القائمة الطويلة ، أما ، الاشتراكيون الذي يصرخون على مدى عقود ، يا عمال العالم اتحدوا ، فقد وجودوا أنفسهم ، في الوطن العربي ، عاجزين عن توحيد العمال في مدينة ، أو في قرية ، أو في حي ،أو حتى في مصنع واحد ، وذلك ، لأن انتماءات أخرى طغت على انتماءاتهم الطبقية ، ولم يكن حال الإسلاميين ، رغم بروزهم على السطح ، أحسن حالاً ، فقد ، تنازعتهم ، الفتاوى المتناقضة ، والمذاهب المتناحرة ، فمنهم من يجاهد ، ضد ، تلك القوة الأجنبية ، ومنهم ، من يجاهد معها ، وفي الأحوال ،كلها ، كان “الجهاد” المذهبي ، ضد بعضهم ، البعض ، هو الطاغي ، وبالتالي ، لم يكن الحديث عن الأمة الإسلامية ، أو الحاكمية الإسلامية ، أو الدولة الإسلامية ، أبعد عن النهج الإسلامي ، مما هو عليه ، الآن ، وكذلك الحال ، بين طوائف الديانة المسيحية ، وداخل كل طائفة ، وفي المقابل فإن “العلمانيين” ، في الوطن العربي ، ليسوا أفضل حالاً ، فقد ضاقت مساحات الحركة ، بعد شخصنة العلمانية ، حول هذا ، أو ذاك ، وضاقت الرؤى ، في أغلب الأحيان ، بين الاستبداد ، والأصولية الدينية ، والعنصرية العرقية ، والعلاقات بقوى الهيمنة الدولية ،فتشقق “غشاء البكارة العلماني الرقيق” ،بفعل اختراقات متتالية ،وبانت المآسي ،المنهجية على حقيقتها….!

( 19 )

          باختصار شديد ، نستطيع القول ، أن جميع قوى الأمة ، على مختلف توجهاتها ، مأزومة ، فاقدة الاتجاه ، سواء تلك الناشطة ، حتى الموت ، أو تلك الساكنة ، أو المستكينة ، حتى الموت ، أيضاً ، وهذا أدى إلى تفاقم أزمة الشخصنة ، في الواقع العربي ، إلى حدها  الأقصى ، وبالتالي ، إلى نشوء البيئة المثالية ، للاستبداد الداخلي ، وللهيمنة الخارجية ، في الوقت ذاته ، وللصفقات المستورة ، على الجبهات كافة .

          إن “الشخصنة” ، بهذه المعاني ، وتلك الدلالات ، لم تعد مسألة ثانوية ، وإنما باتت مشكلة ، تعّوق ، الحوار الجدي ، وتعطل قانون “الجدل الاجتماعي” ، وتؤدي ، من حيث النتيجة ، إلى انسحاب غالبية القوى الأساسية ، في المجتمع العربي ، من ساحة الصراع الحقيقي ، مع القوى المعوقة ، للنهضة ، والتنوير ،تاركة لها الفرصة كي ترتع كما تشاء ،بينما تنسحب ،هي ، إلى ساحات جانبية ، الصراع فيها ، دموي ، ووحشي ، يؤدي ، من حيث النتيجة ، أياً كانت الأطراف المتصارعة ، إلى تهتك النسيج الاجتماعي ، والوطني ، والقومي ، وحتى الإقليمي ، والسياسي ، والفكري ، والثقافي ، والفني ، مما يفتح المجال واسعاً ، لقوى الفساد ، والإفساد ، والانحطاط ، والاستبداد ، ومشاريع الهيمنة الخارجية ، كي تحقق أهدافها ، وبرامجها ، بينما القوى الأساسية ، للمجتمع ، تتلهى ، بتدمير نفسها ، ومجتمعها ، بالنيابة عن قوى الانحطاط ، والعدوان .

          إن “الشخصنة” ، تعني فيما تعنيه ، أن تسود “القطيعية” في المجتمع ، بين مختلف القوى ، وتتحول القضية ، من خلاف ، بين نهج ، ونهج ، أو ، صراع ، بين عقيدة ، وأخرى ، أو اختلاف ، بين برنامج ، وبرنامج آخر ، إلى صراع ، بين أشخاص “رموز” ، لهم الحق ، وحدهم ، في المعرفة ، والقرار ، وتحديد الاتجاه ، وما على الأتباع “العبيد” ، إلا التنفيذ ، لهذا كله ، فإننا نعتبر “الإنعتاق” من هذه الحالة ، شرط أساس ، للانطلاق ، باتجاه النهضة ، والتنوير .

( 20)

رابعاً : رابع تلك الضوابط ، ويتعلق إلى حد كبير ، بالفقرة السابقة ، وذلك ، أن رواد استئناف النهوض ، من القاع ، الذي نقبع فيه ، عليهم أن يتحلوا بقدر كبير من الشجاعة ، في لحظة فتح ملفات مراجعة ما جرى ، ذلك ، أن الكثير من الأفكار ، والممارسات ، والعقائد ، باتت من الماضي ، وأنا ، أعرف مدى صعوبة ذلك ، فالساحة العربية طولاً ، وعرضاً تعج بالمناضلين ، الذين دفعوا أثماناً باهظة ، من حرياتهم الشخصية ، وسنوات طويلة ، من أعمارهم ، في سبيل أفكار ، وممارسات ، وعقائد ….، ليس من اليسير ،عليهم ، أن يعلنوا ، بعد ذلك ، كله ، أن تلك ، التضحيات ، كلها ، كانت على الطريق الخطأ ، وليس من اليسير عليهم ، أيضا ، أن يتحلوا بالموضوعية ، في عملية النقد الضرورية ، لعقائد ،منحوها أعمارهم ،ليثبتوا “قدسيتها” ، لكننا ، نقول بكل التصادق ،أن هذه الوقفة الموضوعية مع الذات ، ومع العقائد ، ومع الواقع ، هي الشرط الموضوعي ، للإحياء الحقيقي ، لمشروع النهضة ، الذي دفعوا ، تلك الأثمان الباهظة ، على طريقه ، ولو ضلت ، بهم ، السبل ، وأن تلك ، الوقفة الموضوعية ،مع الذات ، هي السبيل الوحيد ، الذي يضع تلك الأثمان ، النبيلة ، والمواقف الباهظة الثمن ، في موقعها ، على الطريق الصحيح ، إلى الحرية ، والنهضة ، والتنوير ، وإنه ، ما لم تتم عملية المراجعة ، تلك ، فإن هذه الأثمان النبيلة ، تكون ، قد ذهبت هباء ، وهذا أقسى ما يمكن أن يواجه المناضلين ، من اجل الحرية ، والتنوير ، والنهضة .

          إن الاستئناف الجاد ، والفعال ، والمؤثر ، والصائب ، لمشروع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، هو الذي يحفظ للمناضلين حقوقهم المشروعة ، في أن يسجل التاريخ تضحياتهم النبيلة ، من جهة ، وأن يضعها في السياق التاريخي ، الذي سيؤدي ، في نطاق التراكم التاريخي ، للخروج من قاع الانحطاط ، الذي نقبع فيه ، وأن عملية النقد ، والمراجعة ، الموضوعية ، لمسيرتهم النضالية ، لن تنال من تلك المسيرة ، بل ستؤدي إلى توهج الحقائق ، والغاية النبيلة ، التي ناضلوا من اجلها ، وأعطوها ، جل ، أعمارهم . باختصار شديد نقول ،إن عملية المراجعة ،والتصويب ،تصب في خانة المناضلين من أجل الحرية ،فهي لهم ، وليست عليهم ……….

( 21 )

          إن هذه المسألة ، في منتهى الأهمية ، خاصة ، إذا أدركنا ، أن الغالبية العظمى ، من كوادر مشاريع النهضة ، في القرن المنصرم ، ومطلع هذا القرن ، هم ، الآن ، على هوامش المشاريع ، التي ناضلوا في صفوفها ، وأن بعضهم مازال ، فيها ، بحكم الاستمرار، أو التساؤل ، عن البدائل … وأن بعضهم الآخر ، يعيش حالة ، من الفردية ، واليأس ، والقنوط ، مما جرى ، ويجري … ومن جهة أخرى ، فإن التجربة المريرة ، التي مر فيها ، “المناضلون الأحرار” ، في العقود المنصرمة ، أدت ، فيما أدت إليه ، إلى فرز العديد ، من القوى ، والشخصيات ، فاكتشف الكثيرون ، أن الكثيرين ، من الذين ارتبطوا بهم ، في عمل سياسي ، واحد ، وكانوا ، كوادر من حزب واحد ، أو منظمة واحدة ، لم يعودوا على هذه الدرجة من القرب ، بينما وجدوا أنفسهم ، أقرب في المواقف ، والرؤى إلى آخرين من أحزاب ، وقوى أخرى … كانوا إلى وقت قريب ، في صراع ،كسر عظم ، معها ، وهذا ، أدى بدوره ، إلى أن الخريطة السياسية ، والعقائدية ، لم تعد تعبر ، تعبيراً حقيقياً ، عن الواقع ، ولم تعد الحدود ، بين تلك القوى ، هي حدود حقيقية ،بل ،أن هناك تداخل شديد بين القوى ، وبالتالي ، فإن المراجعة الموضوعية ، تؤدي إلى عملية ، فرز جديدة ، وحقيقية ، لابد منها ، لاستئناف مشروع النهضة ، والتنوير ، فبذلك ، وبذلك فقط ، يتم بناء مؤسسات قادرة ، وفاعلة ، ومؤثرة ، وينتهي ،في الوقت ذاته ، الترهل السائد ، داخل القوى السياسية ، “القائمة” ، هذه الأيام ….  

( 22 )

خامساً : خامس الضوابط ،التي نراها ضرورية ، هو إبرام عقد شفهي ، والأفضل ، أن يكون مكتوباً ،و”مبصوما عليه بالعشرة” ، بين مختلف فصائل التأسيس ، لاستئناف رحلة النهضة ، والتنوير ، يلتزم فيه “النهضويون” ، و”التنويريون” ، الجدد ، بالديموقراطية ، وحرية الاختيار ، والتداول ، على المراتب ، مهما تدنت ،أو ، ارتفعت ، داخل كل تيار ، أو حزب ، أو جماعة ، على حدة ، بل من المهم ، أن يسعى الجميع ، لصياغة ذلك ، قانوناً ، وتشريعاً ، بحيث يكون الشرط الأساسي ، لتشريع قيام ، أي ، حزب سياسي ، هو ، أن يتضمن نظامه الداخلي ، بنداً واضحا ، لا لبس فيه ، ينص صراحة ،على  أن مراتب الحزب ،من أدنى مرتبة ،وحتى أعلاها ، تنتخب ديموقراطياً ، من الكوادر ، وأن تداول ، تلك المراتب ، من أدنى مرتبة ، وحتى أعلاها ، محدد بمدد زمنية محددة ، لا يجوز تجاوزها ، تحت أي ظرف ، أو  مبرر ، ذلك أن الحزب ، الذي لا يجد بديلاً ، لعنصر ، ما ، في ، أي ، مرتبة كانت ، في الحزب ، ليس جديراً ، بأن يكون حزباً سياسياً ، شرعياً …….

( 23 )

          نقول هذا ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، والذين يفتقدون ، في بنيتهم الداخلية ، شرعة الديمقراطية ، والتداول على المواقع ، لن يتعاطوا ، مع القوى الأخرى ، والأحزاب الأخرى ،والمجتمع بمجمله ، إلا بمنطق السيطرة ، والسطو ، والإقصاء ، والاستئصال ،والإستئثار ،والتفرد .

          إن تحقيق هذا الشرط ، يكاد يكون ، شرطاً إجرائياً ، لا يمكن الاستغناء عنه ، وإذا كان ، لابد من التدرج ، لتحقيقه ، تشريعاً ، فلتكن البداية ، ميثاق شرف ، يتضمن ذلك ، بين سائر قوى التجديد ، باتجاه النهوض ، والتنوير، ثم بالتعهد ، على السعي ، لتشريع ذلك قانوناً ، عندما تسمح الظروف بذلك .

          لقد قلنا ، ونعيد ، أن مشروع استئناف مسيرة النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، ليس مشروعاً ، أحادياً ، بمعنى أنه ، ليس مشروع اجتماعي ، أو سياسي ، أو اقتصادي ، أو ثقافي ، أو فني ، وإنما ، هو ذلك كله ، وأكثر ، إنه ، مشروع شامل ، لمناحي الحياة ، كافة ، وبالتالي ، لا يمكن استئنافه ، إلا بأدوات ، ووسائل تتناسب مع المشروع الحضاري ، النهضوي ، التنويري ، بحيث يتمكن رواد النهضة ، عن طريق تفعيل تلك الأدوات ، والوسائل المناسبة ، إنتاج ، وإنجاز مشروع النهضة ، وتجديده باستمرار ….

( يتبع…”4″….البيان… )

*  حبيب عيسى

Email:habib.issa@yahoo.com

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء
30
يكتبها : حبيب عيسى

البيان …..”4″
أحزاب النهضة العربية ، أزماتها…
وضوابط التغّير… للتغيّير …!

( تتمة… “4”… البيان… )

نتابع البحث في الضوابط ، التي يجب توافرها ، لاستئناف النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي .
( 24 )
سادساً : سادس الضوابط ، هو ، العلنية ؟، والعلنية ، هنا ، لم تعد مسألة شكلانية ، وإنما مسألة موضوعية ، وأساسية ، في التأسيس للمشروع النهضوي ، التنويري ،العربي .
هنا ، قد نواجه ، باعتراض وجيه ، له منطقه ، ومبرراته ، يقول : كيف يمكن أن نواجه ، هذا الكم الهائل ، من المؤامرات الخارجية ، والأجهزة المخابراتية الدولية ، بالغة السرية ، والقدرة ..؟ ثم ، كيف يمكن أن نواجه أجهزة المخابرات المحلية ، التي تحمي الديكتاتوريات المنتشرة بين المحيط ، والخليج ..؟ وقبل ذلك ،وبعده ،كيف يمكن ، أن نواجه فتاوى التكفير ، والقتل ،تصدر من حيث لانحتسب.. ، كيف يمكن أن نواجه ذلك كله …؟ ، وهذه ، وتلك ، لها من السمعة المخيفة ، والأساليب المرعبة ، والإمكانيات الهائلة ، والقدرة اللامحدودة على الاختراق ، والقتل ، والتوحش ، ما لا يخفى على أحد … كيف يمكن مواجهة ، هذا كله ، بدون مؤسسات تفوقها سرية ، ومقدرة على الرد ، بالأساليب ذاتها .. العين ، بالعين … والسن ، بالسن … وإلى آخره ..؟ ، وكيف يمكن لمؤسسات سياسية علنية ، وواضحة ، ومفتوحة ،وشفافة ، أن تصمد في مواجهة هذا كله ..؟ ويضيفون ، أن تلك المؤسسات العلنية ، ستكون ببساطة ، فريسة سهلة ، لتلك الأجهزة ، الهائلة القدرة ، إما ، باختراقها ، وإما ، باحتوائها ، أو تصفيتها ، بالعنف ، إذا اقتضى الأمر ذلك …!
في الرد ، على ذلك كله ، نقول : لتلك الأسباب ذاتها ، ولأسباب أخرى أساسية ، وموضوعية ، لابد من توافرها لإطلاق مشروع النهضة والتنوير ، في الوطن العربي ، مجدداً ، فإن العلنية شرط أساسي لا بديل عنه ، في هذه المرحلة من التاريخ العربي ، وذلك استناداً على التجارب المرة ،والمريرة ،والتي نعرج عليها ،باختصار ، كما يلي :
( 25 )
1 – لقد كان انكفاء الأحزاب ، والجماعات السياسية ، وغير السياسية ، أحياناً ، إلى أقبية العمل السري ، في الوطن العربي ، هو المعادل الموضوعي ، لنظم الاستبداد التي ضيقت على المجتمع ، عموما ، وعلى نشاط الأحزاب السياسية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والأهلي ،خصوصا ، ثم مارست عليها ، كافة أشكال القمع ، والإقصاء ، والاستئصال ، ثم ، وفي مرحلة لاحقة ، التفتيت ، وتدجين الكوادر الرخوة ، لتشكيل تكوينات ، وأحزاب شكلانية ، لا أثر لها ، ولا تأثير ، أمّا ، ما تبقى ، فقد انحشر في الأقبية السرية ، أو في السجون ، حيث لم يعد لهم ، أي تأثير ، على الأجيال المتلاحقة ، التي ، لا يعرفون ،هم ، كيف تفكر ،هي ، ولا تعرف ، هي ، كيف يفكرون ،هم .. ، ثم ، أن مياه غزيرة جرت في أنهار ،العرب ، والعالم ، وتغيرت الكثير من المفاهيم ، فنهضت قوى ، وبادت أخرى ، بينما القوى الحية في المجتمع العربي محشورة في الظلام ، غائبة عن ما يجري ، وتحجرت عند مفاهيم ، وتجارب لم تعد ذات شأن ، أو انتقلت بردة الفعل إلى المقلب الآخر ، لتتبنى أفكاراً نقيضة ، لتلك الأفكار ، التي دفع كوادرها ، أعمارهم دفاعاً عنها ، في الأحوال كلها ، لم يعد هؤلاء جميعاً ، من النواحي الموضوعية ، والذاتية ، قادرين ، حتى لو أرادوا ، أن يديروا الحوار المنفتح ، والموضوعي ، والضروري ، للخروج من الأزمة ، التي عصفت بمشاريع النهضة ، والتنوير ، وقد حاولت ، العديد من القوى ، والتنظيمات ، والأحزاب ، الخروج إلى العلنية ، لكنها ، حتى الآن ، لم تعرف الطريق إلى العلنية ، ومتطلباته ، كما لم تعد تعرف ، أو تطيق ، البقاء في الأوضاع السرية غير المجدية ، وهي ضائعة ، بين ، البينين .فلا هي قادرة على العمل السري ،ولا ، هي ، محققة لشروط العمل العلني….
هنا ، لابد من الاعتراف ، أن الماكينة الأمنية ، لنظم الاستبداد ، ولقوى الهيمنة الدولية ، قد امتلكت ، من الإمكانيات ، والمقدرة على التطور ، ومن الأجهزة القمعية ، ما جعل الظروف ، غير متكافئة ، ودفع بما تبقى ، من قوى النهوض ، إلى الظروف الحرجة ، وثبت أن تلك الأجهزة قادرة بالقمع ، والأجهزة المتطورة ، على اختراق الأحزاب ، والمنظمات ، والتجمعات ، حتى باتت سريتها ، بلا معنى ، في بعض الأحيان ، بل ، وتحولت في أغلب الأحيان إلى سرية سلبية ، فهي سرية ، بالنسبة لكواردها ،بين بعضهم ،البعض ، وسرية عن المجتمع ،حاضنتها المفترضة ، ولكنها مكشوفة ،عارية ، في الغالب ،أمام أجهزة الأمن ، والتجسس ، والتنصت ، البالغة التعقيد ، والدقة . وبالتالي ، فإن الغاية الأساسية من السرية ، لم تعد ذات جدوى ، بل أضحت ، تقدم خدمة ، لا تقدر بثمن ، لقوى الاستبداد…، ولقوى الهيمنة الدولية ، في الوقت ذاته ، وذلك ، بعزل قوى النهوض ، والتنوير ، عن حاضنتها الاجتماعية ، من جهة ، ومن ثم الفتك بها ، من جهة أخرى ، بمعزل عن حاضنتها الاجتماعية تلك .
( 26 )
2 – إن العنف ، والقمع ، الذي مارسته ، وتمارسه أجهزة أمن السلطات الاستبدادية ، دفع ببعض القوى ، لمواجهته ، بردة الفعل ، وبالأسلوب ذاته ، وبالتالي تحولت بعض القوى ، والأحزاب المعارضة ، إلى شكل مناقض للأجهزة الأمنية التابعة لقوى الاستبداد ، لكنه متطابق معها ،من حيث الأساليب ، والطبيعة العنيفة ، مع الفارق ، في الإمكانيات ، وعدم التكافؤ … وبما أن القوى ، والأحزاب السرية ، لا تملك أن تضرب في عمق الأجهزة الأمنية ، فإنها تضرب ،مناطق يسهل الوصول إليها ، قوى معينة ، أو تضرب عشوائياً في المجتمع ، وهذا يقدم خدمة واسعة لقوى الاستبداد ، التي تبدو ، وكأنها تحاول حماية المجتمع من قوى إرهابية …… ،وفي المقابل ، ولأن قوى الاستبداد ، لا تعرف مكامن ، ومخابئ القوى السرية التي تواجهها ، فإنها تتوسع ، وتضرب في عمق المجتمع ، أيضاً ، وتبدو القوى المقابلة ، وكأنها تدافع عن المجتمع ،بمواجهة تعسف أجهزة السلطة ، وهكذا يتبارى الطرفان في ضرب المجتمع ، الذي يصبح بين فكي كماشة ، تنتهي في الغالب بسيطرة قوى الاستبداد السلطوي ، التي تستند إلى كل تلك المجريات ، في استباحة المجتمع ، ومؤسساته ، طولاً ، وعرضاً ، بحجة حماية المجتمع ، ولعل نظرة موضوعية على الساحة العربية ، من المحيط إلى الخليج ، توضح ، كيف تم سحق مؤسسات المجتمع ، وحتى مؤسسات الدولة ، ذاتها ، وبات ، كل شيء ، تحت تصرف القوى الأمنية ، والمخابراتية ، لا أحزاب ، حتى الأحزاب الحاكمة ، تم تدجينها ، لا قوات مسلحة ، حتى القوات المسلحة ، باتت تحت تصرف ، ورقابة الأجهزة الأمنية ، لا نقابات ، لا جمعيات ، لا أحزاب ، حتى الحركة الطلابية ، والجامعات ، بات كل شيء ، إما تحت تصرف الأجهزة الأمنية ، أو مخترقا ،ً من قبلها . وهذا ، سبب آخر ، يجعل من السرية خطراً على أصحابها ، وعلى المجتمع ، في الوقت ذاته ، وأنه لابد لقوى النهضة ، والتنوير ، أن تعود إلى حاضنتها الاجتماعية ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، بالعلنية ، والشفافية ، والثمن ، في جميع الأحوال ، سيكون أقل تكلفة …
3 – لقد تواترت الأدلة ، والنتائج ، بما لا يدع مجالاً للشك ، أن الأحزاب السرية ، والحركات السرية ، والمذاهب السرية ، والجمعيات السرية ، تؤدي إلى إنتاج علاقات داخلية ، بالغة التعقيد ، من الاستبداد ، والفردية ، والتسلط الداخلي ، بحجة السرية ، وعدم جواز كشف المعلومات ، والقرارات ، إلا لفئة ضيقة ، ثم ، وفي فترة لاحقة ، تنحصر المعلومات ،ومن ثم القرار ، بيد شخص واحد ، وحده ، يملك السر ، ويملك القرار ، وبالتالي ، فإن تلك المؤسسات السرية ، تتحول إلى بؤر للفساد ،والتسلط ، وإنتاج مستبدين ، وإقصائيين ، في مؤسساتهم ، ومن ثم ، مستبدين في علاقاتهم ، مع الآخر ، ثم مستبدين ، في حال وصلوا إلى السلطة .. ذلك ، أن ، الإناء ينضح بما فيه ، فالمؤسسات الشمولية ، المغلقة ، لا يمكن أن تنتج علاقات ديمقراطية ، أو تتعامل ، مع الآخرين ، بديمقراطية ، وبالتالي فإن السرية ، تتناقض مع الشرط ، الذي وضعناه ، وهو ديمقراطية مؤسسات النهضة ، والتنوير ، وتغدو العلنية شرط لازم لهذه الناحية أيضاً .
( 27 )
4 – إن مشروع النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، ليس مشروعاً خاصاً بالأمة العربية ، أو بجزء من شعبها ، وحسب ، وإنما هو جزء من حركة إنسانية واسعة ، للتخلص من القرصنة ، والتوحش ، والاستبداد ، الذي تمارسه ، قوى متنوعة المنطلقات ،والأهداف ،لكنها تتناغم في الأساليب ،وتتمثل ، بشركات ، ودول ،وجماعات ،تنشط ، على كافة الأصعدة ، السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، وبالتالي ، فإن مشروع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، والذي ، هو ، محط أنظار العالم ، تدعمه العديد من قوى الأنسنة ،والتنوير في العالم ، أو تحتشد لإفشاله العديد من قوى الاستغلال ،والهيمنة في العالم…،وبالتالي ، لا يمكن ، لحملة مشروع النهضة العربية ، أن يغمضوا أعينهم ، عما يجري في العالم ، لأنهم جزء من حركات واسعة ،منتشرة في جميع أنحاء العالم ، لمناهضة الإمبريالية المتوحشة ، والتوحش الرأسمالي ، ومقاومة النظم الشمولية ، والاستبدادية ، وحماية البيئة ، والكوكب من التلوث ، ومن أسلحة الفتك الشاملة ،وكذلك مقاومة جميع أشكال التطرف ،والغلو ،أيا كان مصدرها ، وهذا يعني ، أن حملة مشاعل النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، أصحاب رسالة إنسانية شاملة ، يجب أن تحكم تصرفاتهم ، وسلوكياتهم ، وفي هذا المجال ،وتحت سقف المراجعة ، نقول ، إن بعض الفصائل العربية ، التي وجدت نفسها أمام أفق مسدود ، في الوطن العربي ، وتعاملت مع طرف ، من أطراف ، أجهزة الهيمنة الدولية ، في مرحلة من المراحل ، أيام الحرب الباردة ،قبلها ،أو بعدها ، وجد ، كوادرها أنفسهم ، بعد انتهاء تلك الحرب ، بانهيار ، أحد ، حديها ، أنهم مجرد أدوات بأيد مجرمة ، خبروها من الداخل ، وخبروا أساليبها ، وخبروا أدواتها ، فاستخدموا ، كل ، ما امتلكوا من خبرات ، ومقدرة ، ومعارف في الانقلاب عليها ، وقرروا أن يضربوها في عقر دارها … وبذات الأساليب المتوحشة……
( 28 )
وإذا ، كنا ، نتفهم تلك الدوافع التي أدت إلى تفجيرات نيويورك ،ولندن ، ومدريد …….، وإلى آخرها… ، ونتفهم مبرراتها ، ونتفهم ما أنتجته ازدواجية المعايير ، والنظرة العنصرية ، والاستعلائية ، والمخططات المشبوهة ، للسيطرة ، والهيمنة الدولية ، ووضع اليد على ثرواتنا ، وانتهاك حقوقنا ، في كافة المجالات ، فإن الردود ، التي تمت ، حتى الآن ، على أيد مدربة ، ومقتدرة ،وسرية ،وجدناها تصب في الاتجاه المعاكس ، لما تسعى إليه قوى النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي … كيف ؟ في الجواب ، نقول ، انه ، ورغم الإمكانيات الهائلة ، التي امتلكتها الجماعات السرية ،العربية ،وغير العربية ، والتي انخرطت في تلك الأحداث ، فإنها وجدت نفسها غير قادرة على ضرب قوى الهيمنة الدولية ، كقوى مخابراتية ، وقوى عسكرية ، فاتجهت لضرب المجتمعات ، أو المؤسسات المدنية ،التي من المفترض ، أن تتحالف ، معها ، قوى النهوض العربية ،فقوى التوحش ، المعولمة ، يجب أن تسقط في مجتمعاتها ،وبالتعاون مع القوى الحية في تلك المجتمعات لا بإرهابها ، وبالتالي ،فإن تلك العمليات ، أدت إلى نتائج عكسية حيث أضعفت تلك الضربات ، قوى التنوير، ومؤسسات مقاومة التوحش ، في الغرب ، بل ، وفي العالم كله ، واستفادت قوى الهيمنة ، والتوحش ، من ذلك ، فقويت شوكتها ، وقامت بالتوسع في الغزو ، والهيمنة .. وبات العربي ، إرهابيا ،ً إلى أن يثبت العكس ، وبالتالي ، لابد من تصحيح هذه الصورة ، فنحن ، وفي القرن الواحد والعشرين ، لا يمكن أن نقول ، من حيث المفاهيم ، أن هناك ، شعوباً عدوة لنا ، أو أن هناك ، أمماً عدوة لنا ، تلك عنصرية ، لا يمكن أن ينزل النهضويون العرب ، إلى مثل هذا الدرك ، من التوحش ، في أي حال ، من الأحوال ، نحن ضد سياسات عنصرية ، متوحشة ،أيا ، كان مصدرها ،من الشرق ،أو من الغرب ، وهذه ، لا تقابل بذات أساليبها ، التوحش ، لا يواجه بالتوحش ، بل يواجه ، بالأنسنة ، والعنصرية لا تواجه ، بمثلها ، وإنما تواجه ، بالمساواة بين البشر ، وإدانة ضرب المدن بأسلحة الدمار الشامل ، كما فعل الأمريكيون ، في هيروشيما ، لا يكون بضرب محطات المترو ، وتفجير وسائل النقل العام ،وقتل المدنيين ، كما أن مواجهة الطائفية ، والتعصب الديني ، كما يفعل الصهاينة ، لا يكون بالطائفية ، والتعصب ، وإنما ، بالحوار ، والتسامح . فالعنصرية ، هي العنصرية ، والطائفية ، هي الطائفية ، والاستغلال ، هو الاستغلال ، والتوحش ، هو التوحش … فليس ،أي من ذلك ، حد إيجابي ، في مواجهة حد سلبي ، وإنما يتساوى الحدان ، في السلبية .
مرة أخرى ، نقول ، أن مشروع النهضة ، والتنوير، في الوطن العربي ، يجب أن يستعيد صورته المشرقة ، بالإنسنة ، وبمواجهة كل سلب ، في هذا العالم ، بكل ما هو إيجابي ، لإنقاذ هذا الكوكب ، من ، كل ، أشكال التوحش ، وبالتالي ، الشد على الأيدي التنويرية ، في العالم ، والقيام ، بكل ، ما يمكن ، لإضعاف قوى التوحش ، والاستبداد ، في كل مكان ، من هذا العالم ، بتقديم نموذج حضاري ، نهضوي ، تنويري ، يحتذى به ، ويمنح القوة ، لمنطق الأنسنة ، والتنوير ، في العالم ، لمحاصرة قوى ، وعصابات ، ومؤسسات التوحش ، في بلاد المنشأ ذاتها .
إذا ، صح ما قلناه ، وهو بنظرنا صحيح ، فإن الدعوة لبناء تنظيمات ، وجماعات سرية ، من ذات طبيعة أجهزة القوى المعادية ، تفقد مبرراتها ، فقوى العنصرية ، والهيمنة ، والتوحش ، والتطرف في العالم ، ترضع من بعضها ، البعض ،حتى ، لو كانت على التضاد ، بينما ، تدفع قوى الأنسنة ، والحضارة ، الثمن دائماً .
( 29 )
5 – إن ، أي ، عمل نضالي ، من أجل الحرية ، في ، أي ، مكان من هذا العالم ، وفي ، أية ، لحظة تاريخية ، يتضمن نسبة معينة ، من المغامرة ، والمخاطرة ، وهذه النسبة ، تبدو مرتفعة ، في ظل ظروفنا المعقدة ،في الوطن العربي ، المهم في الأمر ، أن تكون تلك المغامرة ، ودرجة الخطر ، محسوبة ، قدر الإمكان ، وإن كان الأمر ، لا يتوقف على المناضلين ،المحررين ، الأحرار ، وحدهم ، وإنما يتوقف على الطرف الآخر الممانع ، للنهضة ، والتنوير ، والذي لن يوفر سلاحاً ، في معركة البقاء ، ذلك ، أن قوى الاستبداد ، ومؤسساتها الفوقية ، وقوى التحجر ، ومؤسساتها التحتية ، غالباً ما تكون أحادية النظرة ،باتجاه واحد ، بمعنى ، أنها لا تبحث عن بدائل ، فهي ، إما ، أن تبقى في موقع السيطرة ، والسطو على المجتمع ، أو في موقع امتلاك الحقيقة ، وإلغاء الآخر ، وإما ، أن تزول نهائياً ، وبالتالي ، فإنها ترفض ، أي حوار ، إلا تحت سقف التسليم ، للقوى الفوقية ، بأبدية حقها في السلطة ، أو التسليم للقوى التحتية ، بأبدية حقها ، في احتكار الحقيقة ، فقد ، أحرقت ، هذه ، وتلك ، مراكب العودة إلى المواطنة ، والمجتمع ، وهي ، لهذه الغاية ، قد تفعل ، أي ، شيء، تقمع ، تقتل ، تعتقل ، تناور ، تفجر ، تعقد الصفقات ، مع عناصر معينة ، لتخريب مؤسسات المجتمع ، وتفتيت المؤسسات ذات النفع العام ، تعقد الصفقات مع الخارج ، بلا حدود ، تقدم التنازلات ، بلا حساب ، لأصحاب مخططات الهيمنة الخارجية ، بينما ترفض الحوار – مجرد الحوار – مع ، أي ، قوة مجتمعية ، في الداخل ، ذلك أنها ، تقدم نفسها ، للخارج على أنها ، هي ، القوة الواحدة ، والوحيدة ، التي يمكن الاعتماد ،إلا عليها ، وأنه ، لا مجتمع ، ولا قوة أخرى ، خارج سيطرتها .
وإذا ، كان هذا هو شأن القوى المستبدة ، في الواقع العربي ، سواء في السلطة ،أو ، في قاع المجتمع ، فإن واقع قوى ، ومافيات الهيمنة الخارجية ، تتناغم ، مع ذلك ، فقد ثبت ، أن الصفقات ، وتمرير مخططات الهيمنة على المجتمعات ، لا يمكن أن تمر ، عبر نظم ديمقراطية ، مهما كانت عيوب تلك النظم الديمقراطية ، ولهذا ، فإن قوى الهيمنة الدولية ، التي تدعي الديموقراطية ، وأجهزتها المخابراتية ، تورطت ، وتتورط ، في الانقلاب على الديمقراطيات ، وإقامة النظم الديكتاتورية ، والتجارب ساطعة ، في هذا المجال ، عبر العالم ، كله ، وفي وطننا العربي ، على وجه الخصوص … وبالتالي ، فإن قوى الاستبداد في الداخل ، وقوى الهيمنة من الخارج ، تتكامل في السعي ، للعمل في الظلام ، وعقد الصفقات السرية ، وهذا ، لا يمكن أن يدوم إلا بتغييب المجتمع ، وتغييب الرقابة الشعبية ، وهذا يستدعي محاصرة مؤسسات المجتمع ، وقمعها ، ودفعها إلى أقبية العمل السري ، لإخراجها من حاضنتها الاجتماعية ، الواسعة ، فبهذا تصبح ، بلا فاعلية ، كما ، أن المجتمع ،بذلك ، يفقد مقاومته ، للاستبداد ، والاستلاب ، في الوقت ذاته ، وإذا كان ، هذا هو الواقع ، الذي مازال سائداً ، في الوطن العربي ، فإن قوى النهوض ، والتنوير ، بدأت تشق طريقها ، في أكثر من مكان ، في العالم ، للخروج من المأزق ، فهذه شعوب ، أمريكا اللاتينية ، التي أسست مدارس ، في المقاومة المسلحة ، والتنظيمات السرية ، والأعمال الفدائية الخارقة ، لمقاومة الديكتاتوريات ، والهيمنة الخارجية ، تحقق ،الآن ، عن طريق الأحزاب ، والتنظيمات العلنية ، والطريق الديموقراطي ، ما عجزت عن تحقيقه ، بالثورات المسلحة ، والأحزاب السرية ، فها ، هي ، الآن ، تتخلص من الديكتاتوريات ، والهيمنة الخارجية ، في الوقت ذاته ، وكذلك ، ما جرى في شرق آسيا ، وفي جنوب شرق آسيا ، وفي تركيا ، وفي أغلب الدول الإفريقية ، نريد من ذلك كله ، أن نصل إلى نتيجة ، تقول : أن المخاطر المتأتية ، على الكوادر ، في التنظيمات السرية اكبر ، بما لا يقاس ، من المخاطر المتأتية ، عن العمل العلني ، ذلك ، أن الاختراق ، في ظل العلنية ، أصعب ، لأن المؤسسات العلنية ، الديمقراطية التكوين ، والتركيب ، من الصعب جداً احتواءها ، وتدجينها ، واختراقها … وبالتالي ، فإن نسبة المغامرة ، تتدنى في النضال العلني ، وهذا لا شك ، يتطلب قواعد ، وأسس مختلفة ، تتبنى تهذيب الخطاب السياسي ، ودراسة القوانين الوضعية ، دراسة دقيقة ، والتقيد ، قدر الإمكان ، بأسس العملية الديمقراطية ، والجهر بالرأي ، والتحرر من الخوف ، وفي مثل هذه الحالة ، فإن القمع ، يفقد مبرراته الموضوعية ، والعنف يفقد حده المقابل ، في المجتمع ، فيتحول من اعتداء خاص ، على أفراد ، بعينهم ، معزولين ، في تنظيمات سرية ، إلى اعتداء عام على المجتمع ، ويخرج الصراع الاجتماعي ، من دائرة السرية ، والشائعات ، والاتهامات المزيفة ، إلى صراع مكشوف ، أمام الرأي العام ، في المجتمع ، الذي ، لا يملك ، في مثل تلك الحالة ، إلا أن يدخل طرفاً ، في هذا الصراع ، وتعود قوى النهوض ، والتنوير ، إلى حاضنتها الاجتماعية ، ويفقد الاستبداد السلطوي ،والتخريب المتخلف ، أحد أهم ركائزه ، وهو إبعاد الرأي العام ، عن الشأن العام ، والسياسة ، وفي هذه الحالة أيضاً ، تغدو السجون ، والمحاكمات المكشوفة ، أداة ، من أدوات صنع الرأي العام ، عوضاً ، عن أن تكون ، مجرد فزاعة ، ورعب ، وقد تتحول الزنازين ، في هذه الحالة ، إلى خلوة شرعية ، بين مختلف التيارات ، والقوى السياسية ، لتعميق الحوار ، وتبادل الآراء ، والخبرات … وبقدر ما ينحسر شبح الخوف ، عن المجتمع ، بقدر ما تصبح ، أدوات الاستبداد ، بغير جدوى ، وبقدر ما تتجه قوى النهضة إلى العلنية ، والشفافية ، والمواجهة المكشوفة ، والخروج من العزلة ، والانخراط المباشر ، بين الناس ، بقدر ما تغدو عملية القمع ، والإقصاء صعبة ، ومعقدة ، بالنسبة للمستبدين ، والمستعمرين ،والمتخلفين ،على السواء …
( 30 )
باختصار شديد ، لقد أثبت التجارب الحية ، أن قوى الاستبداد ، وقوى الهيمنة الخارجية ،وقوى التخلف الاجتماعي ، لا تتمكن من تحقيق أهدافها ، وضرب قوى النهوض ، والتنوير ، إلا في الظلام ، وظروف السرية ، وتحقيق الصفقات ، في الخفاء ، وبالتالي ، فإن على قوى النهضة ، والتنوير ، أن تخرج إلى النور ، وتنخرط في رحم مجتمعها ، فالظروف تتغير في العالم ، والأساليب ، ليست مقدسة ، على أية حال ، فما كان يمكن ، تحقيقه ، بالثورة ، والعنف ، والنضال السري ، بات ، من الممكن تحقيقه ، بالعلنية ، والديمقراطية ، والشفافية ، فالمهم ، هو الوصول إلى الأهداف ، وهذا لا يعني ، على الإطلاق ، أن ، الحاجة إلى المواجهة ، والمقاومة ، قد انتفت ، فالأمة ، في أشد الحاجة ، إلى مقاومة إستراتيجية ، للغزاة ، ومخططاتهم ،للمستبدين ،وأجهزتهم ،للمتخلفين ،وقطيعيتهم ، لكن ،على تلك المقاومة ، أن تعتمد ، نواميسها ، التي تضعها ، في السياق العام ، لقوى النهضة ، والتنوير ، وللحديث عنها ، موضع آخر ، يتعلق ، بآليات عملها ، ونطاقه .
ما نقصده ، الآن ، هو الأخذ بعين الاعتبار ، تغير الأحوال ، والظروف ، فالأساليب ،والأدوات المناسبة ، هي التي تحسم الموقف ،فيما إذا كانت جماعة ،ما ،ستحقق أهدافها ،أم ،لا ، فاستخدام العنف ، في غير مكانه ، يذهب بالأهداف ، ويؤدي إلى عكس ما تهدف إليه قوى النهضة ، والتنوير ، فتستأسد ، أجهزة الاستبداد ، وتستند إلى تلك الممارسات الخاطئة ،من الطرف الآخر ، في أن تنفلت الوحشية ، من عقالها ، تنهش بالمجتمع ، لهذا ،فإن السؤال ، الذي لابد ، أن نجهد جميعاً ، في الإجابة عليه ، هو ، كيف يمكن تفكيك غول الاستبداد …؟ كيف يمكن محاصرة أجهزته ، وأسلحته ، بحيث تصبح بلا فاعلية …؟ ، كيف يمكن ، أن نواجه الغزاة …؟ ، كيف يمكن ، أن نحرر المجتمع ، من غول التخلف ،لينطلق إلى الحرية….؟ ، كيف يمكن ، أن نحدد الأساليب ،والأدوات المناسبة ،في مكان معين ،في زمان محدد ،وأن نمتلك المرونة المناسبة ،لتغيير تلك الأساليب ،والأدوات ،وتعديلها ،وتطويرها ،وإبداع أساليب ، وأدوات جديدة ، حسب الحاجة ،والظروف المتغيرة…؟ ،فالأساليب ،والأدوات ،غير ثابتة ،وهي بالتأكيد ،ليست مقدسة….
( 31 )
لقد أجهدت نظم الاستبداد نفسها ، وسخرت ثروات المجتمع ، كلها ، لبناء أجهزة أمنية ، متشعبة ، أخطبوطية ، تسمع ، تتنصت ، تتجسس ، تلاحق ، بصاصين ، ومخبرين ، على كافة المستويات ، لكشف ، أي تحرك ، وقمع ، أي نشاط ، في المجتمع … السؤال ، ماذا تفيد تلك الأجهزة ، كلها ، في مواجهة نشاط ، يعلن عن نفسه ، بكل الوسائل ، وينشر ، على الملأ ، ما يريد ، وإلى أين يتجه ، وخط تحركه ..؟ ، لهذا قلنا ،ونقول ،إن ، زمن الجهر بالدعوة ، قد آن ، أوانه ،بل ، ربما تكون قوى النهوض ،والتنوير ،قد تأخرت في إدراك ذلك ..
فمثلاً ، والكلام ، هنا ، على لسان ، مناضل عربي ، من أجل الحرية ، والنهضة ، والتنوير، ألتقي معه ، بين الفينة ، والأخرى ، قال ،لي ، بالحرف الواحد ، تقريبا ، ما يلي : إذا ، كنت قد كتبت ، وقلت ،كل ، ما أريد … ، حتى ،عندما كنت محشورا في الزنزانة ، وبين أيديهم …..؟ ، قلت ، وكتبت ، كل ، ما أريد قوله ، فعلاً ، وها ، أنا أكتب الآن ، ما أعتقد ، أنه ضروري ،كنداء للحرية ، وللنهضة ، وسأكتب في المستقبل ، وسأقول ، وسأتحرك ، بالاتجاه الذي يخدم الأهداف التي عشت من أجلها … في هذه الحالة ،والحديث مازال له ، ما قيمة تلك الجيوش ، من المخبرين ، التي تلاحقني ، وتتجسس على تحركاتي ، وتتنصت على مكالماتي الهاتفية ..؟ أقول لك ، ببساطة ، تلك القوى ، الهائلة ،كلها ، باتت بلا فاعلية ، وتابع : إذا رأوا ، فيما أقوله ، قيمة ، ما ، ويصلح للحوار ، فأهلاً ، بالحوار ، وإذا رأوا ، أن ، ما أكتبه ، لا قيمة له ، فليهملوه ….، وإذا رأوا ، أنه يشكل خطراً عليهم ، فليكن ، السجون ، لم تعد تخيفني ..! كما ، أن غرف التعذيب ، وفرق الجلد ،لم يعد ، من مبرر ، لها ، ولا داع ، لانتزاع الاعترافات ، فليس ، هناك ، ما أسعى إلى إخفائه ، على العكس ، سأسعى لإقناع ، حتى المحقق ، بوجهة نظري …،فهو في قرارة نفسه ، يتمنى أن يكون مواطنا ،يتمتع بحقوق المواطنة ، وتابع صاحبي ، قائلا :
بهذا ، وبهذا فقط ، تتحول السجون ، إلى مولدات ، لنماذج ، مفولذة ، من المناضلين من اجل الحرية ، أما ، إذا توحش ، المستبدون ، إلى حد ، اتخاذ القرار ، بالقتل ، أو ، بالتصفية الجسدية ،والكلام مازال له ، ففي هذه الحالة ، أيضاً ، تكون العلنية ، إضافة ، إلى رصيد القتيل ،وليست انتقاصا من مشروعه النهضوي ، بينما الظلام ، والسرية ، إضافة ، إلى رصيد القاتل ، ومشروعه الإجرامي ، بترسيخ الخوف ، والرعب ، أكثر ، داخل المجتمع .واختتم صاحبي حديثه ، الملحمي ، بالقول :
على ، أي ، حال ، فإنني ، والكثيرين، من أبناء جيلي ، وأنت منهم ، نعتقد ، أننا عشنا ، ربما أكثر مما ينبغي ، ولا نجد في هذا الواقع العربي ، ما يستحق أن نعيش من أجله ، سوى السعي ، والنضال ، من أجل تغييره ،إيجابيا ،باتجاه الحرية ، والنهوض ، والتنوير ، وأي ثمن على هذا الطريق ، أهلاً به …..! انتهى حديث صاحبي ، الذي يكثف زياراته ، إلي ، هذه الأيام ، وبات يحرمني متعة النوم ،ولم يعد يكتفي ، بأن ، أبصم ، له على ما يقول ، بل بات يلاحقني بالسؤال ،المؤرق ، وماذا بعد …؟ ، فأنهيت الحديث ، وإن كان ذلك الطيف يلاحقني ، ولا سبيل للهرب منه ، لذلك قررت الهروب إليه ………..!
( يتبع …”5″…البيان….. )
* حبيب عيسى
 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

31                           

        يكتبها : حبيب عيسى

 

البيان…..”5″:

أحزاب ، مقاومة …..  أين ، كيف ، ومتى …؟

 

( تتمة …. “5”….البيان…. )

نتابع البحث في الضوابط ، التي يجب ، أن يعتمدها رواد النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، للخروج من المأزق ، الذي طال أكثر مما ينبغي …

( 32 )

سابعاً ، سابع الضوابط ، التي لابد منها ، لاستئناف مسيرة النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، هو ، نبذ العنف داخل المجتمع العربي ، نبذه  ، مطلقاً ، في قضايا الصراع الاجتماعي ، والثقافي ، والسياسي ، والفكري ، والديني ، ونحن ، لا نمل من تكرار هذا ، ذلك أن العنف داخل المجتمع العربي ، لا يمكن السيطرة عليه ، قد تعرف كيف تبدأه ، لكنك ، أبداً ، لا تعرف ، كيف  يمكن أن ينتهي ، العنف بين قوى المجتمع ، هو ، تدمير للمجتمع ، للأطراف ، كلها ، دون استثناء ، وبالتالي ، لا بد من قرار ضمني ، لابد من عهد ، وميثاق ، بتحصين المجتمع العربي ، من أشكال العنف على مختلف أشكالها ،وأنواعها ، داخل المجتمع ، وهذا يتطلب جهوزية عالية ، لقوى النهضة ، والتنوير ، بأن ترفض الاستفزاز ، ترفض ، حتى مواجهة العنف ، بالعنف ، ترفض التصرف ، بردود الأفعال ،ذلك أنها ( أم الصبي ) في الأحوال كلها ، ولأن ، قوى الظلام ، والاستبداد ، غير متضررة من تدمير المجتمع ، وتهتك نسيجه ، بل ، إنها ، ساعية لذلك ، لهذا ، لابد ، من مواجهتها ، بمنعها ، من تحقيق ذلك ، بجميع الوسائل ، والسبل ، وذلك ، باعتماد الرأي ، بمواجهة الرأي ، ومقارعة الحجة ، بالحجة ، وفتح الأجواء ، لجميع الأفكار ، والآراء ، حتى ، الاستفزاز ، والعنف ، من قبل قوى الظلام ، والاستبداد ، يجب أن يواجه ، بالعقلانية ، والرأي الصائب ، والموقف الصحيح ، بمواجهة الخطأ ، والقمع ، والاستفزاز ، باختصار شديد ، لابد من تعرية أساليب قوى الاستبداد ، والظلام ، بمواقف حاسمة ، وفعالة ، بحيث يتم عزلها ، وتفكيكها ، وفضح جميع التبريرات لاستخدام العنف ، والقمع ، على المجتمع ، ذلك ، أن محاصرة العنف ، لا يمكن أن تتم ، إلا ،  بحيث يبقى أحادي الحد ، لا يجد ، حده ، المقابل ، لأن ذلك ، يفقده مبررات حدوثه ،فيسقط ، ويسقط المحرضين عليه .

          إن ، هذا ، لا يعني على الإطلاق ، الاستسلام ، لقوى الاستبداد ، والظلام ، أو الكف عن مقاومتها ، وإنما يعني ، على العكس تماماً ، الانتقال إلى الأساليب ، الأكثر مضاء ، وفعالية ، في مواجهة قوى الاستبداد ، والظلام ، من جهة ، وجيوش الغزاة ، والمحتلين ، من جهة أخرى .

فقط ، أردنا القول ، بكل تحديد ، أن نواميس العمل السياسي ، وقوانينه ، وأدواته ، وأساليبه ، تختلف ، اختلافاً جذرياً ، عن نواميس المقاومة العنيفة ، وقوانينها ، وأدواتها ، وأساليبها ، والخلط بينهما يؤدي إلى نتائج كارثية … فالفصل ، هنا ، بالغ الأهمية :

-        المقاومة ، للتحرير ، ومواجهة العدو الخارجي ، وتحرير الأرض من المحتل ، أياً كانت ، هويته ..

-        بينما ، الممارسة السياسية ، الديمقراطية , السلمية , والحوارية ، تكون , لتنفيذ البرامج السياسية , والاجتماعية , والاقتصادية , والثقافية ، وكذلك ، لمواجهة أشكال الاستبداد ، والتفرد .

وإذا ، كان العمل قسمة ، فإن مشروع النهضة ، والتنوير ، لا يتسع لسائر الإمكانيات ، والاختصاصات ، وحسب ، وإنما ، لابد من تضافر سائر تلك الإمكانيات ، والاختصاصات ، لإنجازه ، دون تعارض ، أو تناقض ، ولكن بتناغم ، وانسجام ، وبالتالي ، فإن ، من يختار ، أن ينخرط في صفوف المقاومة ، عليه ، أن يلبس لبوسها ، ويخلع على عتبتها ، ما اقتضته الممارسة السياسية ، المدنية ، من أساليب ، وعندما يقرر ، أن يعود ، للعمل السياسي ، المدني ، سواء ، لأنه ، أراد ذلك ، أو ، لأن المقاومة أنجزت مهامها ، عليه ، أن يخلع على عتبة الممارسة السياسية ، المدنية ، بزته العسكرية ، وينظف سلاحه ، ويسلمه ، ويمارس العمل السياسي ، وفق نواميسه ، وضوابطه … وهذا يقودنا ، للحديث ، عن الضوابط ، التي تحكم عمل المقاومة ، وأساليب ممارستها .

( 33 )

ثامناً : ثامن ، هذه الضوابط ، إذن ، هو ، تحديد مفهوم المقاومة ، مكانها ، زمانها ، نواميسها ، حدود البداية ، وخط النهاية ، ذلك ، أن العمل السياسي مستمر ، ومتطور ، بينما المقاومة المسلحة ، نضال ، مؤقت ، محكوم بظروف العدوان ، والاحتلال ، تبدأ معه ، وتنتهي بهزيمته ، أي ، أن المقاومة المسلحة ، أسلوب عنيف ، من أساليب العمل السياسي ،يتم اللجوء إليه ، عند الضرورة ، لتحقيق غاية محددة ، بدون إفراط ، أو تفريط ….. 

وهنا ، لابد من وقفة نوضح ، من خلالها ، ما نريد قوله ، دفعاً لأي التباس ، نعم ، نحن ، ندعو إلى نبذ العنف تماماً داخل المجتمع العربي ، وإلى العلنية ، والشفافية ، والاحتكام لصندوق الاقتراع ، وتكافؤ الفرص ، والمساواة التامة بين المواطنين ، والاحتكام للعدالة ،  والانضواء تحت سقف القانون … وإلى آخره … لكن ، هذا لا يعني  ، على الإطلاق ، أن الحاجة ، إلى المقاومة ، قد انتفت ، أو ، أن الحاجة إلى حمل السلاح ، قد باتت من الماضي ، أو ، أن مواجهة الغزاة ، والطامعين ، وقوى الهيمنة ، وأساطيل العدوان ، يمكن مواجهتها بالزهور ، والرياحين ، على العكس من ذلك ، تماماً ، إننا ندعو ، للحرية ، والديمقراطية ، والمساواة ، والعدالة ، داخل المجتمع العربي ، لغايات ، وأهداف متعددة ، ومتشعبة ، لعل ، أولها ، وحجر الأساس فيها ، هو تحصين المجتمع العربي ، وتحرير كل شبر من أراضيه المحتلة ، واستثمار ثروات الوطن ، المادية ، والبشرية ، لبناء نموذج إنساني ، يحتذى به ، على صعيد الإنسانية جمعاء ، وهذا يقتضي بناء قوة ، فاعلة ، مقتدرة ، ترهب القراصنة ، وترد العدوان ، وتشكل سياجاً يحمي المجتمع ، ويدفع عنه التوحش ، من أي مصدر أتى ، بل ، نحن ، نقول أكثر من ذلك ، فنؤكد ، أن الحرية شرط الديمقراطية ، المسألة ، إذن ، لا تتعلق ، بضرورة بناء المقاومة ،عندما تتحقق شروطها ، وعندما تكون مواجهة العدوان فوق كل اعتبار ، وتحتل الأولوية على ماعداها ، فقد أثبتت تجارب البشرية ، البعيدة ، منها ، والقريبة ، إن المجتمعات التي تنعم ، بالحرية ، والديمقراطية ، والعدالة ، تكتسب بذلك مناعة ، تحصّنها ، وتجعل العدوان ، عليها ، باهظ التكاليف ، وبقدر ما يترسخ شعور المواطن ، بمواطنيته ، بقدر ما يدافع عن وطنه ، وبقدر ، ما يفتقد المواطن ، هذا ، الشعور بالمواطنة ، ويتحول إلى ، رقم ، من رعايا ديكتاتورية ، ما ، بقدر ، ما يفتقد الحماسة ، لمواجهة ، أي ، عدوان خارجي، طالما ،أن ، الديكتاتور ، يعتبر نفسه ، صاحب الوطن … وله الحق ، وحده ، في اتخاذ القرار ، وله الحق ، وحده ، في المنح ، والمنع ، حتى حق الحياة ، محصور فيه ، وبأجهزته ، فإذا كان الأمر ، كذلك ، فليدافع ، هو ، وأجهزته ، أولئك ، الذين يستأثرون بكل شيء ، وكم ، من الديكتاتوريات ، سقطت بضربة واحدة ، وكم ، من الإمبراطوريات ، انهارت من تلقاء نفسها ، لأنها لم تجد من يدافع عنها ، وبما ، يخص أمتنا ، دعونا نعترف ، أن العدوان ، الذي تتعرض له أمتنا العربية ، في مختلف مناطقها ، وأقاليمها ،وأقطارها ، في الظرف الراهن ، ليس عدواناً ، مسلحاً ، وحسب ، وإنما ، تتعرض لأشكال متعددة ، ومتنوعة ، من العدوان ، تستهدف البنية الاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية ، والسياسية ، ويتم ذلك كله بأساليب ، متنوعة ، أيضاً ، العدوان العسكري ، هو ، واحد منها ،لا أكثر ، وبالتالي ، فإن مشروع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، يجب ، أن ، تتنوع ، أساليبه ، وأدواته ، ومقاومته ، بتنوع ، ما تتعرض له ،الأمة ، ومن ، تلك ، الأساليب : المقاومة المسلحة … في مواجهة العدوان الخارجي ، المتمثل بالجيوش المعتدية ، أو ذلك العدوان المتمثل بالمستعمرات الأستيطانية …..

          لكن كيف …؟ وأين …؟ ومتى …؟ هذا هو السؤال ….

( 34 )

          نعترف ، ابتداء ، أن الإجابة ، لم ، ولن تكون ببساطة السؤال ، خاصة ، بعد التجارب المريرة ، في هذا المجال ، فالواقع العربي ، شديد التعقيد ، وبالتالي ، لابد ، من التحميص ، والتدقيق ، وتحديد المفاهيم ، ذلك ، أن هذه الأمة ، قدمت ، من الشهداء ، والضحايا ، ما يكفي ، لتحرير الأمة ، عشرات المرات ، لو ، أن تلك الدماء ، بذلت على الطريق ، الصحيح ، للحرية ، لكن ، ما جرى ، كان بمثابة مأساة ، للذين ضحوا ، وفي الوقت ذاته ، جلب المزيد ، من المآسي ، للذين تمت التضحية من أجلهم ، ولن نستغرق في ضرب الأمثلة ، فلهذا ملفه الخاص ، الذي لا يتسع المجال له ، هنا ، ما يعنينا ، الآن ، هو الحاضر ، والمستقبل ، وبالتالي ، فإن حديثنا ، لن يكون عن حروب الأنظمة ، وهزائمها ، كما ، لن يتطرق إلى ما آلت إليه ، أقلمة المقاومة ، وخصصتها ، ومذهبتها ، وسنتجاوز عن الانقلابات العسكرية ، والمآسي ، التي أدت إليها ، وإنما ، سيقتصر الحديث ، عن ، ما يجب أن تكون عليه ، المقاومة ، حاضراً ، ومستقبلاً .

 

( 35 )

1 –     نبدأ ، بتحديد المفاهيم ، كما نراها ، فالمقاومة ، مشروع تضحية ، في سبيل الوطن ، دفاعاً ، وهجوماً ، وتحريراً ، بدون أي مقابل ، والمقاومون شهداء ، أو مشاريع شهداء ، بمجرد ، أن يقدموا ، طوعا ،ً للانخراط في صفوف المقاومة ، بهذا المعنى ، فإن ، المقاومين ، شهداء الوطن ، كل الوطن ، شهداء الشعب ، كل الشعب ، بمختلف أطيافه ، وأحزابه ، لأنهم ، لا يحررون ، أرض حزب معين ، أو مزرعة شخص بعينه ، أو،أملاك جماعة بذاتها ، وإنما ، يحررون ، أرض ، تحمل هوية الوطن ، كل الوطن ، وبالتالي ، فإنهم ، رموز الوطن ، والشعب ، معاً .

2 –     استناداً ، على ، ما تقدم ، وبناء عليه ، فإن المقاومة ، ليست حكراً ، على حزب معين ، أو جماعة ، بعينها ، أياً كانت ، كما ، أنها ، ليست مغلقة ، لحساب أحد ،  أنها مفتوحة ، لكل من ينبري لها ، بغض النظر ، عن ، الجنس ، والدين ،واللون ، والعقائد ، والإيديولوجيات ، والإثنيات ،….، إنها ، حق ، وواجب ، وتضحية ،وشرف نبيل ، وسمو ، وشهادة ، في الوقت ذاته .

3 –     استناداً ، على ما تقدم ، فإن المقاومة ، لا يمكن ، أن تكون ذراع ، لحركة سياسية معينة ، أو ،أداة ، لجماعة دينية ، أو طائفية ، أو أثنية ، أو مناطقية ، وإنما ، يجب ، أن تكون من نسيج الأمة ، دون تمييز ، لتكون ، ذراع الأمة ، كل الأمة . وبمقتضى هذا ، فإنه ، لا بد من الفصل ، بين النشاط السياسي ، على مختلف درجاته ، وبين النشاط المقاوم ، على تنوع أدواته ، فلكل ، من النشاطين ، مكانه ، وزمانه ، وأي خلط ، يؤدي إلى مأساة ، وإن كان ، لابد من التكامل بينهما ، بمعنى ، أن التناقض يؤدي إلى كارثة ، أيضاً . بمعنى ، أدق ، فإن النضال السياسي  ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، يتم عبر مؤسسات ، وأحزاب ، وجمعيات  ، ومنتديات  ، لها توجهاتها ، ومنطلقاتها ، وغاياتها ، الخاصة بها ، استنادا إلى منظومات فكرية محددة تختلف ، بين ، هذا ،وذاك ، أما المقاومة المسلحة ، والفدائية ، دفاعا عن الوطن ، فإنها تتضمن بذاتها ، كل ، هذا الطيف الوطني بمختلف ألوانه ، وبالتالي ، ليس لأحد ، أيا كان ، أن يدعي ملكية المقاومة ، أو ، أن يقول ، انه ، على ، من ، يريد أن يقاوم ، أن يقاوم “تحت أمرتي” ، وبالطريقة التي أحددها ،وللحد الذي أقرره ، لأن ذلك ، إضافة إلى الخلل البنيوي ، قد ينتهي إلى كارثة وطنية ، تعبث بالمقاومة ، وبدماء الشهداء ، معا … والتجارب ، المرة ، مازالت حية ، وماثلة في الأذهان ….               

( 36 )

قد يقال ، أن ، هذا الكلام ، نظري ، وأن المقاومة ، في التجارب الإنسانية ، كانت تابعة لتيارات سياسية ، أو ، كانت جزء منها ، في أغلب الأحيان ، هذا ، إلى حد ، ما ، صحيح ، لكنه جزء من الحقيقة ، ذلك ، أنه ، عندما يتعرض الوطن للاحتلال ، فإن المقاومة تكون ، في الغالب ، محصلة ائتلاف وطني ، أو جبهة ، أو تكتل واسع ، يضم كافة أبناء المجتمع ، هذا ، عندما يكون الواقع بسيطاً ، بمعنى ، وطن ، وشعب ، في مواجهة احتلال مباشر ، إلا ، أن الواقع العربي ، المعاصر ، أكثر تعقيداً من ذلك ، بكثير ، ذلك ، أن الوطن العربي ، يعاني من مشكلات ، لا حصر لها ، مشكلة الاستبداد ، مشكلة التخلف ، مشكلة الفساد ، مشكلة النهب الاقتصادي ، مشكلة نهب العقول العربية ، مشكلة التنمية ، مشكلة الديمقراطية ، مشكلة التجزئة ، مشاكل ، أثنية ، وطائفية ، ومذهبية ، ومناطقية ، وإقليمية ، وإلى آخره … لكن ، الوطن العربي ، بالإضافة إلى ذلك ، يعاني مشكلة الاحتلال المباشر ، لبعض أجزائه ، سواء ، من بعض دول الجوار ، أو ، من قبل دول الهيمنة الدولية …، أو بالعدوان الاستيطاني ، هذه ، المشكلات الأخيرة المتعلقة بالاحتلال ، هي المشكلات الوحيدة ، التي تستدعي المقاومة المسلحة ، وهي المشكلات الوحيدة ، التي ، يسمح فيها ، باستخدام السلاح ،أو ممارسة العنف ، أما ، المشاكل الأخرى ، فإنها تجد حلها ، بالعمل السياسي ، والفكري ، والثقافي ، والاجتماعي ، والعقائدي ، وبالحوار ، والتعددية ، والاحتكام لصندوق الاقتراع … وبالتالي ، فإن الخلط ، بين المفاهيم ، غير مسموح به ، فأي عمل سياسي ، في الأراضي المحتلة ، لا يستند إلى ضغط المقاومة ، وأدواتها ، يؤدي إلى التفريط بالحقوق ، وأي ، إقحام ، للمقاومة ، والعنف ، في الصراع الاجتماعي ، أو إقحامها في الاختلاف السياسي ، أو ، العقائدي ، أو… داخل المجتمع ، يؤدي ، إلى الحروب الأهلية ، وإلى تدمير المجتمع ، من حيث النتيجة ، أو ، في أحسن الأحوال ، يمهد الطريق إلى الاستبداد ، والفساد ، والديكتاتورية ، والتفرد بالسلطة ،و…. ، ومن حيث النتيجة ، يؤدي ذلك ، إلى تدمير المجتمع ، أيضاً …  ، وإلى هزيمة مشروع التحرر ، والتحرير ، والحرية  ، والنهضة ، والتنوير ، بفصائله ، السياسية ، والمقاومة ، في الوقت ذاته………

( 37 )

نريد ، أن نقول ، بأكبر قدر من الوضوح ، أن المقاومة يمكن أن تقيم تحالفات ، مؤقته ، مع هذه المجموعة ، أو تلك ، داخل المجتمع ، أو ، حتى ، خارجه ، بما يخدم مشروعها التحريري ، المقاوم ، لكن ذلك يجب أن يتم ، في ظل ضوابط صارمة ، وشروط ، لا تحتمل التأويل ، تحفظ للمقاومة ، حرية القرار ، والحركة ، من جهة ، ويحصن المقاومة ، في الوقت ذاته ، من الانجرار ، إلى الصراعات الداخلية ، أو الإقليمية ، لأن ذلك يفقدها مصداقيتها الوطنية ، الشاملة ، ويحولها إلى ورقة يلعب ، بها ، وفيها ، الآخرين ، وفق مصالحهم ، وتوجهاتهم ….

وبما ، يخص ، خصوصية الوضع العربي ، وتعقيداته المتشعبة ، والمزمنة ، فإن توريط المقاومة ، بالخندقة ، مع فريق ، ضد آخر ، تحت ، أي ، سبب ، أو مبرر ، يحول المقاومة إلى ، رقم ، في الصراع الداخلي ، أو الإقليمي ، ويزيل ، عنها الغطاء الوطني ، الذي يحققه الإجماع الشعبي ، عليها …….

ثم ، على المقاومة ، أن تدرك ، وتمتلك الرؤيا الشاملة لطبيعة الصراع ، والقوى المتدخلة ، والفاعلة ، فيه ، حتى لا تقع المقاومة ، فريسة الحسابات الخاطئة ، فلا تتحالف مع القوى الظالمة ، ضد القوى المظلومة ، في المجتمع العربي ، ولا تتحالف ، مع القوى الإقليمية ، أو الدولية ، الطامعة بالهيمنة على الوطن العربي ، فإطالة عمر المستبدين ، أو الطامعين ، يعني ، أن ، المقاومة فقدت البوصلة ، وأنها تعمل ضد هدف التحرير ، الذي هو مبرر وجودها ……

 ثم على المقاومة أن تعي دروس التاريخ ، فالخارج ، أي خارج ، لا يدعم مقاومة ، أو غير مقاومة ، لتحقق أهدافها التحررية ، وإنما يدعم أو يحارب ، لتحقيق مصالحه ، وبما يخدم توجهاته ، وبالتالي على المقاومة  ، وغير المقاومة ، من قوى ، وتجمعات سياسية ، أخرى ، أن تدرك ، ابتداء ، أن قوى الخارج ، لا تساهم ، بتحرير وطن ، أي وطن ، من قوى خارجية أخرى ، إلا لتحل محله في الاحتلال ، والهيمنة ، وقد ، يكون الاحتلال الجديد ، أشد خطرا ، على المجتمع من الاحتلال الراحل ….

( يتبع … “6”…. البيان … )

•        حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

32

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ….. ” 6 ” …

“أيضا …” أحزاب ، مقاومة ….

  أين ، كيف ، ومتى …؟

 

( تتمة : البيان … ” 6 ” … )

نتابع البحث ، في الضوابط ، التي يجب أن يعتمدها رواد النهضة ، والتنوير في الوطن العربي للخروج من المأزق ، الذي طال ، أكثر مما ينبغي …

 

( 38 )

 

4 –     لوضع ما تقدم ، في إطاره الواقعي ، لابد من تحديد الينابيع ، التي تضخ الحياة ، في المقاومة ، بشرياً ، ومادياً ، من جهة ، كما  لابد ، من حل الإشكالية ، التي تتعلق ، بتحقيق مبدأ ، الفصل ، والوصل ، ومبدأ ، الاستقلالية ، والتكامل ، بين مؤسسات المجتمع ، السياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والمدنية ، من جهة ، وبين المقاومة ، من جهة أخرى …

          يقتضي الأمر ، للإحاطة بهذا الموضوع ، من جوانبه المختلفة ، توفر ، عناصر ثلاثة :

-        العنصر الأول ، ويتعلق ، بالمكان ، بمعنى ، أن ، في الوطن العربي ، مناطق ، وأراض ، تحت الاحتلال المباشر ، من قبل الغير ، وبالتالي ، فإن هذه المناطق ، بالتحديد ، هي ، المجال الحيوي ، لنشاط المقاومة ، المباشر ، لا يتعداها إلى سواها ، ولا ينتقص منها ، شيئاً .

نقصد ، من ذلك ، تحديدا ، وحتى لا يساء فهم ، ما نقول ، أن ، الفعل المقاوم ، المسلح ، ينحصر ، في الأراضي العربية ، المحتلة ، بينما إمكانيات الأمة ، كلها ، المادية ، والمعنوية ، والبشرية ، تكون ، المنبع الذي يمد المقاومة ، بكل ، ما تحتاج إليه ، عبر مؤسساتها ، المدنية ، والسياسية ، والاجتماعية ….

_ العنصر الثاني : هو ، الزمان ، ونقصد ، زمن المقاومة ، من حيث البداية ، والنهاية ، فإذا ، كان زمن انتهاء المقاومة ، يحدد ، بانتفاء أسبابها ، أي بزوال الاحتلال ، والعدوان ، فإن ، بدايتها تعتمد على حسابات ، لابد من دراستها ، لتحديد ، الظروف المناسبة ، وإن ، كان لابد من الاتفاق على مبدأ ثابت ، وهو ، أن وجود الاحتلال ، يستدعي ولادة المقاومة ، لكن ، هناك ظروف موضوعية ، قد ، تقتضي تأجيل العمل المقاوم ، أو تحديد ، وانتظار الظروف المناسبة ، فهناك أراض عربية ، محتلة ، من الجوار ، أو ، هي مجال ، لنشاط معاد ، يستهدف العدوان على أراض وطنية ، بهدف احتلالها ، أو اقتطاعها …أو ، إثارة الفتن فيها ، وهذا ، في مجمله ، خاضع لحسابات إقليمية ، ودولية من جهة ، وخاضع ، لحسابات داخلية ، وطنية ، قومية ، لا يمكن إغفالها ، ولابد من أخذها ، بعين الاعتبار .

-        العنصر الثالث ، ويتعلق ، بالبنية البشرية ، للمقاومة ، هنا ، لابد من التحديد ، والتقرير ، بأن ، البنية البشرية ، للمقاومة ، ليست محصورة ، بسكان المناطق المحتلة ، وإنما شاملة ، للأمة بأسرها ، ذلك ، أن الجزء المحتل ، من الوطن ، ليس ملكاً ، خاصاً ، لسكانه ، وإنما ، هو ، جزء محتل من الوطن ، وبالتالي ، فإن تحريره ، واجب على ، كل ، مواطن ، مهما كانت عقيدته ، أو أثنيته ، أو إقليمه ، وبالتالي ، فإن ، على المقاومة ، أن تحمل هوية الأمة ، كلها ، وهذا لن يتحقق ، إلا ، بأن ، تكون البنية الداخلية ، للمقاومة ، معبرة ، عن ذلك ، بحيث ، تكون المقاومة ، متاحة ، لجميع ، أبناء الأمة ، على قدر المساواة ، ودون تمييز ، من أي نوع ، كان ، وإذا كان ، هذا ، صحيح ، من حيث المبدأ ، وهو صحيح ، من وجهة نظرنا ، يبقى السؤال ، مشروعا ، وهو ، كيف يمكن ، أن نطبق ، ذلك ، عملياً …؟ للإجابة ، على ذلك ، يمكن ، أن ، نحدد أساليب ثلاثة :

 

( 39 )

 

-        الأسلوب الأول : أن يشكل ، كل ، حزب سياسي ، أو حركة ، أو جماعة ، فصيلاً ، مقاوماً ، لمقاومة الاحتلال ، ولهذا الأسلوب محاذيره الكثيرة ، أقلها ، عدم التنسيق بين فصائل المقاومة ، مما يؤدي إلى التناقض ، والتضارب ، وأحياناً ، الصراع ، ابتداء ، أو    انتهاء …،والأخطر ، في هذا الأسلوب ، أن ، امتلاك القوة ، أو التفوق في امتلاكها ، أو السعي ، لذلك ، قد يؤدي ، إلى طلبها ، من قبل ، قوى داخلية ، أو توظيفها من قبل قوى خارجية ، فيخرج القرار بالتالي ، من يد ، ذلك ، الفصيل ، إلى القوى الداعمة ،ويتحول المقاومين ، إلى ، رهائن احتياجاتهم ، كما ، أن ، امتلاك فريق ، ما ، للقوة المرجحة ، على القوى الأخرى ، في المجتمع ، قد يغريها بالسيطرة ، والتفرد ، واستئصال القوى الأخرى ، مما يؤدي ، للفتن ، والاقتتال الداخلي ، فتكون النتيجة ، في هذه الحالة ، مأساوية على الجميع ، وتضيع دماء الشهداء ، هدرا ، بل ، أكثر من ذلك ، قد ، ينتقل المجتمع ، من ، مواجهة مشكلة جزء محتل ، من أراضيه ، إلى مواجهة مشكلة ، استلاب المجتمع ، كله ، وتهتك نسيجه الوطني … ، لهذه الأسباب ، فإن ، هذا الأسلوب ، ليس ، بالأسلوب المناسب ، خاصة ، في الظروف المأساوية الراهنة ، التي تمر ، بها ، أمتنا العربية …

-        الأسلوب الثاني : أن يشكل ، كل ، حزب سياسي ، أو حركة ، أو جماعة ، فصيلاً مقاوماً ، لمقاومة الاحتلال ، ثم ، يتم تشكيل ائتلاف ، أو جبهة ، أو منظمة ، تجمع تلك الفصائل ، وتنسق فيما بينها ، وإذا ، كان ، هذا الأسلوب ، أكثر تقدماً ، من الأسلوب السابق ، إلا ، أنه ، من حيث النتيجة ، يؤدي ، إلى إحدى حالتين ، إما ، أن يتجه ، هذا ، الائتلاف ، بعد انتهاء المقاومة ، إلى مصادرة الحياة السياسية ، والاستيلاء على السلطة ، وإلغاء العمل السياسي ، المدني ، وبالتالي ، الوصول ، إلى الديكتاتورية ، والاستبداد ، وما يترتب عليه ، من فساد ، وإفساد ، وقمع ، وإما ، أن ، ينفرط الائتلاف ، وتتصارع الفصائل ، حتى ، استبداد ، أحداها ، أو ، إلى هزيمتها ، معا ، أو ، إلى حروب أهلية  ، كارثية ، تدمر الجميع ، والمجتمع ، معا …

-        الأسلوب الثالث ، وهو الأسلوب ، الذي نقترحه ، حيث ، أن الأراضي العربية المحتلة ، متباعدة ، من المشرق ، إلى المغرب ، ومن الجنوب ، إلى الشمال ، وتختلف ، طبيعة الاحتلال ، وظروفه ، وطبيعة المحتل ، وأساليبه ، من أراض محتلة ، إلى أراض محتلة أخرى ، وهذا يستوجب ، تنوع المقاومة ، من بقعة ، إلى أخرى ، بحيث تتعامل المقاومة ، مع ، كل ظرف ، بما يناسبه ، مع ، ضرورة التنسيق ، والتكامل ، فالمقاومين ، الذين ينجزون مهامهم ، في مكان ما ، يمكن ، لهم ، أن يلتحقوا ، بجبهة أخرى ، تحتاج جهودهم ، ونضالهم ، كما ، أن تعرض ، جبهة ، ما ، إلى عدوان استثنائي ، غير متوقع ، يتطلب تضافر جهود ، الجميع ، للنجدة ، كما ، لابد من التنسيق ، لتبادل الخبرات ، والمعلومات … ، وهذا يتطلب ، مرونة في حركة المقاومة ، واستقلالية ، لاشك فيها ، عن التيارات السياسية ، المتباينة ، في المجتمع العربي  إن ، هذا ، يحقق المفهوم الشامل ، للمقاومة ، ويبرز هويتها الوطنية ، وفي الوقت ذاته ، يحقق ، التعامل الدقيق ، مع ، الظروف المتفاوتة ، في الوطن العربي ، و يتعزز ، هذا المفهوم ، بوضع أسس محددة ، وثابتة ، ودقيقة ، لطبيعة ، بنية  المقاومة ، وكيانها المستقل ، وأنظمتها ، وشخصيتها الاعتبارية ، وعلاقاتها التكاملية ، مع ، الأحزاب ، والحركات ، والأنظمة السياسية ، السائدة  ، في وطن العرب… فكيف يتم ذلك …؟؟

 

( 40 )

 

من حيث المبدأ ، تتحدد ، نقطة الانطلاق ، بعقد ميثاقي ، بين مجمل أطياف ، الطيف السياسي ، والاجتماعي ، والثقافي ، والاقتصادي ، في الأجزاء ، وفي ، الكل ، العربي ، ينص ، على ، أن مؤسسة المقاومة ، في الوطن العربي ، أو ، مؤسسات المقاومة ، في الأجزاء ، هي مؤسسات اعتبارية ، مستقلة ، تماماً ، عن مؤسسات المجتمع المدني ، المشار إليها ، بمعنى ، أن المقاومة ، ليست طرفاً ، في ، أي ، صراع داخلي ، وأن سلاحها ، ودماء شهدائها ، أقدس ، من ، أن ، يدنس ، بالصراع ، بين القوى ، التي يتكون منها المجتمع العربي ، وهذا يقتضي ، أولاً ، عقد شفهي ، والأفضل ، أن يكون ، مكتوباً ، يصون المقاومة ، ويحصنها ، بأن ، لا تنتقل الخلافات السياسية ، إلى صفوف المقاومة ، وبأن ،  لا يقبل تدخل المقاومة ، في أي خلاف سياسي ، داخلي ، تحت ، أي ، عنوان ، أو مبرر … ، ويقتضي ، ثانياً ، الاعتراف ، باستقلال مؤسسات المقاومة ، موضوعياً ، وذلك بضخ المساهمات المادية ، إلى مؤسسات المقاومة ، دون ، أي ، شروط ، أو تبعات ، وفتح أبواب المساهمة ، لدعم المقاومة ، أمام جميع فئات المجتمع ، وجمعياته ، ومؤسساته الاقتصادية ، وبما ، أن الانخراط بالمقاومة ، بشرياً ، هو ، أمر تطوعي ، بحت ، فإن مؤسسات المجتمع ، السياسية ، وغير السياسية ، تفتح باب التطوع ، لكوادرها ، ومناصريها ، حسب الحال ، حيث ، يرتب الحزب السياسي ، حفلاً ، ليزف إلى المقاومة ، أحد كوادره ، ويجمد ، في الوقت ذاته ، النشاط السياسي ،لذلك الكادر ، منذ تلك اللحظة ، ليخضع ، على الفور ، لأنظمة ، ونواميس المقاومة ، وفي اللحظة ، التي ، ينتهي فيها دور ذلك الكادر في المقاومة ، بانتفاء الحاجة إليها ، أو بقرار منه ، لمعاودة نشاطه السياسي ،  ترتب مؤسسة المقاومة ، التابع لها ، حفلاً ، لتزفه إلى العمل السياسي ، فيسلم سلاحه ، ويتم ترقين قيوده ، من سجلات المقاومة ، ويلتحق بالعمل السياسي ، وفق أنظمة ، ونواميس العمل السياسي ، وفي حال استشهاده ن فهو شهيد الأمة ، كلها  … ، وليس شهيد ، أي طرف ، بعينه ، بهذا ، وبهذا ، فقط ، نصون دماء الشهداء ، فلا يسمح ، لأحد ، أن يخوض فيها ، لانتهاز مكاسب سياسية ؟ ، سواء من الداخل ، أو من الخارج ، وفي الوقت ذاته ، تتقوى المقاومة ، وتتجذر ، كما ، أن المؤسسات السياسية ، من حزبية ، وغيرها ، تترسخ ، وتواصل مسيرتها النضالية ، والعقائدية ، وبهذا يتجنب المجتمع ، الآثار السلبية ، التي قد تنشأ ، عن التناقض ، أو التداخل ، بين ، مؤسسات المجتمع ، بجناحيه ، السياسي ، والمقاوم …

 

( 41 )

 

          إننا ، ندرك المدى ، الذي وصلت إليه حساسية موضوع المقاومة ، في الوطن  العربي ، حيث ، تم ، العبث بدماء الشهداء ، فقد روت دماؤهم الطاهرة ، سهول ، وجبال ، وروابي ، وصحارى ، ووديان ، هذا الوطن العربي ، لكن ، هذا كله ، تم استغلاله ، لإقامة “دول فعلية” ، استبدادية ، وفق مخططات ، ومشاريع استعمارية ، لا علاقة ، للأمة ، بها ، ثم ، روت دماء الشهداء ، ربوع فلسطين ، وما يحيط ، بها ، شرقاً ، وشمالاً ، وجنوباً ، وحتى غربا من جهة البحر ، وتم استغلال ، ذلك ، ويتم ، حتى الآن ، لصالح صفقات ، مذلة ، مع العدو ، أو لصالح ، حسابات ، وصراعات ، لا علاقة لمشروع الأمة ، التحرري ، النهضوي ، والتنويري ، بها ، لهذا ، فإن هذا الموضوع ، يجب ، أن يتم وضعه ، في إطاره الصحيح ، ضمن مشروع النهضة ، باحترام رموز المقاومة ، واحترام دماء الشهداء ، الذكية ، على الدوام ، فلا يخوض ، فيها ، السفلة ، والمساومين ، لإبرام صفقات ، تضحي ، بالأهداف النبيلة ، التي ، بذلت الدماء الذكية ، من اجلها ، وبالتالي ، لابد ، أن يبقى هذا الموضوع ، حياً ، مفتوحاً ، للنقاش العام ، بكل شفافية ، ومصداقية ، بين سائر عناصر ، وقوى النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، بحيث ، يتم وضع حد نهائي ، للعبث ، بدماء الشهداء ، أو المساومة عليها ، تحت ، أي عنوان ، كان ، فالعمل قسمة ، وليأخذ ، كل ، مكانه في هذا المشروع ، الحيوي ، للأمة حاضراً ، ومستقبلاً .

إن ، النضال من أجل النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، وفي ظل الظروف الموضوعية ، الراهنة ، هو ، عمل مقاوم ، بطبيعته ، مهما اختلفت الميادين ، والساحات ، سواء كان ، بالسلاح ، أو بالعمل السياسي ، أو الاجتماعي ، أو الفكري ، أو الاقتصادي ، أو…. فللتكامل كافة الجهود للخروج من المأزق …..

 

( 42 )

 

          عود على بدء … ، كان ، ما تقدم ، محاولة ، من قبلنا ، للعثور على مدخل مناسب ، لموضوع ، استئناف مشروع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، ثم تطرقنا ، لما اعتقدنا ، أنها ، ضوابط ضرورية ، أو ، على الأصح ، عناوين عامة ، لضوابط ، وتفاصيل كثيرة ، يجب ، أن ، يلتزمها رواد النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، ويضعونها نصب أعينهم ، وهم يراجعون ، ويدققون ، ويضعون الأسس ، للخروج من المأزق ، الذي طال أكثر ، مما ، ينبغي ، وهذا يضعنا ، على عتبات مرحلة جديدة ، يقدم فيها ، كل ، فرد ، كل فئة ، كل جماعة ، أقصى ، ما يمكن ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير .

          اسنتاداً ، على ذلك ، كله ، فإننا ، سنبدأ ، اعتباراً ، من هذه النقطة ، بطرح مشروع ، للنهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، نقول ، مشروع ، ونؤكد ، أنه ، مجرد مشروع ، بل ، مسودة مشروع ، قابلة للتعديل ، من جهة ، ونؤكد ، في الوقت ذاته ، من جهة ثانية ، أن ، صاحب هذا المشروع ، يطمح ، أن يكون ، مجرد ، مشروع ، من جملة مشاريع ، تجديدية ، تواكبه ، من مختلف الاتجاهات ، لتروي غليل الساحة العربية ، العطشى ، لها ، وانسجاماً ، مع ، كل ما تقدم ، فإن ، المشروع ، الذي نقدمه ، لا يحتكر ، مشاريع النهضة ،  وليس بديلاً عنها ، ولا يدعّي ذلك ، ولا يقبل بذلك ، وإنما ، هو ، مجرد مشروع ، من جملة مشاريع متعددة ، ننتظر ، أن تطرح ، على الجيل العربي الجديد ، بشفافية ، ووضوح ، بحيث ، يختار ، ويعرف ، بدقة ، ماذا يختار ، بعد أن تتسع دائرة الحوار ، والنقاش ، لتشمل جميع أبناء الوطن ، بحيث ، يجد كل مواطن عربي ، مشروعاً ينخرط فيه ، ويجد ، فيه ، الوسيلة ، المناسبة ، للنضال على طريق الحرية ، والنهضة ، والتنوير ، انطلاقا من مبدأ ثابت ، بأن ، زهرة واحدة لا تصنع ربيعا …..

 

( 43 )

 

          بتحديد أكثر ، وحتى ، لا يبقى ، أي ، مجال للبس ، فإن المشروع الذي سنقترحه ، والذي سنعطيه ما تبقى من أعمارنا ، هو ، مشروع خاص ، بالقوميين العرب ، الذين ينطلقون ، من مقولة ، أمة عربية مكتملة التكوين ، من حقها ، أن ، تقرر مصيرها ، بحرية ، وأن تقيم دولتها ، القومية الواحدة ، المشروعة ، على كامل ترابها ، وبشعبها ، ولشعبها كاملاً ، بتنوعه ، وخصائصه ، ومقوماته ، لكن هذا ، لا يعني ، أن هذا المشروع ، الذي سنعمل عليه ، ينكر على أي أحد ، أو مجموعة ، لها ، توجهات ، أو مبادىء ، تعارض المشروع القومي العربي ، أن ، تعلن ، مشاريعها ، وأن ، تناضل ، بحرية ، لتحقيق أهدافها… ، وحتى ، في ، نطاق التيار القومي العربي ، التوحيدي ، فإن ، مسودة هذا المشروع ، الذي نقترحه ، لا تنطلق من مبدأ ، أنها ، تحتكر النضال القومي العربي ، من اجل الوحدة العربية ، كما ، أن هذا المشروع ، ليس بديلاً ، عن الأحزاب ، والمشاريع القومية العربية ، القائمة ، وإنما ، هو ، رديف ، لها ، وحسب ، فمن يرى ، من أبناء هذه الأمة ، كائنا من كان ، أن ، هذه المسودة ، تلبي طموحه ، فأهلاً ، به ، كادرا من كوادر “الطليعة العربية” ، على الرحب ، والسعة ، ومن يريد ، أن يجدد نشاط حزبه ، أو حركته القومية العربية ، فأهلاً ، به ، أيضا ، سنتحاور ، ونتحالف ،  في اغلب المراحل ، حول المشترك ، بيننا … ، ومن يرى ، من القوميين العرب ، أن الحركات ، والأحزاب القومية القائمة ، وكذلك المشروع الذي نقترحه ، لا يلبي طموحه ، فليسعى إلى التأسيس ، للمشروع الذي يرى أنه ، يصل به ، إلى الغاية ، التي يحددها …. ، ونحن سنتعاون ، ونتحالف حول الكثير ، من القضايا ، والمسائل المشتركة ، وأهلاً ، به ، أيضا ، على الطريق ، الذي يتسع للجميع ، إلى الحرية ، والوحدة العربية ، والاشتراكية ، والعدالة الاجتماعية ، المهم ، أن نخرج جميعاً ، من ، لوثة الفردية ، التي ، لا تصل بأحد ، منا ، إلى أي مكان ، غير القاع ، والهزيمة ، التي نعيش ، والأهم ، أن نكف عن هجاء الآخر ، وأن ، نكف عن مجرد رفض ، ما لا نرضى عنه ، إلى بناء ما نرضى عنه ، المهم ، أن ننتقل ، جميعاً ، إلى المؤسساتية ، فبهذا ، وبهذا فقط ، يكون الحوار ، بين مؤسسات ، حقيقية ،وفعالة ، بين ، برامج محددة ، ليخرج ، بنا ، جميعاً ، من مستنقع الشخصانية ، والذاتية ، المدمرة … إلى فضاء الجدل الاجتماعي ، الرحب .

 

( 44 )

 

          وإذا كان ، هذا ، هو ، موقعنا داخل ، التيار القومي العربي ، فإن موقفنا ، هذا ، ينسحب على الموقف ، من كافة التيارات ، والقوى ، في الوطن العربي ، أياً ، كانت المنطلقات ، ومهما كانت الغايات .. نمد أيدينا ، للحوار ، مع الجميع ، ونتحالف ، معاً ، أو نختلف ، على طريق النهضة ، والتنوير ، في ، أي ، مرحلة ، وباتجاه ، أية ، قضية ، ونطرح جميع المسائل الخلافية ، على طاولة الحوار ، الهادئ ، والموضوعي ، والمنتج .

          لتحقيق ، هذا ، وللخروج ، سريعاً ، من المأزق ، نرى ، أنه ، من الهام ، الكف ، عن الرفض المسبق ، أو الولاء المسبق ، وأن نتحرر ، قدر الإمكان ، من المواقف الجاهزة ، والمسبقة ، التي اتخذت ، بفعل ظروف ، استثنائية ، وشاذة ، لقد ، تبنىّ البعض ، في ظروف شاذة ، مواقف سلبية ، من التيار القومي العربي ، استنادا على ممارسات ، نسبت زوراً ، وبهتاناً ، إلى القومية العربية ، والقومية العربية ، كنهج ، ومنهج ، ومنطلق ، وغاية ، براء منها ، ومن الذين مارسوها ، وكذلك الأمر ، بالنسبة للحركات ، والقوى الأخرى ، على امتداد الساحة العربية …

          فلنرسم ، خطاً ، على الواقع ، وخطاً ، في الفكر ، والممارسة ، ولنعتبره ، جميعاً ، خطاً ، للبداية ، ننطلق منه ، جميعاً ، إلى النهضة ، والتنوير ، ولنحتكم ، في التقييم ، للذات ، والتقييم ، للآخر ، إلى المعطيات الموضوعية ، والمعرفة الحقيقية ، بالآخر ، وأن نكف عن الحكم ، على الآخر ، بناء على الشائعات ، والجهل ، وإنما ، بناء على الحقائق ، والعلم ، الدقيق ، بالآخر …

          شيء آخر ، لابد من توضيحه ، وهو ، أن ، هناك ، في الواقع العربي ، ما يتفق عليه ، الآن ، ويمكن التحالف عليه ، بين قوى مختلفة ، في مرحلة استعادة الوطن العربي ، المخطوف ، حالياً ، فليتنافس الجميع ، عن طريق برامجهم المختلفة ، في ، التحرير ، والبناء ، والتنمية ، وليتحالفوا ، حيثما ، يكون ذلك ممكنا ، فبذلك ، نستعيد الأرض ، ونستعيد الثروات ، ونحقق حياة آمنة ، للمواطنين ، وحرية واسعة ، وتشاركية واسعة ، ومساواة تامة ، فلا خلاف على ذلك . وإن تعددت الطرق ، للوصول …..

أريد ، أن ، أقول ، بأكبر قدر من الوضوح ، أن ، أحد أهم الإشكاليات ، التي أدت ، إلى انتكاسة مشروع النهضة ، في الوطن العربي ، تمثلت ، في ، أن ، كل ، جماعة ، قررت ، أنها ، البديل عن الجميع ، وبالتالي قررت ، منفردة ، أن تلغي الآخر ، وتنفيه ، وإذا امتلكت الوسائل ، للتصفية ، فإنها ، لن تتردد ، لقد ، آن الأوان ، لأن ينتهي ، ذلك المنهج في التفكير ، وفي الممارسة ، وأن نتعلم ، مرة واحدة ، وأخيرة ، كيف ، نحتفل بالرأي الآخر ؟ ، وكيف ، نحترم الرأي الآخر ، المختلف ؟ ، وكيف ، نتعامل مع الأفكار ، التي نختلف معها ، بجدية ، ونرد عليها ، بجدية ، وتهذيب …. ؟

          أرجو ، أن يشكل ، كل ، ما تقدم ، مدخلاً صحيحاً ، إلى المشروع ، الذي سنقترحه ، فليأخذ المكانة ، التي يستحق ، في وسط ، متحرك ، ومضطرب ، من القوى ، والمشاريع ، نرجو ، أن تتواكب ، وتتنافس، بموضوعية ، واحترام ، على الطريق العريض ،الذي يتسع  للجميع ، بل ، وينتظر الخطوات الجادة ، من الجميع ، لعل ، عيوننا ، تلتقي على أفق عربي ، تشع عليه ، أنوار النهضة ، وأن المشروع ، الذي نقترحه ، ملكية عامة ، وهو ، ملك خالص ، لكل ، من يتبناه ، وإنني ، أتنازل ، له ، عن سائر الحقوق ، ذات الصلة ، وله ، أن يعتبر نفسه ، صاحبه ، وله ، أن يعتبر نفسه ، كاتبه ، وله ، سائر الحقوق ، المترتبة ، على ذلك …..

 

  ( يتبع … “7” البيان .. )

 

*  حبيب عيسى

 E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

33

يكتبها : حبيب عيسى

…البيان…. “7”…..

“الطليعة العربية”

( من التعارف … إلى التعريف )

( تتمة…”7″… البيان… )

( 1 )

 

          آن ، الأوان ، أن ننتقل ، من التعارف ، إلى التعريف بالمشروع القومي العربي ، الذي نقترح مسودته ، ولعل ، ما تقدم قد طال أكثر مما ينبغي ، لكنني لا أعتذر عنه ، فقد كان ، ضرورياً ، للوصول الآمن ، إلى هذه المحطة ، على الطريق ، الطويل ، المؤدي إلى الدولة القومية ، للأمة العربية ، أو ، إلى النهضة ، والتنوير ، لا فرق ، هنا ، مربط الفرس ، كما قال الأجداد ، وهنا ، نواجه أسئلة المصير الصعبة ، دون مواربة ، وهنا ، نختار الطريق ، الذي علينا ، أن نسلكه ، إلى غايات ، وهبناها أعمارنا ، فلا ، نتوه مرة أخرى ، في الزواريب ، والمسالك المزيفة ، والمضللة ، وهنا ، علينا ، أن نختار الوسائل ، والأدوات ، والعدد ، وأن ، تشخص عيوننا ، على البوصلة ، قبل ، أن نطلق ، صافرة الانطلاق ، من هذه المحطة ، التي طال انتظارنا ، على أرصفتها ، المحترقة ، والمدمرة …

( 2 )

 

          لقد ، قلنا في مكان ، ما ، من هذا الحديث ، أننا ، كقوميين عرب ، لا ننطلق من الصفر ، وإنما ، نكمل مسيرة بدأها الرواد القوميين العرب المعاصرين ، بكل ، ما ترتب عليها من انتصارات ، وانتكاسات ، وإخفاقات ، فقد ، بذل ، أولئك الرواد ، على طريقها ، تضحيات هائلة ، ودماء غزيرة ،وسّخروا ،كل ، معارفهم ، وطاقاتهم ، وإمكانياتهم المتاحة ، وأناروا في ربوعها منارات هامة ، من الأفكار ، والرؤى ، أما ، كونهم لم يصلوا إلى الغاية التي بشروا بها ، فهذا ، يتعلق ، بجملة ظروف معقدة ، حيث فاجأتهم في منعطفات عديدة ، أ فخاخ ، ومطبات ، لم تكن في الحسبان ، ولم يكونوا قد استعدوا ، لمواجهتها ، ونحن ، لا نقول ذلك ، في مجال التبرير ، ولكننا نقوله ، في مجال التوصيف ، ونعترف ، أنهم يتحملون المسؤولية كاملة ، في هذا الجانب ، ونحن ، الجيل التالي ، شركاء في المسؤولية ، ولكننا ، نحن ، وهم ، نتقاسم المسؤولية ، في مجالات متعددة ، مع القوى ، والاتجاهات ، والأحزاب ، غير القومية ، في الوطن العربي ، والتي وصلت ، بممارساتها ، إلى ذات الحائط المسدود ، على طريق أهدافها ، ولم تعرف ، حتى الآن ، كيف تتجاوزه … كما ، لم نعرف ، نحن … نقول هذا ، تحديداً ، منذ البداية ، للتعبير دون مواربة ، أننا ، لا نلقي مسؤولية الهزائم ، والفشل ، الذي عانت منه مشاريع النهضة ، في الوطن العربي ، على كاهل قوى الهيمنة الخارجية ، كما ، لا نلقيها على عاتق قوى ، التخلف ، والردة …. فتلك ، تسعى ، علناً ، إلى الهيمنة ، والسيطرة الإستراتيجية ، متعددة الوجوه ، على الوطن ، والأمة ، من الخارج ، بينما قوى التخلف ، والتفتيت ، تسعى ، علناً ، إلى تمزيق هوية الأمة ، من الداخل ، واصطناع ، هويات ، وانتماءات ، تتصارع حتى الموت … وهذه تشرع الأبواب ، لتلك ، وتلك ، تمهد ، وتوفر الأسباب ، لهذه … وهكذا … في حلقة مغلقة …!

 

( 3 )

 

          ثم ، لعل ضرورات البحث ، كانت تقتضي ، أن نترك ، تعريف  “الطليعة العربية” ، ليأتي ، في السياق ، بعد تحديد ، المنهج ، والمنطلقات ، والغايات … ، لكن ، ضرورات الفرز ، وأهمية التعريف ، بملامح ، وهوية “الطليعة العربية” ، وتميزها ، أكثر إلحاحاً ، ذلك ، أنه ، من المهم ، بداية ، تثبيت الإدراك ، أننا ، لا نضيف رقماً ، ولا نكرر تجربة ، وإنما ، نقدم ، مشروع ، رؤية مكتملة الملامح ، لمؤسسة قومية ، تتعامل ، بعقلانية ، مع الظروف المتغيرة ، في الوطن العربي ، وسنبدأ ، ذلك ، برفع “القداسة” ، عن الأساليب ، والمسارات ، التي سلكها ، القوميين العرب ، في العقود المنصرمة ، فا لطليعيون العرب ، الجدد ، يعترفون ، بالأخطاء ، والخطايا ، ويبتعدون ، عن ، المنطق التبريري ، ويجددون أساليب نضالهم ، بما ، يتلاءم مع المتغيرات ، والظروف المستجدة ، ويهجرون الأساليب ، التي أدت ، بالقوميين العرب ، وبغيرهم ، من النهضويين ، الآخرين … إلى ، ما هم عليه ، الآن ، والقوميون العرب ، الجدد ، يفتحون الأبواب ، مشرعة ، للتجديد ، والإبداع ، والابتكار ، والتغيير ، دون قيود ، مهما ، كان ، نوعها ، وأياً ، كان مصدرها ، ويسعون ، لتحقيق ، نقلة نوعية ، على ، صعيد ، تجاوز مرحلة ، قال ، فلان ، وتصرف ، عّلان ، إلى مرحلة ، ماذا ، يقولون ، الآن ، بالضبط  ، الآن … ؟ ، ثم ، كيف يتصرفون ، بأية أفكار ؟ ، وبأية وسيلة ؟ . وإذا كان العرب ، قد قالوا قديماً ، “المكتوب يقرأ من عنوانه” ، فمن ، الهام ، أن نبدأ ، بالتعريف ، دفعاً ، لأي التباس ، خاصة ، وأن العنوان ، ملتبس ، حيث كان ، عنواناً ، لتجارب متعددة ، فشل بعضها ، وتعثر بعضها الآخر ..، واندثر بعضها الأخير ..!

 

( 4 )

 

          لكن ، قبل ذلك ، لابد ، من تحديد موقع المشروع القومي ، الجديد ، في السياق العام ، لتطور المشروع القومي العربي ، المعاصر ، فمع بداية القرن العشرين ، كان ، الوطن العربي ، إمارات ، عثمانية ، بعضها يخضع ، مباشرة ، للإدارة  في ، الأستانة ، وبعضها ، الآخر ، كان ، يقرّ  ، بأنه جزء من السلطنة العثمانية ، لكنه ، يتمتع ، بقدر ، من الإدارة المستقلة ، والحكم الذاتي ، وبعض ، ثالث ، كان ، إمارات ، وسلطنات ، تحكمها عائلات ، وسلاطين ، وبعض ، رابع ، كان خاضعا ، للاحتلال المباشر ، للاستعمار الغربي ، الذي ، اتخذ أسماء مختلفة ، من الوصاية ، إلى الحماية ، إلى الانتداب ، إلى الاستعمار … لكن ، الوطن العربي ، في تلك المرحلة ، ومهما ، اختلفت التسميات ، لم يشهد ، ما يعرف ، الآن ، بالدول ، ذات الحدود المعروفة ، وإنما ، كانت تلك الحدود ، تتحرك بحسب قوة الإمارة ، أو ضعفها ، وبحسب ، تمدد القوى الاستعمارية ، أو تقلصها … هذه الأوضاع ، بدأت ، بالتغير ، بعد الحرب العالمية الأولى ، حيث ، اندحرت الجيوش العثمانية ، أمام جيوش الغرب الاستعماري ، التي ، لم تقتصر ، مهماتها ، هذه المرة ، على الاحتلال ، والسيطرة ، وإنما ، تكفلت ، هذه المرة ، بتنفيذ خريطة جديدة ، تقسم العقار العربي الواحد ، إلى محاضر ، بموجب مخطط تنظيمي ، وضعه ، الساسة ، والجنرالات ، والاستراتيجيين ، في الغرب ،الليبرالي ، أوروبيا ، الاستعماري ، دوليا  ، وأثقلوا ، تلك الخريطة ، بمعاهدات ، فيما ، بين ، بعضهم ، البعض ، بمعزل عن أصحاب الأرض ، وأهلها ، فأعطوا وعوداً ، لعائلات ، وقبائل، أقطعوها ، أجزاء ، من الأرض العربية ، وأعطوا ، وعداً للمنظمة الصهيونية ، العنصرية ، بإقامة دولة عنصرية ، من المستوطنين الأجانب ، في فلسطين ، ووضعوا أساطيلهم ، بتصرف الصهاينة ، في دول الغرب ، لترحيلهم ، وتهجيرهم ، إلى فلسطين ، ليستوطنوها ، بعد طرد أهلها العرب ، واقتطعوا ، بعض الأرض العربية ، ومنحوها ، لدول الجوار ، كجوائز ترضية ، بموجب معاهدات ثنائية ، وخطوّا ، خطوطاً ، على الرمال ، وفي الجبال ، والوديان ، على طول الأرض العربية ، وعرضها ، يقطعوّن الأوصال ، ويمنعون التواصل ، بين أبناء الأمة الواحدة ، ويقيمون ، سلطات متصارعة ، لنقل الصراع إلى الداخل ، فتدور المعارك داخل البيت العربي ، ذاته ، وباشروا  ، بالفعل ، تأسيس البنية التحتية ، للدول “الفعلية” ، التي أطلقوا عليها ، دول ذات سيادة ، ثم ، باشروا ، بسحب جيوشهم ، بالتدريج ، وتسليم مقاليد الأمور ، إلى السلطات ، التي ، تم إعدادها ، بعناية فائقة … وذلك ، فراراً ، من الثورات الشعبية ، والمقاومات ، التي اندلعت ، في ، سائر أرجاء الوطن العربي …، والتي ، بدأت تنذر بقلب الطاولة ، على رؤوس الغزاة … ، وبالفعل ، مع بداية الأربعينات ، بدأت ، تلك “الدول الفعلية” ، تصبح ، أمراً واقعاً ، تحت إشراف الدول ، التي كانت تستعمرها ، والتي ، أخذت بيدها ، إلى هيئة الأمم المتحدة ـ لتمنحها بطاقة عضوية ، ثم ، تم ، استكمال تلك الخطوة ، في الخمسينات ، والستينات ، من القرن المنصرم ، حيث بات الوطن العربي ، من محيطه إلى خليجه ، خاضعاً لسلطات تلك “الدول الفعلية” … التي اتخذت ، أسماء متنوعة ، ملكية وجمهورية ، … إمارات ، وسلطنات … وأخيراً جماهيريات …!!

 

( 5 )

 

          لم نقصد ،  مما ،  تقدم ، استعراض عناوين ، تاريخية ، وإنما ، إيضاح البيئة ، والظروف ، التي نشأ ، وتطور فيها ، تيار القومية العربية ، وصولاً ، إلى الظروف الراهنة ، فقد ، تعددت أشكال ، وطرق النضال ، في الوطن العربي ، كما تعددت الرؤى ، والأفكار ، وتنوعت ، وتغيرت ، بتغير الظروف … والحروب الباردة ، والساخنة .. لمقاومة أشكال معقدة من الهيمنة ، والتجزئة ، والاستلاب ، لم تتعرض ، لها ، أمة ، في التاريخ ، على حد علمنا .. من حيث ، تعدد الأساليب ، والوسائل ، وكان الهدف ، المتفق عليه ، هو ، ما أعلنه رئيس وزراء بريطانيا العظمى ، قبل حوالي قرنين ، من الزمن وهو : “يجب ألا يتحد العرب ..” ، حيث تردد ، هذا الهدف ، وتقاطع مع أصوات عربية ، محلية ، وبات شعاراً ، لقوى ، وجماعات ، وأحزاب ، في الواقع العربي ، لكل ، منها ، منطلقات ، وغايات ،   وأسباب ، وارتباطات … ، لكنهم يتفقون ، في الداخل ، والخارج ، بموجب تعاقد ، أو بدونه ، على هدف واحد ، وهو اقتطاع أجزاء من الأرض العربية ، ولن يكون ذلك ، إلا ، بالسعي ، والعمل ، لتحقيق الهدف ، المعلن : ( يجب ألا يتحد العرب …) ..

          منذ ذلك التاريخ ، تنوعت ، وتعددت قوى العدوان على الأمة العربية ، وبالتالي ، تنوعت ، وتعددت أساليب المقاومة ، هناك ، نواميس ، لمقاومة الغزو الخارجي ، ونواميس ، أخرى ، لمقاومة الاستبداد الداخلي ، ونواميس ، ثالثة ، لمقاومة قوى التخلف الإستئصالية ، والتفتيتية ، في الداخل ، ونواميس ، رابعة ، لمقاومة الهيمنة الاقتصادية الخارجية ، وفرض تبعية الأمة ، إقتصادياً ، للخارج ، ونواميس ، خامسة ، لمقاومة تزوير الهوية الثقافية للأمة ، ومحاولات محوها .., ونواميس ، سادسة ، لمقاومة التخلف الاجتماعي ، ونواميس ، سابعة ، لمقاومة استغلال الإنسان ، للإنسان ، ونواميس ، ثامنة ، لمقاومة تجزئة الأمة ، وتفتيت مقوماتها ، ونواميس ، تاسعة ، لمقاومة التخريب الداخلي ، على صعيد التاريخ ، والجغرافيا ، والعقائد ، والأديان ، والثقافة ، والاجتماع ، ونواميس ، عاشرة ، لمقاومة التغريب ، والغربة ، عن الوطن ، بالكشف عن الجذور ، وسلامة التربة ، والتروية ، وتنظيف المناخ ، من كافة الملوثات ، أياً ، كان مصدرها ، ومهما ، كانت غاياتها … إضافة ، إلى نواميس ، لا حصر لها ، ترافق أدق تفاصيل وجودنا ، ومستقبلنا ، ودورنا الحضاري ، في ، الأجزاء العربية ، ثم ، في الكل العربي ، ثم ، في الحياة الإنسانية ، على صعيد العالم كله ، لصياغة ، قانون دولي ، عادل ، يقطع دابر العدوان ، ليس على أمتنا ، وحسب ، وإنما ، قطع دابره ، عن ، مختلف شعوب الأرض ، واعتماد العدل ، كقانون أساسي ، للحياة الإنسانية ، والعلاقات الدولية ، بين الشعوب ، والأمم ، بحيث ، نصل إلى وضع القرار الدولي ، والتشريع الدولي ، والقوة الدولية ، بيد ، قوى العدل ، والمساواة ، والأنسنة ، وانتزاعه من قوى الهيمنة الدولية ، التي تعتمد ، على امتلاكها ، لأسلحة التدمير ، والفتك ، كمعيار ، يخولها تقرير ، ما تريد … عن طريق احتكارها ، لعنصرية الفيتو المتوحشة ، ذلك ، أن أسلحة التدمير ، والقوة ، يمكن ، أن ، يمتلكها القراصنة ، مصاصي الدماء ، وناهبي ثروات الشعوب … والتوحش ، الذي ، لا يمكن أن يفضي ، إلا ، إلى مزيد من التوحش … وهذه المرة ، يتم ذلك ، تحت غطاء “الفيتو” …

 

( 6 )

 

          في ، هذا السياق ، الشامل ، للنهضة ، والتنوير ، وفي ظلال رايات الحرية ، للانعتاق ، من حالات اليأس ، والاستلاب ، والاستسلام ، لواقع عربي ، ممسوك ، بقوة ، من عصابات الداخل ، والخارج ، التي تمارس ، بتوحش ، لا مثيل له ، كافة أشكال ، القتل ، والنهب ، والإفساد ، والإقصاء ، والاستئصال ، والتخلف …، نقدم هذا المشروع ، للنهضة ، والتنوير ، وفي هذا السياق ، يندرج التعريف الأساسي ، بمشروعنا عن “الطليعة العربية” ، فهي ، كما قلنا ، ونكرر ، لا تولد من الفراغ ، ولا تنطلق من الصفر ، وإنما تورق ، وتزهر ، وتعطي ثمارها ، من ، لدن ، جذور تذهب عميقاً في تربة هذا الوطن ، ليذهب ، كل ، هذا الزبد الذي يطفو على السطح العربي ، جفاء …!

          لقد ، تعددت مسارات النهضة ، والتنوير ، خلال القرنين المنصرمين .. في الوطن العربي ، وتنوعت ، بين ، مقاومة مسلحة ، وثقافة تنويرية ، ونهضة فكرية ، وأحزاب سياسية ، وتمرد عسكري ، ونهوض اجتماعي ، وهذا ، لا يعني ، على الإطلاق ، انفصال تلك المسارات ، عن بعضها البعض ، وإنما ، كانت ، ومازالت متداخلة ، ترضع من بعضها ، البعض ، حيث ، كان ، أي تقدم ، على أحد المسارات ، يستنهض التقدم ، على المسارات الأخرى ، كما ، أن الانتكاسة ، على أحد المسارات ، كانت تنعكس سلبياً ، على المسارات الأخرى … مما يؤكد ، ترابط مواضيع ، النهضة ، والتنوير ، وشموليتها ، ويمكن ، على العموم ، رسم تلك المسارات ، عبر القرنين المنصرمين ، وفق ما يلي :

 

( 7 )

 

مقاومة عربية ، مسلحة ، في أرجاء الوطن العربي ، ففي المغرب العربي ، اندلعت ، بقيادة ، عبد الكريم الخطابي ، وعبد القادر الجزائري ، وعمر المختار ، ومن وادي النيل ، المهدي ، وابن النديم ، ثم ، من أرتيريا ، ومن جنوب اليمن ، ومن ظفار ، ومن بلاد ما بين النهرين ، ثم ، في بلاد الشام ، أو ما يعرف ، اليوم ، بدول : سورية ، ولبنان ، وفلسطين ، وشرق الأردن ، ثم تمثلت ، تلك المقاومة ، بحروب فدائية ، في قناة السويس ، والجزيرة العربية ، وهي ، ثورات ، قاومت السيطرة العثمانية ، ومن ، ثم ، قوى الاستعمار الأوروبي ، واختتمت تلك المرحلة ، بقيام “الدول الفعلية” الراهنة ، في الوطن العربي ، مع منتصف القرن العشرين ، ثم ، تجددت المقاومة المسلحة ، بعد ذلك ، إثر ، العدوان الثلاثي ، على بور سعيد ، ومن ، ثم ، ولادة المقاومة في فلسطين ، وامتدادها ، إلى ، لبنان ، والعراق …

 

( 8 )

 

2 –     مقاومة ، وتمرد ، من داخل الأجهزة الرسمية ، في الوطن العربي ، تمثلت ، بتمرد محمد علي باشا في مصر ، على الإدارة العثمانية ، وعلى الاستعمارية الغربية ، في الوقت ذاته ، ثم ، تمرد أحمد عرابي ، وفي العراق ، تمرد رشيد الكيلاني ، وامتد ذلك …، إلى ثورة 23 تموز (يوليو ) في مصر ، بقيادة جمال عبد الناصر ، وما تبعها من انقلابات ، في أجزاء ، أخرى ، من الوطن العربي ، جاءت ، كلها ، تحت شعارات عالية النبرة ، وانتهت ، بإحباطات مريرة …!

 

( 9 )

 

3 – مقاومة ، عقائدية ، لمواجهة التخريب ، والتغريب ، في الوقت ذاته ، من عبد الرحمن الكواكبي ، إلى محمد عبده ، وجمال الدين الأفغاني ، ومالك بن نبي ، وعشرات المبدعين ، في مشرق الوطن العربي ، ومغربه ، أولئك الرواد ، الذين حملوا راية النهضة ، والتنوير ، في مواجهة ، الردة ، والتخريب ، في الداخل ، ومواجهة الاستلاب ، والتبعية ، للخارج ، في الوقت ذاته ..

 

( 10 )

 

4 –     مقاومة ، فكرية ، على الصعيد القومي ، من ، ساطع الحصري ، إلى عصمت سيف الدولة ، إلى اللحظة الراهنة ، مروراً ، بعشرات الرواد القوميين ، الذين ، صمدوا في مواجهة الإقليمية ، والتفتيت ، والتغريب ، على مختلف أشكاله ….

 

( 11 )

 

5 –     مقاومة ، سياسية ، على الصعيد القومي ، بدأت بجمعيات ، ومنتديات ، انتشرت ، مع نهاية القرن التاسع عشر ، وتطورت إلى أحزاب قومية عربية ، من عصبة العمل القومي ، إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ، إلى حركة القوميين العرب ، إلى ، التنظيمات ، والحركات ، والأحزاب ، التي ولدت ، من رحم التجربة الناصرية ، بدءاً بالاتحاد الاشتراكي العربي ، في مصر ، إلى اتحادات اشتراكية عربية ، في أكثر من دولة عربية ، وانتهاء ، بالدعوات إلى حركة عربية واحدة ، وتنظيم طليعي ، وطليعة الاشتراكيين ، … والطليعة الاشتراكية ، وإلى آخرها …!

 

( 12 )

 

          وفي هذا السياق ، لابد ، من الإشارة ، إلى إضافات ، هامة ، شكلت روافد هامة ، للتيار القومي العربي ، في مرحلة سيادة ، هذا التيار ، مع منتصف القرن المنصرم ، حيث حصلت ، انتفاضات ، داخل الأحزاب الشيوعية ، في الوطن العربي ، حول مفهوم الأمة العربية ، وظهرت دعوات ، إلى حزب شيوعي عربي ، وإلى يسار عربي ، وإلى أحزاب يسارية عربية ، وحصل الأمر ، ذاته ، داخل الأحزاب الإسلامية ، وظهرت دعوات ، إلى حركات إسلامية ، مركزها الأمة العربية ، وإلى انشقاقات حول مفهوم الأمة العربية ، وعلاقة العروبة ، بالإسلام ، وحتى ، الحركات ، التي كانت تدعو ، إلى قوميات داخل الأمة العربية ، شهدت مراجعات هامة ، فظهر ، تيار داخل الحزب القومي السوري ، يتحدث عن الدائرة السورية ، داخل الدائرة العربية ، وإلى الانخراط ، في حركة التحرر العربية ، وظهر الشيء ذاته على الصعيد ، الفكري ، والعقائدي ، داخل الدعوة الفرعونية ، في مصر ، حيث تعززت الدعوات ، إلى ، أن مصر ، هي ، مركز الثقل ، في الأمة العربية ، وكذلك الحال ، في المغرب العربي ، واليمن ، والخليج ، والجزيرة العربية ، ولبنان ، فحتى ، الكيانات ، التي أقاموها ، على أساس طائفي ، أو عنصري ، تحولت إلى أرض خصبة ، لفكرة القومية العربية ، والأحزاب ، ذات التوجه ، القومي العربي …

 

( 13 )

 

          في هذا السياق ، لابد من الاعتراف ، أن جميع هؤلاء ، جماعات ، وأفراد ، الذين ، تقاطروا ، على التيار القومي العربي ، يستظلون ، بمظلته ، جاءوا ، بأفكارهم ، وعقائدهم ، مطورة ، كما يقولون ، قد ، اصطدموا ، بواقع مرير تميز ، بسمتين بارزتين :

-        السمة الأولى : أن ، التيار القومي العربي ، لم يكن قد نضج ، فكرياً ، وعقائدياً ، لاستيعاب تلك الجموع ، وتحويلها ، إلى قوة منظمة ، باتجاه الأهداف القومية ، لأن ، ذلك التيار ، هو ، ذاته ، كان ، يعاني ، من خطابية ، ذات نبرة عالية ، وشوفونية ، في بعض الأحيان ، وضبابية في الرؤى ، وهذا واضح ، تماماً ، من تجربة ، بعض فصائل التيار القومي العربي ، الذين ، وصلوا إلى السلطة ، في بعض الأقاليم ، فلم ، يعرفوا ، كيف يتعاملون مع السلطة ، التي سقطت ، بين أيديهم ، أولاً ، ثم حولوها ، إلى ، استبداديات ، مدمرة ، للأقاليم التي حكموها ، وللرؤى القومية العربية ، في الوقت ذاته .

 

-        ( يتبع … البيان…”8″…. )

 

•        حبيب عيسى

•        Email:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

34

يكتبها : حبيب عيسى

البيان …”8″ …

الطليعة العربية …..!

 أيضا …

( من التعارف … إلى التعريف …..)

 

( تتمة … “8” …البيان…)

( 14 )

-        السمة الثانية : أن ، التيار القومي العربي ، الذي اكتسح الشارع العربي ، بعد نكبة 1948 ، ما كاد يحقق بعض المكاسب عام 1956 في السويس ، وعام 1958 بقيام الجمهورية العربية المتحدة ، بين مصر ، وسورية ، حتى ، بدأ يتلقى ضربات ، قاتلة ، بفعل عوامل عديدة : العامل الأول ، يتعلق ببنيته الهشة ، وانخراطه ، بمستنقع ، بعض السلطات الإقليمية ، التي تورط ، بالوقوع ، في براثنها ، فاحتوته ، عوضا ، عن ، أن يحتويها ، والعامل الثاني ، يتعلق برؤيته الضبابية ، للمستقبل ، وعدم امتلاكه ، منهج استراتيجي ، واضح ، والعامل الثالث ، يتعلق ، بتهتك النسيج الاجتماعي ، في الوطن العربي ، بفعل عقود مديدة ، من غياب المؤسسات ، وسطوة الاستبداد ، والعامل الرابع ، يتعلق ، بمخططات خارجية ، ليست خافية ، على أحد ، تعمل ليل ، نهار ، حتى  “لا يتحد العرب” ،  وبالتالي ، فإن ، كل ، أولئك الذين هربوا ، من محدودية أحزابهم ، ومؤسساتهم الإقليمية ، والطائفية ، والمذهبية ، والطبقية ، إلى رحابة الحشود القومية العربية ، الكاسحة ، ما كادوا يفعلون ، ذلك ، حتى بدأت المظلة القومية العربية ، المشرعة ، تتعرض ، لشروخ بليغة ، باتت معها ، عاجزة ، عن، أن تكون مظلة واحدة ، ثم ، فقدت مقومات ، أن تكون مظلة ، أصلا ، وتكاد ، هذه الحالة ، تشبه إلى حد التطابق ، حالة أولئك الذين تركوا معتقداتهم ، المتعددة ، في أنحاء العالم ، ودخلوا ساحة الإسلام ، حيث ، العدالة ، والتحرر ، والمساواة ، وحيث الوحدة ، والتوحيد ، وحيث ، لا يظلم أحد ، في ديارهم ، لكنهم ، ما أن دخلوا الإسلام ، حتى كان عليهم ، أن يختاروا ، حتى ، الموت ، بين شيعة ، وسنة ، ثم بين هاشميين ، وأمويين ، وعباسيين ، وفاطميين ، وقرامطة ، ومماليك ، ثم ، كان عليهم ، أن يختاروا ، بين ، أجزاء ، الأجزاء ، بين ، علويين ، وإسماعيليين ، وخوارج ، ودروز ، ومعتزلة ، ومتصوفة ، ثم ، بين ، أجزاء ، الأجزاء ، ثم ، بين ، صفويين ، ومغول ، وتتار ، وفرس ، ثم ….!!! ، المهم ، أن ، ما حصل ، في ذلك التاريخ ، الملحمي ، عاد ، ليحصل ، بهذه الطريقة ، أو تلك ، داخل صفوف التيار القومي العربي ، المعاصر ،   وبالتالي بدأت ، هذه ، الحاضنة الجماهيرية ، الواسعة ، للتيار القومي العربي ، تتشرذم ، في الاتجاهات ، كافة ، يساراً ، ويميناً … ، وهذا ، أدى ، فيما أدى إليه ، إلى الوضع المأساوي ، الذي نحن فيه ، الآن … ، فلا الطريق إلى الوحدة العربية ، بات سالكاً … ولا ، العودة إلى الأوضاع ، التي كانت سائدة ، قبل انتفاضة التيار القومي العربي ، باتت ممكنة ، فنتج ، عن هذا ، كله ، تحطم البنية الحزبية ، في الوطن العربي ، عموماً ، “القومية ، وغير القومية” ، وزاد في الطين ، بّلة ، فشل ، محاولات ، البحث عن البدائل … ، حيث ، لا يوجد ، في الوطن العربي ، تيار سياسي ، أو عقائدي ، إلا ، وخرج ، من تحت عباءته ، تيار تجديدي ، أو انشقاقي … انتهت جميعاً ، إلى تطرف ، ما ، … فهي ، إما قاتلة ، وإما ، قتيلة … وفي ، اللحظة الحاسمة ، تكتشف الفئة القاتلة ، أنها ، قتيلة ، أيضاً ، منذ اللحظة ، التي ، انجرت فيها ، إلى ساحة القتل …!

( 15 )

          من ، رحم ، هذا التيار القومي العربي ، بما ، له ، وما عليه ، ومن ، رحم الإفرازات الإيجابية ، الفردية ، والجماعية ، للتيار النهضوي ، والتنويري ، عموماً ، من كافة الاتجاهات في الوطن العربي …. ، وفي ، هذا الواقع العربي ، الذي تعصف به الحرائق ، والخرائب ، تولد “الطليعة العربية” ، من جديد ، أو ، هكذا ، نأمل ، لتكون ، أداة ، الجيل الخامس ، من النهضويين العرب ، القوميين ، التنويريين ، المعاصرين ، بحيث تمد جذورها ، عميقاً ، في تربة الوطن ، وتدفع أغصانها ، عالياً ، في أجوائه …فهي ، على اتصال وثيق ، وحميم مع “النسغ” الإيجابي ، والأصيل الممتد ، من الماضي ، إلى الحاضر ، إلى المستقبل ، وهي ، في الوقت ذاته ، تقطع ، نهائياً ، مع السلب ، من الأفكار ، والممارسات ، في شتى المجالات … ، وبالتالي ، فإن ، الأفق مفتوح ، أمام الجيل العربي الجديد ، وعليهم التحرر من القيود ، كافة ، ومن “التابوهات” ، التي ، قيدت تجربة العمل القومي ، وعصفت بها … وإذا ، كان المجال لا يتسع ، لنقد ، وتقييم التجارب القومية العربية ، خلال القرن المنصرم ، على الأقل ، فإن ، هناك ، سبب إضافي ، يمنعنا ، من ذلك ، وهو ، أن الانقسامات ، التي ، عصفت بالتيار القومي العربي ، تجعل من ، أي ، نقد يوجه ، من ، جماعة قومية عربية ، إلى جماعة قومية عربية ، أخرى ، وكأنه تهجم شخصي ، على تلك المجموعة ، يستدعي ، التمترس ، للدفاع عن السلبيات ، قبل الإيجابيات ، لهذا ، وسداً للذرائع ، فإننا ، سنترك هذا الأمر ، لأصحاب الشأن ، داخل كل جماعة قومية عربية ، فنحن ، ننتظر مراجعة ، بعثية ، لتجربة “البعث العربي الاشتراكي” ، ومراجعة من الحركيين ، “لحركة القوميين العرب” .. ومراجعة ، من الجماعات ، والأحزاب ، “الناصرية” ، لتجاربهم ، وهكذا … ، إلى ، آخر القوى ، والجماعات ، التي ظهرت على الساحة القومية العربية ، ما يهمنا ، الآن ، العمل ، قدر الإمكان ، على الحد ، من الآثار السلبية ، التي أفرزتها ، التجربة المرة ، التي عصفت ، بنا ، كجماعات قومية ، وكأفراد قوميين ، وبالتحديد ، الحد ، من تأثير ، تلك ، الآثار السلبية ، على الجيل العربي ، الجديد ، الذي يتحمل ، وحده ، مسؤولية استئناف المسيرة القومية العربية ، مسيرة التحرير ، ومسيرة النهوض ، والتنوير ، وهذا ، يقتضي التأكيد ، على مسألتين ، الأولى ، عامة ، والثانية ، خاصة .

( 16 )

  • §       أما ، عن المسألة الأولى ، فهي تتعلق ، بمشاريع النهضة ، والتنوير القومية ، وغير القومية ، اليسارية ، واليمنية ، وتتمثل ، في أن ، من ، بقي على قيد الحياة ، من الجيل العربي ، الذي ولد في النصف الأول ، من القرن العشرين ، في مختلف أنحاء الوطن العربي ، والذي عاش ، الأحلام ، والأحزان ، وعاصر ، الانتصارات ، والهزائم ، والانهيارات ، والخرائب ، قد تحول ، بفعل ذلك ، كله ، إلى جيل إشكالي ، تعرض ، لرضوض “سيكولوجية” ، و”سيسيولوجية” حادة ، وافتقد ، بفعل الاستبداد المديد ، المؤسسات ، التي تتيح ، إنتاج العلاقات ، الاجتماعية ، والثقافية ، والسياسية ، المتوازنة ، عدلا ، ومساواة … ، فتورمت “الشخصانية” ، للتعويض عن ذلك ، كله ، وتضخمت ، الأنا ، على حساب العمل الجماعي ، الذي لابد منه ، للنهوض ، وتم ، تعميم ، رفض الآخر ، وتجريم ، الرأي الآخر ، وتكفير ، الموقف المختلف ، وتحول ، كل اختلاف ثانوي ، إلى خلاف جرمي ، وإذا ، كان هذا ، كله ، مفهوماً ، بفعل الأهوال ، والعواصف ، التي تعرض ، لها ، جيلنا ، فإن ، ما لا يمكن فهمه ، ولا يمكن قبوله ، أن تتحول تلك الإشكاليات ، إلى إرث ثقيل ، نوّرثها ، للجيل العربي الجديد … خاصة ، وأن المسائل الخلافية ، التي شهدها جيلنا ، أصبحت ، بمعظمها ، جزء من الماضي ، وقد تجاوزتها الأحداث ، والظروف ، وبالتالي ، فإن النداء ، إلى الجيل العربي ، الجديد ، يتمثل ، في عدم الالتفات ، إلى الاختلافات ، التي عصفت بجيلنا ، والتبصّر في الواقع ، وإبداع الوسائل ، المناسبة ، للتعامل ، مع هذا الواقع ، لتغييره ، باتجاه النهوض ، والتنوير …، ابتداء من رفع الأنقاض ، التي خلفتها المرحلة السابقة ، ومن ، ثم  ، التأسيس ، لمرحلة جديدة ، ندرك سلفا احتياجاتها ، ومخاطرها …

( 17 )

          إنني ، أقر ، للجيل العربي الجديد ، أننا ، كجيل ، راحل ، قد انتهت صلاحيتنا ، أو ، في أحسن الأحوال ، اقتربت ، من خط النهاية ، وإن ، جلّ ، ما يمكن ، أن نقدمه ، لكم ، هو ، أن نعرض ، عليكم ، خلاصة تجاربنا ، لا لتسيروا على خطانا … ولكن ، لتختاروا ، بأنفسكم ، مواقع أقدامكم …

          قد ، تقولون ، إذا كان الأمر ، كذلك .. ؟ ، وهو ، كذلك فعلاً ، لماذا ، يا سيد حبيب عيسى ، تحاول ، أن تفرض على الجيل العربي الجديد ، برنامجاً ، تعتبره أنت ، للنهوض والتنوير …؟ ولماذا تتدخل في شؤون ، هذا ، الجيل العربي الجديد ، المستقبلية ..؟ ، ومن أعطاك هذا الحق …؟

          في الإجابة ، اعترف ، أولاً ، أن هذا السؤال ، الاستنكاري ، مشروع … لكن ، وبكل التصادق ، أقول  ، أنني ، أرفض ، أن أفرض …. ، وأن ما أقدمه ، مجرد محاولة ، لتحريضكم ، على إبداع برامجكم ، وما أقدمه ، خاضع ، من الألف ، إلى الياء ، للتقييم ، من قبلكم ، وإنني ، أعتقد ، ومن باب تواصل الأجيال ، وعدم إمكانية القطع ، أن ، من حقكم علينا ، ومن ، واجب جيلنا ، أن نقدم ، لكم ، خلاصة تجاربنا ، ورؤيتنا ، لهذا ، فإنني ، أكدت ، منذ اللحظة الأولى ، أن ما أقدمه ، مجرد ، مشروع ، أو مسودة ، إذا ، رأى الجيل العربي الجديد ، فيه ، ما يمكن الاستفادة ، منه ، أو ، من بعضه ، فهذا يشكل خاتمة لحياتي ، تجعلني أغادر ، وأنا ، أقل حزناً … وإذا ، كان ، ما أقدمه ، مجرد تحريض ، للجيل العربي الجديد ، ليبدع مشاريعه “النهضوية” ، ويلقي ، كل ، ما تقدم ، وراء ظهره … فهذا ، شرف يعوضني ، عن الشعور السوداوي ، بالهزائم ، والإحباط …

          المهم ، أنني ، أريد القول ، بمنتهى الوضوح ، والصراحة ، والتصادق ، أن مسؤولية النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، تقع ، بالكامل ، على كاهل ، الجيل العربي الجديد ، الذي ، ولد في الربع الأخير ، من القرن العشرين ، وما بعد ، وبالتالي ، فإن ، حدود ، ما يمكن ، أن نقدمه ، كجيل راحل ، هو ، أن ، نكون ، مجرد مستشارين ، لدى ، جيل المستقبل العربي ، نضع ، بين أياديه ، أرشيف تجاربنا ، ليتبصّر، في أسباب الانتصارات ، فيحققها ، في ذاته ، وفي أسباب الهزائم ، فيتجنبها ، مع الاحتفاظ ، بشرط ، جوهري ، أرجو ، أن يتقيد ، فيه ، أبناء جيلي ، وهو ، أن ، لا ، نعيق حركة الجيل العربي الجديد ، بالسلبيات ، التي عصفت بجيلنا … ، وأن ، لا نقحمه ، في الصراعات الداخلية ، التي عصفت بنا …، وأن ، لا يهتم ، بأشخاصنا ، هجوماً ، أو دفاعاً  ، حتى ، لا ينشغل ، بما جرى ، لنا ، وبيننا ، عما ، يجري أمامه ، له ، وعليه …،  تلك ، كانت ، المسألة الأولى ، وهي شاملة ، القوميين العرب ، وغير القوميين العرب  …

( 18 )

  • §       المسألة الثانية ، وهي ، مسألة خاصة ، تتعلق ، بالمشروع القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، الجديد ، فالطليعة العربية ، التي ندعو ، لتأسيسها ، من قبل الجيل العربي الجديد ، قد حاولها جيلنا ، من قبل ، عبر تجربتين ، هامتين ، تم اللجوء إليهما ، لإنقاذ المشروع القومي العربي ، الذي انتكس ، بجريمة انفصال الإقليم الشمالي ، عن الجمهورية العربية المتحدة ، عام 1961 ، وقبيل الضربة القاصمة ، في عام 1967 .

-        التجربة الأولى ، تمثلت ، بتجسيد الدعوة إلى الحركة العربية الواحدة 1963، عن طريق بناء تنظيم الطليعة العربية ، وكان مصدر الدعوة ، قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، في الإقليم الجنوبي ، الذي ، كان ، مازال يحمل ، اسم الجمهورية العربية المتحدة ، ودون الدخول في التفاصيل ، فإن الدعوة ، والمحاولة ، انتهت ، إلى ، ما انتهت إليه ، وأغلقت ، نهائياً ، دائرة الفشل ، في الأساليب المتكررة ، لبناء مؤسسة قومية ، قادرة على النهوض بالمشروع القومي العربي ، النهضوي ، والتنويري ، عن طريق أجهزة “الدول الفعلية” ، القائمة في الوطن العربي ، فالذين حاولوا بناء التنظيم القومي ، عن طريق جهاز الدولة في مصر العربية ، ومؤسساتها ، فوجئوا ، فيما ، بعد ، بأن ، تلك الأجهزة الإقليمية ، تلتهم المشروع القومي ، كما ، التهمت المشروع الإقليمي ، المحلي ، لبناء تنظيم جدي ، لتحصين الداخل ، تلك الأجهزة ، التي أفشلت ، بناء “الاتحاد الاشتراكي العربي” ، في داخل “الإقليم الجنوبي” ، هي ذاتها ، التي أفشلت بناء “الطليعة العربية” على الصعيد القومي ، ثم ، انقلبت ، تلك ، الأجهزة ، علناً ، فيما ، بعد ، على الداخل الوطني ، في الإقليم الجنوبي ، كما ، انقلبت ، على الامتداد القومي ، في “الطليعة العربية” ….

-        على المقلب ، الآخر ، فإن ، الذين سيطروا ، على بعض السلطات الإقليمية ، في الوطن العربي ، بأحزابهم القومية العربية ، تحت راية ، الانقلابات العسكرية ، أو السيطرة الحزبية ، لاستخدام تلك ، السلطات ، في تحقيق أهداف الأمة العربية الواحدة ، انتهوا ، إلى ذات المصير ، والتجربة ، هنا ، انتهت ، إلى الفشل ، على الصعيد ، المحلي ، الإقليمي ، أيضاً ، وعلى الصعيد القومي العربي ، في الوقت ذاته ، فقد ، التهمت أجهزة الدول الإقليمية ، المشروع الاجتماعي ، الديمقراطي ، على صعيد الداخل الإقليمي ، وتحولت تلك المحاولات ، إلى نظم استبدادية ، يتندّر ، بممارساتها ، ومفاسدها ، الشارع العربي ، وتنسب ، إلى المشروع القومي العربي ، زورا ، وبهتانا ، كعلامة فارقة ، تدل على ، فشله ، ثم ، التهمت ، تلك ، الأجهزة الإقليمية ، المشروع القومي ، لتلك الأحزاب القومية العربية ، وتحول العمل القومي ، عندها ، إلى مجرد شعارات ، لا مضمون لها ، فقط ، لتبرير الاستبداد المحلي … ودون الدخول في التفاصيل ، فإن نظرة فاحصة ، لما جرى ، في سورية ، والعراق ، حيث … ، وحيث … ، وحيث … ، وأيضاً ، ما جرى ، في اليمن الجنوبي ، بعد سيطرة “حركة القوميين العرب” على السلطة ، في عدن ، حيث ، لم تتخلى “الحركة” ، هناك ، عن المشروع القومي العربي ، في ، الوحدة ، والتحرر ، والثأر ، وحسب ، وإنما قاومت ، حتى ، مشروع توحيد اليمن ، كدولة واحدة ، ثم ، لا ننسى ما جرى في الجزائر ، بعد ثورة المليون شهيد ، للتخلص من المشروع الاستعماري الفرنسي ، حيث لم تحتمل أجهزة الدولة الإقليمية ، في الجزائر ، طموحات ، أحمد بن بله ، العربية ، فأطيح ، به ، وكتب الدستور الجزائري ، الذي يتحدث عن “الأمة الجزائرية” ، ثم ، ها هو ، النظام الاستبدادي ، هناك ، يطيح بالنسيج الوطني ، لمجتمع الجزائر العربي … ، ثم ، ما قامت ، به الفصائل ، المنبثقة عن “حركة القوميين العرب” ، عن طريق كوادرها ، الذين ، نشطوا على الساحة الفلسطينية ، حيث ، لم يساهموا في ، أقلمة ، المقاومة ، في فلسطين ، وحسب ، وإنما ، ساهموا في شرذمة الساحة الفلسطينية ، أيضاً …

لهذا نقول ، أن ، المحاولة الإنقاذية ، لبناء “الطليعة العربية”  ، عن طريق أجهزة الدولة ، في ، الإقليم الجنوبي ، قد ، انتهت ،  إلى ما انتهت ، إليه ، محاولات ، الأحزاب ، والحركات القومية العربية ، الأخرى ، رغم حسن النوايا الحسنة ، التي نفترضها ، هنا ، وهناك ،  ورغم الجهود الطيبة …

( 19 )

-        التجربة الثانية ، لإنقاذ المشروع القومي العربي ، وبناء “الطليعة العربية” ، برزت ، إلى الوجود ، في ذات المرحلة التاريخية ، ونقصد الفترة ، ما بين ،  انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 ، وبين ، عدوان الخامس من حزيران 1967 ، وانطلقت ، المحاولة ، من منظومة فكرية ، قومية عربية ، مختلفة ، لبناء “الطليعة العربية” بدءاً ، من القاعدة الجماهيرية ، واعتماداً على الحاضنة الجماهيرية ، الكاسحة ، للمشروع القومي العربي ، في تلك المرحلة . وانطلاقا من الوثيقة الفكرية ،  والسياسية ، لذلك المشروع ، التي تمثلت ، بالبيان التأسيسي ، الذي عرف ، فيما بعد ، ب”بيان طارق” ، والذي ، أعده ، قطبان قوميان ، واحد ، من الإقليم الجنوبي ، للجمهورية العربية المتحدة ، والثاني ، من إقليمها الشمالي ، تضمن تقييماً ، نقدياً ، ومن ، ثم ، أسلوباً ، لبناء “الطليعة العربية” ، على مرحلتين ، المرحلة الأولى ، هي ، مرحلة إعدادية ، تتمثل ، ب”أنصار الطليعة العربية” ، ومن ، ثم ، المرحلة الثانية ، ببناء “الطليعة العربية” ، ودون الدخول ، في التفاصيل ، فإن تلك المحاولة ، ورغم ، أنها ، حاولت تلافي الإشكالات ، التي عانت منها التجارب القومية العربية ، السابقة ، فإنها ، انتهت إلى ذات المصير ، المأساوي ، وذلك ، بفعل ، عاملين أساسيين :

-        العامل الأول ، يتعلق ، ببنية المحاولة الإعدادية ، بمعنى ، أن ، الذين انخرطوا في المرحلة الإعدادية ، سرعان ، ما ووجهوا  ، من قبل الأحزاب ، والحركات ، القومية العربية ، السائدة ، على الساحة العربية ، على أساس ، أنهم يشكلون خطرا ، على تلك الأحزاب ، والحركات ، وبذلك ، تحولوا ، من دعاة ، ومبشرين ، بمشروع ، إنقاذي ، يتحاورون ، بشفافية ، مع فصائل ، وكوادر الفصائل القومية العربية ، المنتشرة ، على طول الساحة العربية ، وعرضها ، إلى مجموعات سرية ، منغلقة ، يتعامل معها ، الآخر ، في الفصائل القومية العربية الأخرى ، بريبة ، وتوجس ، على ، أساس ، أن تلك الحركة الإعدادية ،تستهدف ، اختراقها ، والحلول ، مكانها ، وهذا ، حقيقة ، بعيد ، كل البعد ، عن جوهر “بيان طارق” ، الذي نص على مرحلة إعدادية ، انتقالية ، محددة ، من حيث الزمان ، أرادها ، أن تكون في حوار مفتوح ، مع كوادر الأحزاب ، والحركات القومية العربية ، وليس ، في مواجهتها ، لكن الرسالة ، لم تصل ، أو وصلت مشوهة ، دعونا نقول ، الآن ، وكنقد ذاتي ، أن ، حملة الرسالة ، فشلوا ، في إيصالها ، كما ، هي ، في الجوهر ، لكن ، لابد ، أن  ، يقرّ ، الطرف المتلقي ، أنه ، لم يكن مستعدا لتلقي الرسالة ، أصلا ، على أية حال ، لابد من الاعتراف ، أن “السرية” ، التي فرضت على الإعداديين ، ولم تكن خيارهم ، أفقدتهم ، الشرط الديمقراطي ، الداخلي ، كما ، أفقدتهم المقدرة ، على التعبير ، عن أنفسهم ، كما هم ، فعلا ، للآخر ، ثم ، أن ظروف حرب عام 1967 ، ومن ، ثم ، أحداث عام 1970 ،  وغياب قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، واحتلال قاعدة حركة التحرر العربي ، وتحويلها إلى قاعدة للعدوان على الأمة ،  وما ترتب على ذلك ، من انحسار للمشروع القومي العربي ، هذا ، كله ، أدى ، إلى فقدان الحاضنة الجماهيرية الواسعة ، للمشروع القومي العربي ، ومن ، ثم ، فقد “الإعداديين” ، الاتجاه ، فلم ، يعرفوا كيف يتجاوزون المرحلة الإعدادية ، ولم ، يعرفوا ، كيف يصلون ، إلى “الطليعة العربية” ، فانطووا على أنفسهم ، يلوكون ، الأفكار ، التي وحدتهم ، ومنحتهم هويتهم المحددة ، لينفضوا ، عنها ، بعد ذلك ، يميناً ، ويساراً ، ولتفتك ، بهم ، الآفات ، التي فتكت ، بمجمل مشاريع النهضة ، في الوطن العربي ، فعادوا ، يبحثون ، عن أدوار ، على ، هامش الحركات ، والقوى ، القومية ، وغير القومية ، التي ، طرحوا أنفسهم ، في البداية ، كطليعة ، لها ، جميعاً …

-        العامل الثاني ، ويتعلق ، بالظروف ، الموضوعية ، التي أحاطت ، بالتجربة ، فقد ، كان الأساس ، الذي ، بني ، عليه البيان التأسيسي “بيان طارق” ، هو ، أن ، الجمهورية العربية المتحدة “الإقليم الجنوبي تحت قيادة جمال عبد الناصر” ،  هي القاعدة الأساسية ، للمشروع ، القومي العربي ، وهي ، القاعدة الأساسية ، للمشروع الإنقاذي ، وأن ، المرحلة الإعدادية ، المتمثلة ، بأنصار الطليعة العربية ، لن ، تمتد ، إلا ، لسنوات قليلة ، تعلن ، بعدها “الطليعة العربية” ، عن ميلادها ، من قاعدتها ، في القاهرة ، لكن ، الظروف الموضوعية ، سرعان ما تغيرت بعد نكسة عام 1967 ، ثم ، تم ، الانقلاب النهائي ، على المشروع القومي العربي ، في مصر ، بعد غياب جمال عبد الناصر عام 1970 ، وكان هذا يقتضي ، أن يتداعى أصحاب المشروع ، الإنقاذي ، لتدارس ، ما جرى ، ومواجهة المرحلة التي استجّدت ، لكن ، الانقلابيين ، في القاهرة ، عاجلوا الخلايا التأسيسية ، للمشروع ، فأودعوها السجون ،  وتغيرت الظروف الموضوعية ، تغيرا دراماتيكيا ، بعد ذلك… ولم يعرف ، الإعداديين ،كيف يتجاوزون عتبة الإعداد ، وتفرقت بهم السبل ……

( 20 )

على ، أية حال ، وباختصار شديد ، فإن ، الغاية ، من سرد ، تلك الأحداث ، هي ، تجنيب الجيل العربي الجديد ، الأساليب الفاشلة ، والصراعات المدمرة ، التي عصفت بجيلنا ، فيبني مشاريعه ،  النهضوية ، التحررية ، التنويرية ، بالاعتماد على الجوهر ، والاهتمام ، بالقضايا المصيرية ، وعدم تضييع الوقت ، في التفاصيل ، والقضايا الثانوية ، وعدم الانخراط ، في الصراعات ، التي عصفت بجيلنا ، فيرفض ، الاصطفاف مع فلان ، أو ، ضد علان …

لهذا ، كله ، فإنني أدرك ، تماماً ، أنني ، أكتب مشروع ، أو “مسودة” مشروع ، أنا ، شخصياً ، والكثير ، من أبناء جيلي ، انتهت صلاحيتنا ، ولم نعد نملك المؤهلات ، التي تؤهلنا ، لتحمل أعباء مشروع النهضة ، والتنوير ، وبالتالي ، فإن ، جلّ ، ما أهدف إليه ، من هذا المشروع ، هو ، أن ، ألقي عن كاهلي ، هذا العبء ، وليحمله ، الجيل العربي ، الجديد ، بأسلوبه ، بأدواته ، بمنهجه ، بإرادته الحرة ، ولينفض ، هذا الجيل العربي الجديد ، عن كاهله ، جميع القيود ، وليضع ، لنفسه ، هدف أساسي ، هو ، كيف ، ومتى ، وبمن ، وبماذا ، ينطلقون إلى المستقبل …؟ ، للخروج من المأزق ، ثم ، كيف يتعامل ، الجيل العربي الجديد ، مع الظروف المستجدة ، بالأدوات ، والوسائل المناسبة … ؟ ، فليبدأ ، كل ، من موقعه ، دون انتظار ، قائد ، أو ، ملهم ، أو ، زعيم ، وليراجع ، هذا الجيل العربي الجديد ، تجارب جيلنا ، بموضوعية ، بعيداً ، عن ، الذاتية ، وليبنوا ، على الإيجابي ، أياً كان ، مصدره ، وليستبعدوا ، السلب ، أياً ، كان مصدره ، أيضا ، وليتأكد الجيل العربي ، الجديد ، أن ، لكل ، من أبناء جيلنا الراحل ، إيجابه ، وسلبه ، وأن تجاربنا ، على تنوعها ، تتضمن ، إلى جانب الأخطاء ، والخطايا ، الكثير ، من ، الصواب ، والجدية ، وقديماً ، قال ، أحد أجدادكم العظام : ( ليس ، من ، طلب الحق فأخطأه ، كمن ، سعى إلى الباطل ، فأدركه ) ، المهم ، بالنسبة ، للجيل العربي الجديد ، ليس ، أن يعرف ، فقط ، لماذا فشل جيلنا القومي العربي ، في تحقيق أهدافه ، وحسب ، الأهم ، أن ، يعرف الجيل العربي ، الجديد ، كيف يحقق أهدافه ..؟ ، وكيف ، ينهض بأمته ، ووطنه ..؟

          إذن ، فأنا ، أدعو ، إلى مشروع ، أدرك ، سلفاً ، أنه ، لا دور ، لي ، في إنجازه ، وإنني ، ألقي المسؤولية ، كاملة ، على عاتق الجيل العربي الجديد ، أقول ، ذلك ، حتى يتداعى ، هذا ، الجيل العربي الجديد ، إلى الكلمة السواء ، وحتى ، يناقش مستقبله بموضوعية ، بعيداً ، عن الذاتية ، فيقوم ، بعملية ، الوصل الضرورية ، مع الإيجابي ، والفصل ، القاطع ، مع السلبي …

          هكذا ، نكون ، قد ، حددنا أصحاب المشروع النهضوي ، القومي العربي ، التنويري ، ورواده الجدد ، فماذا ، يمّيز المشروع النهضوي العربي ، الجديد ، عن التجارب السابقة ..؟ ، وما هي ملامحه ..؟ ، ما هو منهجه ..؟ ، ما هي منطلقاته..؟   ، ما هي غاياته …؟ ، ما هي أـساليبه …؟ ، ما هي أدواته ..؟ ، ما هي الطليعة العربية ..؟ ، ومن ، هم ، “الطليعون العرب الجدد” …؟

( يتبع … “9” …البيان … )

•        حبيب عيسى

Email:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

   
  35     
 

يكتبها : حبيب عيسى
 

                                                                       

 “الطليعة العربية”
في الأســس …..

 

( تتمة … “9” … البيان )
 

( 1 )
 

بعد ، أن حددنا موقع ” الطليعة العربية ” في السياق التاريخي لتطور مشروع النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، عموماً ، ثم ، في السياق التاريخي لتطور المشروع القومي العربي ، بخاصة ، إضافة إلى الانتكاسات التي أصابت المشروع ، هنا ، وهناك ، سنحاول ، الآن ، أن نتفق على مسودة تعريف ” للطليعة العربية ” التي ننشد تأسيسها ، كأداة للنهوض ، والتنوير في القرن الواحد والعشرين ، أداة ، للتحرير ، والعدالة ، والمساواة ، والديمقراطية والتنمية ، والكفاية ، والاشتراكية ، والتحضر ، والأنسنة ، أداة ، لوضع مصادر الإنتاج ، والثروة ، في الوطن العربي ، بتصرف الأمة ، أداة ، للوصول إلى حق الأمة في تقرير مصيرها ، في المجالات كافة ، الحضارية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية ، ورفع يد الهيمنة ، والتسلط ، عن الأمة العربية ، من أية جهة ، كانت … ، وذلك عن طريق ، وضع أسس ، واضحة ، لممارسة الديمقراطية ، في الأجزاء العربية ، بحيث ينتج عنها سلطات تمثيلية ، حقيقية ، للشعب العربي ، تنتخب ديمقراطياً ، ويتم تداول السلطة ، فيها ، ديمقراطياً ..بعد ، أن أثبتت التجارب المرة ، أن الشعب الذي يتمتع بحقوقه الأساسية ، وبالحريات العامة ، هو ، وحده ، الشعب القادر على مقاومة الهيمنة الخارجية ، والاستبداد الداخلي ، وهو ، وحده ، القادر على انتزاع حقه في تقرير مصيره ، وتحقيق وحدة ترابه القومي ……..!


( 2 )
 

لكن ، قبل ذلك ، دعونا بداية نراجع تعريف ” الطليعة العربية ” ، كما ورد في المشروع الإنقاذي عام 1965، الذي أطلقه عصمت سيف الدولة ، نسرده ، هنا ، “بتصرف” ، بمعنى ، أننا ، سنقدمه مختصراً ، ثم ، نطرحه للنقاش العام ، فيتم البناء على الأسس التي مازالت صالحة ، والتي ، أثبتت المتغيرات ، والتحولات الخطيرة ، صوابيتها ، وفي الوقت ذاته ، التخلص من الأساليب ، التي جربت ، وفشلت ، أو ، تلك ، التي لم تعد صالحة ، بفعل التغير الذي حصل في الواقع ، كما ، لابد من ، الإضافة ، التي تفرضها الظروف المتغيرة ، ذلك ، كله ، في إطار ، من الوصل الإيجابي ، والفصل السلبي ، بحيث يتعزز النسغ الإيجابي ممتداً من الماضي إلى المستقبل ، وفي الوقت ذاته ، يتم وضع حد للسلب ، فلا يمتد للمستقبل ، وهذا ، هو التطور الذي تتوارثه الأجيال العربية ، المتلاحقة …


( 3 )
 

جاء في الفصل الختامي ل”الأسس” التي وضعها عصمت سيف الدولة ، عام 1965 ، جواباً صريحاً على السؤال : من ، وممن ، الطليعة العربية …. ؟؟ ، ننقله ، هنا ، وكما قلنا ، بتصرف ، واختصار ، لا يغني عن العودة إلى الأصل ….
جاء في تلك الإجابة :
“1 – الإنسان وحده مبدع مستقبله ، وقائد مصيره ، وأن الزمان ، وحده ، لن يحل مشكلات الوطن العربي ، بل ، لابد من ، قوة إنسانية ، تتصدى لمواجهة تلك المشكلات … من هنا يكون وجود “الطليعة العربية” ضرورة قومية ، إذ ، هي ، قائدة التطور إلى الحرية والوحدة والاشتراكية …
2 – إن وعي “الطليعة العربية” ، بأن ، الحل الجدلي ، للمشكلات ، لا يتأتى إلا بالمعرفة الجماعية ، لها ، والتصميم الجماعي ، على الحل ، والتنفيذ الجماعي في المستقبل ، ذلك كله ، يحتم عليها ، أن تكون “تنظيماً جماعياً” ، يلتحم داخله ، كل التقدميين ، الثوريين ، في “حركة عربية واحدة” .
3 – “للطليعة العربية” منهجها العقائدي ، الواضح ، المحدد ، الذي يصلح ، لتقييم المشكلات ، ومعرفتها … إن ، وحدة المنهج ، هي الرباط الذي يحفظ “للطليعة العربية” وحدتها ، وينسق نضالها ، ويحكم بين أعضائها ، ويساعدها ، على ، أن تضع لنفسها برنامجاً ، للتطبيق ، تحدد ، به ، مسؤولياتها ، أمام الجماهير العربية .
4 – يحدد وعي “الطليعة العربية” ، وجودها القومي ، ميدان نضالها ، فتنظمه ، وتديره ، على مستوى الأمة العربية ، كلها ، رفضاً للتجزئة ، وتحقيقاً ، للوحدة ، في ذاتها ، ليمتد إدراكها ، إلى منبت كل مشكلة في الوطن العربي ، فتعرفها على حقيقتها ، ولتقدم ، لها ، الحلول السليمة ، مستفيدة في هذا من إمكانيات الكل لحل مشكلات الأجزاء ، ومشكلات الكل جميعاً . غير أن “الطليعة العربية” تعرف عن طريق منهجها الفكري أن كل مشكلة تحل في حدود ماتقدمه الظروف من إمكانيات … ، و “الطليعة العربية” ، تعرف ، أن تجزئة الوطن العربي ، قد تركت آثاراً متفاوتة ، على مستوى تطور الأجزاء … لهذا ، فإن وحدة “الطليعة العربية” ، كحركة ، وتنظيم ، لا تمنع ، أن تكون الطليعة العربية ، في ، كل جزء ، متميزة ، عنها ، في باقي الأجزاء ، بعبء ، مضاف ، إلى رسالتها القومية ، ينعكس ، عليها ، تنظيماً فرعياً ، من التنظيم الواحد … وقد ينعكس ، هذا ، على نوع التنظيم ، والنضال ، فهي ، مقاتلة ، حيث الاستعمار ، والرجعية الباغية ، مسالمة ، حيث الديمقراطية ، علنية ، حيث الحرية ، سرية ، حيث الاستبداد .
5 – يحتم وعي “الطليعة العربية” ، أن “الجدل الاجتماعي” ، هو ، الأسلوب العلمي الوحيد ، لمواجهة الظروف ، وحل مشكلاتها ، وتحقيق المستقبل … فهي ، تنظيم حديدي ، على أسس ديمقراطية صلبة ، حرية الرأي ، للجميع ، وعمل الجميع ، تنفيذاً لرأي الأغلبية ، أياً ، كان نوع التنظيم ، الذي تسمح به الظروف ، في الأجزاء ، فإن ديمقراطية التنظيم في “الطليعة العربية” ، مميز ، لها ، كطليعة ، وحصانة ، لها ، ضد التخريب ، والانحراف ، والانتهازية ، والفاشية . لا تهاون في هذا ، ولا استنثاء ، مهما كانت الظروف …
6 – ينطلق نضال “الطليعة العربية” ، على أساس ، أن الوجود القومي ، شرط التطور … مدركة ، أن تحرير الوطن العربي ، من العدوان عليه ، أول خطوة على طريق تطويره ، لهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، تعي ، وتخطط ، وتناضل ، على هدي وعيها ، لتحرير الوطن العربي ، من الاستعمار الظاهر ، ومن ، الاستعمار الخفي ، وتقتلع السرطان الصهيوني ، اقتلاعاً ، مدركة ، في هذا ، أن تحرير الوطن العربي ، من العدوان عليه ، أول خطوة ، إلى تطويره ، وأن تطويره ، الكامل ، لا يتم ، إلا بالوحدة السياسية …
والوحدة السياسية ، عند “الطليعة العربية” ، حتمية ، لأنها ، التعبير السياسي ، عن الوجود القومي ، السابق عليها …ولا تنتظر “الطليعة العربية” ، حتى تكون المشكلات ، في كل جزء ، قد حلت ، لكي تحقق الوحدة ، لأنها ، تعلم ، أن الوحدة العضوية ، للأمة العربية ، تعني ، ألا ، تحل مشكلات الأجزاء ، حلاً ، سليماً ، إلا في الكل الشامل ، بهذه الثورية ، ترفض “الطليعة العربية” ، تبرير الإبقاء على التجزئة ، بآثار التجزئة … غير ، أن الأسلوب العلمي ، الذي تنتهجه “الطليعة العربية” لا يسمح ، للمثالية ، أن تضللها ، فتتجاهل ما تتطلبه المشكلات المحلية ، من ، إدارات محلية ، لأنها ، تعلم ، أن “الدولة القومية” ، لا تلغي الإدارات المحلية ، بل تدعمّها ، وتمدها بمزيد ، من المقدرة ، على مواجهة ما تطرحه الظروف المحلية ، من مشكلات ، كما ، أنها ، لا تتجاهل ، ما صنعته التجزئة ، التي ، امتد بها ، الزمن …
7 – في سبيل الحرية ، وحرية الإنسان العربي ، وكل إنسان ، تناضل “الطليعة العربية” ، على أساس ، أن الحرية ، ليست مقدرة على الفوضى ، ولكنها ، مقدرة على التطور … فحرية الوجود القومي ، شرط ، لحرية التطور ، وحرية المعرفة ، شرط ، لحرية الرأي ، وحرية الرأي ، شرط ، لحرية العمل .
وكما ، تلزم “الطليعة العربية” ، غيرها ، حدود الحرية ، تلتزم ، هي ، تلك الحدود .
فحيثما ، تتصدى “الطليعة العربية” ، للمشكلات ، لا تعرف ، غير الديمقراطية ، سبيلاً ، والشعب ، سنداً … وفي ، هذا ، لا يمتاز الإنسان ، بمهنته ، ولا بثقافته ، ولا بلونه ، ولا بدينه ، ولكن ، بحدة ، المشكلة ، التي يعانيها ، كإنسان ، ولا تميز “الطليعة العربية” حدة المشكلة ، إلا بمدى اتساع ، جبهة الناس ، الذين ، تفسد حياتهم ، فهي ، “الطليعة العربية” ، ترفض التقسيم الطبقي ، كما ، ترفض التقسيم ، على أساس الدين ، أو اللون ، أو المهنة ، وتحترم ، الإنسان ، كإنسان ، وتتخذه ، نقطة انطلاق ، وغاية ، ويعلمّها ، هذا ، الاحترام ، أن ترفع عن الإنسان العربي ، كل ، ما يضغط على إرادته ، وأن تحرره ، أولاً ، وقبل ، كل شيء ، من الخوف … ولا تفرض “الطليعة العربية” على الشعب العربي ، إرادتها ، ولا تتهمه ، إذ ، أنها ، تعلم ، أن وجود المشكلة ، لا يغني ، عن إدراكها ، حتى تحل ، وأن عليها ، بحكم ، وعيها الشامل ، أن تفجّر وعي الناس ، لمشكلاتهم ، ولحلولها … ، وبهذا تكون “طليعة عربية ديمقراطية” ، فالثقة ، التي لا حد ، لها ، بالشعب ، هي ، جوهر الديمقراطية ، وكل ، شكل ، لها ، ليس ، أكثر من تنظيم ، لإطار التعبير ، عن تلك الثقة …
8 – بالوحدة ، وخلال النضال الديمقراطي ، تقود “الطليعة العربية” تطور الوطن العربي ، إلى الاشتراكية ، ففي ، أي مكان ، من الوطن العربي ، وأياً ، كانت درجة النمو الاقتصادي ، فيه ، تلغي “الطليعة العربية” الاستغلال ، أياً ، كانت أسبابه ، ولا تسمح “الطليعة العربية” ، بأن ، تتخذ حرية الملكية ، ذريعة ، ليمتلك ، نفر ، كل شيء ، تاركين الشعب العربي ، بدون ملكية على الإطلاق . أو ، أن تكون – الملكية – أداة للقهر الاقتصادي ، وحيثما ، قامت الملكية ، بدون استغلال ، فإن “الطليعة العربية” ، تدعمها ، حرية مكتسبة .. إذ ، الاشتراكية ، عند “الطليعة العربية” ، حرية كاملة ، وبهذا ، تلتحم الحرية ، بالاشتراكية ، لتصبح الاشتراكية ، حياة حرة … ، ولا تقبل “الطليعة العربية” ، الاحتجاج ، بأي نظام متخلف ، في الملكية ، أو الإنتاج ، أو التوزيع ، ولا تنتظر “الطليعة العربية” ، حتى ، تعلمّها التجربة المرة ، ما تعلمته الشعوب ، من مرارة الحياة ، في ظل الاستغلال الرأسمالي … ، غير ، أن “الطليعة العربية” ، لا تخلط ، بين الاشتراكية ، كغاية ، وبين ، وسائل تحقيقها ، ولا تتجاهل ، عدم استواء النمو الاقتصادي ، في الأجزاء … لهذا ، لا تقبل “الطليعة العربية” ، أن ، يحّل مستبد ، محل مستبد ، أو ،أن يقوم مستغل ، مكان ، مستغل ، ولا تتذرع ، “الطليعة العربية” ، بالاشتراكية ، لفرض العبودية ، ولا تقبل ، الفاشية ، ولو ، خططتّ ، ولو ، أممّت ، وبهذا ، تبقى حرية الإنسان العربي ، غاية “الطليعة العربية” ، وحداً ، لا يتجاوزه التخطيط الاقتصادي ، بهذا الوعي ، تكشف “الطليعة العربية” الانتهازيين ، ولا تكون انتهازية ، وتسحق الفاشية ، ولا تكون فاشية ، وتبقى “طليعة عربية اشتراكية ديمقراطية ..”
9 – إذ ، تكون المشكلات ، مشكلات الشعب ، والحلول ، حلول الشعب ، فلابد ، من ، أن يعرف الشعب ، مشكلاته ، ويقترح ، لها ، الحلول ، ويسهم ، في تنفيذها ، أي ، لابد من الديمقراطية ، وفي سبيل ، أن تتحقق ، للشعب العربي ، حريات ، ذات مضمون مادي ، وليس حريات شكلية ، لابد ، من ، أن ينظم اقتصاد الوطن العربي إنتاجاً ، وتوزيعاً ، واستهلاكاً … ، ومن ، هنا ، لا تغني الوحدة ، عن الديمقراطية ، ولا تغني الديمقراطية ، عن الوحدة ، إذ ، الوحدة ، نقطة انطلاق ، والديمقراطية ، تنظيم لخطا هذا الانطلاق ، أما غاية الانطلاق ، فالاشتراكية ، الوحدة ، شرط ، لمعرفة المشكلة – معرفة صحيحة – ، والديمقراطية ، شرط ، لحلها ، حلاً سليماً ، والاشتراكية هي ، تنفيذ لهذا الحل ، وبذلك ، تتشكل ، معاً ، الحركة الجدلية ، للنضال العربي ، لا ينقص التقدميين العرب ، إلا الوعي الشامل ، ليعرفوا هذه الوحدة العضوية ، لغايات الشعب العربي . وبهذا الوعي ، الشامل ، تتجاوز “الطليعة العربية” ، التقدميين العرب ، لتكون ، به ، طليعة النضال العربي .
10 – تقود “الطليعة العربية” ، نضال الشعب العربي ، على أسس علمية ، لا مدعية ، ولا متمنية .. ويتحقق ، ذلك ، بالمواجهة الثورية ، للظروف ، وتطبيق الحلول العلمية ، الملائمة ، لمشكلاتها ، للقضاء ، في النهاية ، على التجزئة ، والتخلف ، والاستبداد ، مع احتفاظ “الطليعة العربية” ، دائماً ، وفي كل الظروف ، بالغايات القومية ، فتقود الظروف ، إلى تلك الغايات ، لا تنحرف ، ولا تتوه ، ولا تتراجع .
11 – إن عمق الوعي ، وشموله ، ووضوح ، المنهج الفكري ، يحدد ، الثورة ، أسلوباً ، لنضال “الطليعة العربية” ، تستمد المقدرة ، عليها ، من ثقتها ، بأمتها ، وبنفسها ، وأنها ، تناضل ، في سبيل غايات منتصرة . وفوق ، هذا ، تعرف “الطليعة العربية” ، ما الثورة ؟ ، وضد من تثور ؟ ، وتحدد ، على ضوء هذا ، موقفها من الظروف ، ومن الناس ، ولا ترفع شعار ، الثورة ، ادعاء ، وتضليلاً ، ولا تتخذه ذريعة ، إلى الإجرام الدامي ، فحيثما ، كان الشعب العربي ، قادراً ، مقدرة مشروعة ، قانوناً ، على الكفاح الديمقراطي ، في سبيل غاياته ، يكون ، أسلوب نضال “الطليعة العربية” توعية الجماهير ، وتنظيمها ، وقيادتها ، في نضال ديمقراطي ، لتحقيق غاياتها ، إذ ، حيث تقوم الديمقراطية ، لا يوجد مبرر ، للثورة ، إلا مجازاً ، ببذل الجهد المضاعف ، لبناء الحياة ، أما ، حيث ، تفرض على إرادة الجماهير ، قيود ، تسلبهم حريتهم ، ببطش المستعمر ، أو ، الاستبداد الفاشي ، أو ، القهر الاقتصادي ، أو ، القتال الباغي ، فإن ، “الطليعة العربية” ، تحطم النظم ، والقوانين ، والعلاقات ، التي يصوغها المستبدون ، قيوداً ، على إرادة الجماهير ، وحيث ، تبيح القوانين ، العنف ، ضد الشعب ، ترد “الطليعة العربية” ، العنف ، بمثله ، وتحطم القيود ، لتعود ، بالشعب إلى الحرية ، فتعود ، إلى توعيته ، وتنظيمه ، لا تقتل ، ولا تقهر ، ولا تستبد ، وعلى ، هذا ، تحدد “الطليعة العربية” ، موقفها من أعدائها ، فلا ، تطغى ، ولا تقبل ، الطغيان ، عندئذ ، فإن مسؤولية الدماء ، ستكون على رؤوس المعتدين ، ولن تتوقف الثورة ، احتراماً ، لإرادة المستعمرين ، والمستبدين ، والرجعيين ، أما ، التقدميون ، فإن “الطليعة العربية” ، مفتوحة الأبواب ، لكل ، طليعي ، منهم .
12 – لا يكفي الوعي الأكاديمي ، لأفكار “الطليعة العربية” ، وقبول مبادئها ، ولا يكفي الانضباط الديمقراطي ، داخل الطليعة ، ولا تكفي المقدرة ، على النضال الثوري ، ليكون التقدمي ، طليعياً ، فقد تعلمت “الطليعة العربية” ، من ، التجربة المرة ، كيف ينحرف من كانوا يبدون أكثر الناس وعيا ، وكيف يخون ، من كانوا ، يبدون أكثر الناس إخلاصا ، وكيف ينهزم ، من كانوا ، يبدون أكثر الناس مقدرة على النضال ، ورأت “الطليعة العربية” ، وتعلمت مما رأت ، خيانة فقهاء الوحدة ، للوحدة ، وخيانة فلاسفة الاشتراكية ، للاشتراكية ، وخيانة الديمقراطية ، من دعاة الديمقراطية …. لهذا ، لابد ، أن تكون الاستقامة الخلقية ، شرطاً ، في أعضاء “الطليعة العربية” ، وغاية ، من غاياتها ، وبذلك ، يكون للطليعة العربية ، بالإضافة ، إلى الضوابط الأخرى ، مفهوم أخلاقي ، تقيس عليه ، مدى صلاحية ، الإنسان الواعي ، المنظم ، المناضل ، ليكون ، طليعياً …
13 – إن ضرورة المضمون الأخلاقي ، في أية حركة سياسية ، لا تعني اصطناع نماذج أخلاقية ، لا جذور لها في المجتمعات ، التي تعيش فيها … ولكن ، تعني أن تكون شاملة ، لقضايا الإنسان ، تأكيداً لأصالتها … ففي ، كل مجتمع ، حصيلة غنية من القيم ، التي كانت وليدة تاريخها الخاص … إن كل ما يسهم في التطور ، ويساعده ، فضيلة ، وكل ما يقف في سبيل التطور ، ويعرقله ، رذيلة ، وبذلك ، يكون ، للفضيلة ، وللرذيلة ، أساس علمي ، فلا تختلطان … ، ومن ، هنا ، لا يصح ، ما يقال ، له ، الخير المطلق ، أو الشر المطلق ، إن أسمى الفضائل ، في عصر ، من العصور ، قد تكون ، أحط الرذائل في عصر ، سابق ، أو لاحق ، لأن الفضيلة ، والرذيلة ، إذ ، هما مرتبطان ، بالتطور ، لا يمكن أن تتخطياه ، فكما ، أن حاجة المجتمعات متغيرة ، فإن ، القيم المعبرة عنها ، متغيرة معها .
14 – على ضوء الوحدة ، بين الوعي ، والتنظيم ، والأخلاق ، يتحدد موقف الطليعي ، حيال سلوك غيره ، ويتحدد سلوكه ، هو ، “الطليعي العربي” ، يعرف ، أن معرفة التاريخ ، علم ، ومحاولة إعادته ، انحراف جاهل ، لهذا ، يطهّر نفسه ، من كل القيم ، والتقاليد ، والأخلاق ، التي كانت حصيلة الأطوار التاريخية ، التي انتهت ، إلى غير رجعة ، لقد ، ولى العهد القبلي ، فحتمّ ، أن يكون “الطليعي العربي” ، مطهراً ، من التعصب القبلي ، وانقضت ، المجتمعات الدينية ، فحتم ، على “الطليعي العربي” ، أن يكون ، مطهراً ، من التعصب الديني ، إن “الطليعي العربي” ، لا يتحيز للماضي ، ولا يعطل المستقبل … ، ويدين “الطليعي العربي” ، بشدة ، أي ، احتقار للإنسان ، أو ، حط من مقدرته … لهذا ، فإن “الطليعي العربي” ، يدين الاستبداد ، ولا يكون مستبداً ، ويدين العنصرية ، والكراهية ، والحقد ، ولا يتعصب ، هو ، ولا يكره ، ولا يحقد … إن “الطليعي العربي” ، لا يكذب ، لأنه ، لا يزيّف الظروف ، وهو ، لا ينافق ، ولا يضلل ، ولا يغش ، ولا يغدر ، ولا يخون … وهو، يعتبر ، الاستبداد بالرأي ، والتبرم بالناس ، والضيق بآرائهم ، انحرافات أخلاقية ، سلبية ، لهذا ، يبرأ “الطليعي العربي” ، من النزوع الديكتاتوري ، والتسلط . إن الديمقراطية ، عنده ، فضيلة أخلاقية ، ونظام سياسي ، معاً ، والديكتاتورية ، انحطاط خلقي .. يتميز “الطليعي العربي” ، بالشعور الجماعي ، والتعاون ، ويعتبرهما ، قاعدتين أخلاقيتين ، يلتزمهما ، ويدين ، على هديهما ، الفردية ، والاستغلال ، والانتهازية .. فمع الوعي ، العقائدي ، والمقدرة على النضال السياسي ، والانضباط الديمقراطي ، تمثل ، الاستقامة الخلقية ، في الحياة الخاصة ، والعامة ، كلتيهما ، شرطاً لازماً ، ليكون التقدمي العربي ، “طليعياً عربياً” …
15 – إذ ، تعرف “الطليعة العربية” ، أن ، القيم الخلقية ، مرتبطة ، بالوعي العقائدي ، فإن ، أول مراحل الانتماء إلى “الطليعة العربية” ، يكون ، باعتبارها ، مدرسة للوعي ، لا يدان فيها أحد ، ولا يحّقر ، ولا تسّخف آراؤه ، ولا يتهم ، بل ، يؤخذ بيده ، في تسامح ، وحب ، ورغبة صادقة ، في التعاون ، ليعي بنفسه ، عقيدة “الطليعة العربية” ، كما ، هي ، بدون ادعاء ، أو مبالغة … وبهذا ، تكون “الطليعة العربية” ، مدرسة للوعي ، وتربية للخلق ، وقائدة للنضال ، معاً …”


( 4 )
 

تلك ، كانت ، “الطليعة العربية” ، كما تمت الدعوة إليها ، والتبشير بها ، قبل ، أكثر من أربعين عاماً ، من قبل مؤسسها عصمت سيف الدولة ، وها ، نحن ، الآن ، وبعد التجربة المرة ، نجري مراجعة ، لها ، نزولاً عند المبادئ ، التي حددناها ، وهي ، أن ، يقوم أصحاب مشاريع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، بمراجعة مشاريعهم ، وبرامجهم ، بأسلوب نقدي ، علمي ، لاستئناف مسيرة النهضة ، والتنوير ، وإذا ، كنا ، نبدأ ، بأنفسنا ، وبمراجعة المشروع ، الذي أعطيناه أعمارنا ، فإننا ، وكما قلنا ، ننتظر ، من أصحاب مشاريع النهضة ، والتنوير ، كافة ، مراجعات جدية ، ليس ، من مبدأ ، أن الطريق إلى النهضة ، والتنوير ، يتسع للجميع ، وحسب ، وإنما ، قبل ذلك ، وبعده ، لأن العقبات على الطريق ، تحتاج ، إلى تكاتف جهود الجميع ، وبذل أقصى الطاقات ، المتاحة ، لإزالتها ، والتقدم على الطريق ، باتجاه ، حلم الشعب العربي ، بحياة حرة كريمة ، حيث يسّخر ، كل ، ما يملك من طاقات ، وإمكانيات ، مادية ، ومعنوية ، وحضارية ، لإنتاج “نظام عام” ، ديمقراطي ، عادل ، يحقق التنمية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، في الداخل العربي ، ويكون ركيزة ، هامة ، لنظام دولي ، عادل ، ومتوازن ، يحدّ ، من القرصنة ، على الشعوب ، في مختلف أرجاء العالم ، سواء ، كانت تلك القرصنة ، بالاستبداد الداخلي ، أو بقوى الغزو ، المتعددة الوجوه ، من الخارج .
لكن ، وقبل المراجعة ، لابد ، من وضع الجيل العربي الجديد ، في أجواء ، تلك الأيام ، قبل ، أكثر من أربعين سنة ، فعند ، ظهور تلك الرؤى ” للطليعة العربية ” ، تم اعتبارها ، من قبل البعض ، على ، أنها ، أفكار إصلاحية ، تنقصها الثورية ، وأنها ، تعبر عن “البرجوازية الصغيرة” ، وأنها ، مسّت المحرمات ، عندما انتقدت النظم الشمولية ، ونادت ، بالربط ، بين ، الحرية ، والديمقراطية ، والوحدة العربية ، والاشتراكية… ، وأنها … ، وأنها …


( 5 )
 

إننا ، إذ ، نطل على تلك الرؤى ، بعد أكثر من أربعين عاماً ، نرى أن الأسس المنهجية ، والرؤى العامة ، والمنطلقات ، والغايات مازالت مطروحة ، بقوة ، على المشروع القومي العربي ، لكن ، تلك الرؤى ، التي ، حكمت ، بشكل ، أو بآخر ” بيان طارق ” ، الذي حاول من خلاله “أنصار الطليعة العربية” التمهيد ، للولوج إلى عالم “الطليعة العربية” ، لتحقيق الغايات ، المشار إليها ، طرحت عدة إشكاليات ، لا يمكن ، تجاهلها ، يكفي ، أن نقول ، أن “الأنصار” ، وأنا ، واحد ، منهم ، وأتحمل نصيبي من المسؤولية ، قد ، تهنا ، في هذه البرية العربية ، أكثر من أربعين عاماً ، فلم ، نصل إلى “الطليعة العربية” ، وبالتالي ، فقدنا ، حتى ، توازننا ، كأنصار ، لها ..
وإذا ، كان باستطاعتنا ، الآن ، أن نسّود العشرات ، بل ، مئات الصفحات ، لتبرير ما حصل ، بالحديث ، عن إشكاليات التطبيق ، والأشخاص ، أو ، عن ، وحشية ، وتعقيدات ، العدوان الإمبريالي ، الصهيوني ، على أمتنا ، أو ، عن الاستبداد ، وأساليبه المدمّرة ، أو ، عن الواقع المتخلف ، وإفرازات الفتن ، النائمة ، التي تستيقظ ، بكبسة زر .. ، فإننا ، نعلم ، أن مثل هذا التبرير ، لا يثمن ، ولا يغني .. ، وبالتالي ، لابد ، من مواجهة واقع ، مشروعنا النهضوي ، بمراجعة نقدية ، شجاعة ، لا مجاملة فيها ، ولا نفاق .. ثم ، بالبحث ، في مجمل مفاصل ، المشروع النهضوي ، التنويري ، عن الخلل الذي جعله عاجزاً عن الولادة ، والنمو ، ومواجهة ، كل ، تلك الإشكاليات ، والمشكلات ، التي يعاني منها الواقع العربي ، وإيجاد الحلول ، لها ، والتي ، تعيق ، نهوضه ، وانعتاقه ، مما هو فيه .. ، ذلك أن مرحلة المخاض ، محكومة ، بالبعد الرابع ، وهو الزمان ، فإذا تجاوزت حدها الزماني ، المسموح ، به ، فإن ، هذا يعني ، علمياً ، أن الجنين ، قد مات ، وأنه ، في أحسن الأحوال ، سيولد ميتاً ….


( 6 )
 

بداية ، لابد ، من القول ، أن ما جاء ، في تلك البنود الخمسة عشرة ، عام 1965 ، تعريفاً ، “بالطليعة العربية” ، كان ، ينسجم ، مع الاتجاه العام ، الذي كان سائداً ، في تلك المرحلة التاريخية ، حيث ، كان ، كل فريق ، يطرح نفسه ، بديلاً عن الجميع ، وبإلقاء نظرة فاحصة ، على تلك البنود ، والتي ، من خلالها ، نتفحص الموقف ، في تلك الأيام ، حيث ، كانت الأحزاب ، والفصائل القومية العربية ، والتي أشرنا إليها ، قد اصطدمت ، بالحائط المسدود ، من خلال ممارساتها ، وبالتالي كان من الطبيعي ، أن “الطليعة العربية” ، اعتبرت نفسها ، بديلا ، عن القوى ، والفصائل القومية العربية الأخرى ، الآن ، نسجل الملاحظات التالية :
1 – جاء ، في البند الأول ، من ذلك التعريف ، ” أن “الطليعة العربية” ، هي قائدة التطور إلى .. كذا… ” ، المطلوب ، الآن ، من الدعاة ، الجدد ، إلى “الطليعة العربية” ، في ، القرن الواحد والعشرين ، وانسجاماً مع الشرط الديمقراطي ، الذي جاء في التعريف ، ذاته ، أن يحددوا موقع “الطليعة العربية” ، كفصيل ، من فصائل ، عدة ، متعددة الرؤى ، والاتجاهات ، تتنافس فيما بينها ، إيجابياً ، على طريق النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي .
2 – جاء في الفقرة الثانية ، من ذلك التعريف : ( “الطليعة العربية” تنظيم جماعي ، يلتحم داخله ، كل ، التقدميين الثوريين ، في حركة عربية واحدة ..) ، الآن ، نقول ، أنه ، ثبت من خلال التجربة المرة ، أن ، التقدميين ، الثوريين ، لا يمكن اختزالهم ، في حركة واحدة ، أياً كانت ، ومهما كانت ، فالتعددية ، والحوار ، والجدل ، داخل “الطليعة العربية” ، وفيما بينها ، وبين القوى ، والفصائل الأخرى ، هو ، الذي يحصن التقدميين ، من الانحراف ، وينير ، لهم ، الطريق ، باتجاه التطور ، المستمر ..، وبالتالي ، فإن “الطليعة العربية” لاتدعيّ ، أنها تحتكر ، كل ، القوميين الثوريين ، أو أنه لا قوميين ثوريين ، خارجها ، الآن ، نقول تحديداً ، أن “الطليعة العربية” تلتزم الضوابط الضرورية ، لتكون كوادرها ، من القوميين العرب ، الثوريين ، التقدميين ، ونحن ، هنا ، نستخدم مصطلح ، ثوري ، مجازاً ، أيضاً .
3 – البند الثالث ، من ذلك التعريف ، يتحدث ، عن منهجية “الطليعة العربية” ، وهذا ، من الأسس ، الهامة ، التي لابد منها ، لطليعة القرن الواحد والعشرين . ونحن ، ما نزال ، نقترح منهج “جدل الإنسان” ، كمنهج للطليعة العربية ، لكن ، هذا ، خاضع ، لرأي ، وقرار ، المؤسسات الديمقراطية ، “للطليعة العربية” …..في المستقبل القريب ، كما نأمل ….
4 – يتحدث البند الرابع ، من ذلك التعريف ، عن التباين ، في المشكلات ، بين الأجزاء العربية ، والتي نتجت عن التجزئة ، وبالتالي ، عن ، تميز “الطليعة العربية” ، في كل جزء ، عنها ، في باقي الأجزاء العربية ، نقول ، أن ، هذا البند ، لم ، يلحظ ، ولم يعطى حقه ، في الممارسة العملية ، السابقة ، في “الأنصار” ، ولا ، حتى ، في البيان الناظم ، ونقصد به ” بيان طارق ” ما يعنينا ، الآن ، أن المشكلات الناتجة ، عن التجزئة ، قد تفاقمت ، وتضاعفت عشرات المرات ، وبالتالي ، لابد ، من الانتباه ، إليها ، في “الطليعة العربية” للقرن الواحد والعشرين ، ثم ، جاء في ذلك البند ، أن ، ( الطليعة العربية مقاتلة حيث الاستعمار والرجعية الباغية ، مسالمة حيث الديمقراطية ، علنية حيث الحرية ، سرية حيث الاستبداد ..)
من حيث المبدأ ، لابد ، من التحديد ، فمصطلح “الرجعية الباغية” كان مجازيا ، بمعنى أنه استخدم للدلالة على الذين يعيقون التطور ، وقد ، تبين ، من خلال التجربة ، أن الاتهام ، بالرجعية الباغية ، لقوى عربية محلية ، محفوف بالمخاطر ، ذلك ، أنه يفتح أبواباً ، على الفتنة ، لا يمكن إغلاقها ، فاختراق الضوابط ، ليس ، صعباً ، وبذلك ، فإن تبادل الاتهامات داخل المجتمع العربي ، يعطل المشروع النهضوي ، لهذا ، فإن “الطليعيون العرب” ، في القرن الواحد والعشرين ، لن يدخلوا في هذا النفق ، وإنما ، واستناداً ، إلى ذات “المنهج الإنساني” ، يحّرمون ، تحريماً ، باتاً ، العنف ، والاقتتال ، داخل المجتمع العربي ، فالاختلاف ، يعالج ، بالحوار ، بالدعوة ، إلى الكلمة السواء ، بالاحتكام ، إلى الرأي العام ، وإلى صندوق الاقتراح ، حيثما ، يكون ذلك ممكناً .. أما القتال ضد الاستعمار ، والاستيطان الصهيوني ، فهذه ، مسؤولية عامة ، تتحمل مسؤوليتها ، فصائل النهوض ، والتنوير ، والتحرير ، كافة ، وبالتالي ، من غير الجائز ، احتكارها ، من قبل فصيل واحد ، حتى ، ولو كان “الطليعة العربية” ، وهذا يعني ، أن على “الطليعة العربية” ، أن تكون جزء من تحالف عريض ، مفتوح لكل من يعنيهم تحرير الأراضي العربية المحتلة ، يتحمل مسؤولية “المقاومة المسلحة” ، حيث كان ذلك ، ضرورياً ، بين المحيط والخليج …
ثم ، أن تكون “الطليعة العربية” ، مسالمة ، حيث الديمقراطية ، علنية ، حيث الحرية ، فهذا ، ما يجب أن يكون ، لكن : أن ، تكون سرية ، حيث الاستبداد .. فهذا ، ما لابد من إعادة بحثه ، ذلك ، أن الوطن العربي ، محكوم ، بنظم الاستبداد ، تحت أسماء ، ونظم متعددة ، تخلفتّ ، وفرضت التخلف ، على المجتمع العربي ، فتخّلفت مؤسساتها ، ومؤسساته ، فقط ، أجهزتها الأمنية ، والقمعية ، تطورت ، تطورا هائلا ، وبات من المستحيل ، تقريبا ، مواجهتها في ساحة العمل السري ، وبالتالي ، فإن ، تلك السرية ، كانت الآفة ، التي عطلت الأسس المنهجية ، في ديمقراطية ، المرحلة الإعدادية ، للطليعة العربية ، وقد ، قلنا ، في السرية ، ومخاطرها ، ما فيه الكفاية .. أما ، كيف نواجه الاستبداد ، بالعلنية ، فهذا ، سيأتي ، أوانه …
5 – لقد عطلت السرية ، في تجربة “الأنصار” ، ما جاء في البند الخامس عن شرط الديمقراطية ، وكذلك ، ما جاء ، في البنود ، السادس ، والسابع ، والثامن ، والتاسع ، التي تؤكد ، دون مواربة ، عن “شرط الديمقراطية” ، وأنه ، لا تهاون ، في ذلك ، ولا استثناء ..
6 – في البند العاشر ، من ذلك التعريف ، حديث ، عن قيادة “الطليعة العربية” ، لنضال الشعب العربي ، بالمواجهة الثورية ، وفي البند الحادي عشر ، تحديد ، للثورة ، كأسلوب ، لنضال “الطليعة العربية” ، ورغم التوضيح ، الذي جاء ، عن مفهوم “الثورة” ، في ذلك التعريف ، فإن التجربة ، لم ترتبّ ، عليه ، ما يجب ، لهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، في القرن الواحد والعشرين ، ستعتمد الأسلوب الديمقراطي ، في الوصول إلى الغايات ، داخل المجتمع العربي ، وذلك ، في ظل الظروف المستجدة ، خاصة ، وأن ، مصطلح “ثورة” ، أو “ثوري” ، يستخدم ، الآن ، في الاتجاهات المضادة ، فجميع المستبدين ، الذين جاءوا ، عن طريق الانقلابات العسكرية ، أطلقوا على انقلاباتهم ، لقب “ثورة” ، وهكذا .. ، لهذا ، فإن ، “الطليعة العربية” ، تنطلق من الواقع ، كما هو ، لتغييره ، إلى حيث تحدد الغايات ، عن طريق النضال السلمي الديمقراطي ، في جميع المراحل ، دون التخلي عن الأسلوب الثوري في التغيير ، بمعنى ، التمسك بالمباديء ، وعدم المساومة على الحقوق ، والأهداف ..، أي بالمعنى المجازي ,
7 – في البنود ، الثاني عشر ، والثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، حديث مسهب ، عن ، أخلاقية “الطليعيين العرب” ، وهذا ، لا خلاف عليه … ، وتلك ، أسس ، مطروحة ، للتأسيس عليها ، من قبل “الطليعيون العرب” ، الجدد …..


( 7 )
 

إن ، ما تقدم ، لم يكن تقييماً ، لتجربة السنوات الأربعين المنصرمة ، ففي ، هذه ، التجربة ، من الغنى ، والمحن ، والآمال، والأحلام ، والأحزان ، والفتن ، والتقدم ، والنكوص ، ما لا يمكن ، أن يحتمله هذا الحديث ، عن ، المستقبل العربي ، لقد ، اجتزأنا ، بعض المواقف ، التي تتعلق ، بالمستقبل ، لا أكثر من ذلك ، أما ، التقييم ، الذي لابد أن يأتي أوانه ، في وقت ، ما ، وفي مكان آخر ، فلابد ، منه ، للإحاطة ، بما ، جرى …
فقط ، أردنا ، أن نواجه ، ما يجري ، الآن ، أن ، لا نهرب منه ، أن ، لا نختبئ وراء أخطاءنا ، وخطايانا ، وأن لا نبررها ، بل نواجهها ، ونتخطاها ، وأن ، نخرج من مواقف وضعتنا ، رغم إرادتنا ، في مواجهة آخرين ، نتيجة ، سوء فهم ، من قبلنا ، أومن قبلهم ، على حد سواء … ، لقد ، كان ، الهدف مشروعاً ، ونبيلاً ، وهو ، الآن ، أكثر مشروعية ، وأكثر إلحاحاً ، وإذا كانت ، بعض الممارسات ، التي أؤكد ، أنها ، لم تكن مقصودة ، أو ، أن ، تفسيرها ، لم يكن ، في محله الحقيقي ، من قبل ، البعض ، سواء ، بحسن نية ، أو بسوء نية ….، قد وضعتنا ، بمواجهة ، مع بعض ، رفاق الدرب ، على طريق النهوض ، والتنوير ، فإنني أعتذر ، عن ذلك ، دون ، أن أطلب ، أو أنتظر ، الاعتذار من أحد … فنحن ، جميعاً ، أمام واقع ، شديد الإيلام ، والتعقيد ، يتطلب ، منا ، التسامح ، إلى أقصى حد .. والخروج ، مرة واحدة ، من الفتن ، والصراعات الثانوية ، والشكليات الزائفة ، إلى خوض غمار نضال مرير ، بمواجهة الاستبداد الداخلي ، والغزو الخارجي ، سنحاول ، أن نكون “فصيلاً” ، على هذا الطريق ، الطويل ، إلى النهوض ، والتنوير .. ، جنباً ، إلى جنب ، مع كل القوى الحية في المجتمع العربي ، نتحالف حيث يكون ذلك ممكناً ونتنافس في العطاء والتضحية والفداء إذا تعذر التحالف ، فطوبى ، لكل ، الذين يأخذون مواقعهم على هذا الطريق ، إلى التحرير ، والنهوض ، والتنوير ، وطوبى ، لمن ، يسبقنا ، ولمن يتوازى معنا ، ولمن ، يحث الخطى ، للحاق بنا ، وتجاوزنا …… ، أمّا ، ما هي ، “الطليعة العربية” ، للقرن الواحد والعشرين ، ومن ، هم ، “الطليعيون العرب الجدد” …؟!
فهذا ، هو ، السؤال .. وما سيأتي ، من حديث ، سيحاول ، أن يقدم ، مشروع ، جواب ..


( يتبع … البيان ..”10″…)


* حبيب عيسى


e-mail:habib.issa@yahoo.com

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

36

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ….. “10” ..

“الطليعة العربية” ..

الأسس ، والمعالم …؟!

 

( تتمة … “10” … البيان… )

( 8 )

 

أولاً : الطليعة العربية ، تنظيم ، قومي عربي ، ينطلق ، من أسس تاريخية ، وحضارية ، وجغرافية ، وثقافية ، تؤكد ، إلى درجة اليقين ، هوية الأرض ، الممتدة ، بين المحيط الأطلسي ، والخليج العربي ، وهوية ، مياهها الإقليمية ، وهوية ، أجوائها .. بأنها ، أرض ، ومياه ، وأجواء ، عربية ، وأنها ، موطن ، ثم وطن ، لجماعة بشرية ، اختصت ، بتلك الأرض ، وتفاعلت ، فيما ، بينها ، شعوباً ، وقبائل ، وجماعات ، وحضارات ، وشكلت ، أمة واحدة ، هي ، الأمة العربية … ، ورغم ، أن هذه الأمة ، كانت حاضنة ، لحضارات عريقة ، تجاوزت ، حدود ، موطن أبنائها ، وتعرضت ، لغزوات ، اجتاحتها ، واستوطنتها ، لعقود عديدة ، ثم ، كانت ، مهداً ، لديانات سماوية ، تعتنقها ، أغلب شعوب ، وأمم ، هذا الكوكب ، في مغارب الأرض ، ومشارقها ، رغم ، هذا كله ، فإن ، الأمة العربية ، وبعد ، اكتمال تكوينها ، تميزت ، وطناً ، وشعباً ، بحدود موضوعية ، سبقت ، بقرون طويلة ، الحدود السياسية الحالية ، التي تحدّها ، مع الحضارات المجاورة ، في الشرق ، والشمال ، والجنوب ، تلك الحضارات ، التي تميزت ، عن الحضارة العربية ، بأنها فارسية ، أو مغولية ، أو أوروبية ، على تنوعها ، أو أفريقية ، على تعددها .. وإن ، كان ، هناك تداخل ، في بعض المواقع الحدودية ، بين الأمة العربية ، وبعض الأمم المجاورة ، فهذا من طبيعة الأمور …

 

( 9 )

 

أما ، الحدود ، التي تقسّم الأمة العربية ، شعباً ، وأرضاً ، فهي حدود ، طارئة ، رسمت ، ورسّخت ، بتواطؤ ، بين ، طغاة محليين ، من جهة ، ونتيجة ، لمعاهدات ، واتفاقيات ، حكمتها مصالح الدول ، التي ، كانت تضع يدها ، مباشرة ، على وطن الأمة العربية ، وثرواتها ، من جهة أخرى … ، وبالتالي ، فإن ، الدول “الفعلية” ، القائمة ، على ، الوطن العربي ، والتي ، تقتسم الأرض ، والشعب ، والثروات ، هي ، دول ” فعلية ” ، من ، الناحية القانونية ، أي ، أنها ، تفتقد ، شرعية الأساس ، ومشروعية التأسيس ، يترتب ، على ذلك ، أن ” الطليعة العربية ” ، تهدف ، إلى إقامة ، الدولة القومية ، للأمة العربية ، التي ، تتطابق حدودها ، تماماً ، مع حدود الوطن العربي ، أرضاً ، ومع حدود الأمة العربية ، شعباً ، فالفقه القانوني ، على تنوع مدارسه ، وتعددها ، في العالم ، يجمع ، على “ثلاثية” ، أركان الدولة المشروعة :

1 – الأرض ، وهي ، بالمفهوم القانوني ، وطن ، محدد ، لجماعة بشرية ، اختصت ، به ،  تقسيمه إلى دول ، غير مشروع ، لأنه اعتداء ، على الوطن ، ومد ، حدود الدولة ، خارج الوطن ، غير مشروع ، لأنه ، اعتداء ، على الغير ..

2 – الشعب ، وهو ، بالمفهوم القانوني ، جماعة بشرية ، اختصت ، بأرض معينة ، “وطن” ، وتفاعلت ، فيما ، بين ، مكوناتها ، الإثنية ، والدينية ، والحضارية ، والثقافية ، فشكلت ، أمة واحدة ، تقسيمها إلى دول ، غير مشروع ، لأنه ، اعتداء ، على الأمة ، وانتقاص من سيادتها على كامل وطنها ، كما ، أن امتداد دولتها ، إلى خارج وطنها ، غير مشروع ، لأنه ، اعتداء ، على حقوق ، الغير ، وعدوان ، على سيادة الأمم المجاورة ، على أراضيها ..

          إن ، تطابق ، حدود الدولة ، مع حدود الأمة ، أرضاً ، وشعباً ، هو ، معيار الشرعية ، للدولة ، وهو ، في الوقت ذاته ، معيار مشروعيتها ، على الصعيد الدولي ، ذلك ، أن ، الهيئة الناظمة ، للشرعية الدولية ، هي ، هيئة الأمم المتحدة ، ونضع ، أكثر من خط ، تحت مصطلح ” الأمم ” ، ذلك ، أن ، الدول ، هي ، التي تنال الاعتراف الدولي ، وبالتالي ، تحمل بطاقة عضوية ، هيئة “الأمم” المتحدة ، يترتب ، على ذلك ، أن ، الدولة ، بالمفهوم القانوني ، هي المؤسسة الاعتبارية ، التي تمثل ، “أمة” ، وهذا ، هو ، الشرط الأساس ، المفترض ، قانوناً ، توافره ، لعضوية الدولة ، أية ، دولة ، في ، هيئة “الأمم” المتحدة .

3 – السلطة ، وهي ، الركن الثالث ، من ، أركان الدولة ، وتستمد ، السلطة ، شرعيتها ، من شرعية ، الركنين السابقين ، من جهة ، ومن صحة تمثيلها ، كمؤسسة اعتبارية ، للركنين السابقين ، ونقصد ، بهما ، الوطن ، والشعب .

          هنا ، نلاحظ ، اختلافاً ، بيّناً ، بين ، المدارس الفقهية ، القانونية ، والدستورية ، والوطنية ، والدولية ، حول ، مشروعية السلطة ، حيث ، سادت ، في القرن الماضي ، ثلاث مدارس رئيسية ، مع الاعتراف ، بالتباين ، داخل كل مدرسة ..

o        المدرسة الأولى ، انبثقت ، من المفهوم الليبرالي ، للحرية الفردية .. ، التي ، انبثقت ، بدورها من عصر الأنوار ، في أوروبا… ، لكن ، التوحش الرأسمالي ، ألتهم ، الحرية الفردية ، والحرية المجتمعية ، معاً ، إنما ، منهج الحرية ، أتاح ، رغم ذلك ، تداولاً للسلطة ، وبالتالي ، عصم المجتمعات ، التي حافظت ، على النهج الديمقراطي ، من استبداد فئة ، ما ، أو ، اتجاه سياسي ، ما ، بالسلطة ، لفترات مديدة ، وبالتالي ، تمكنت ، تلك النظم ، من البقاء ، على طريق التطور ، وتمكنت ، قوى الأنسنة ، والعدالة الاجتماعية ، أن تجد مكاناًً ، ما ، يحقق ، بعض التوازن ، وامتلكت ، تلك ، النظم ، مقدرة متصاعدة ، لمواجهة ، الأزمات المستجدة ، حتى الآن ، ولكن ، إلى حين  .

o        المدرسة الثانية : انبثقت ، من نهج اجتماعي ، ثوري ، لمواجهة ديكتاتورية الرأسمالية ، حيث الدولة ، ومؤسساتها ، وفق رؤيتها ، هي ، مجرد ، أدوات فوقية ، بيد البرجوازية ، ومواجهة ، ذلك كله ، بسلطة ، دولة ديكتاتورية البروليتاريا ، ورغم الهدف الاجتماعي ، النبيل ، لإلغاء ، استغلال الإنسان ، للإنسان ، إلا أن ، الاستبداد ، بالسلطة ، لفترة مديدة ، وضع المجتمعات ، التي ، تم ، الاستبداد ، بها ، أمام ، آفاق مسدودة ، فانهارت ، تلك السلطات ، من ، تلقاء نفسها …

o        المدرسة الثالثة : برزت ، بين ، المدرستين السابقتين ، ورفعت شعارات التحرر ، والتميّز ، وعدم التبعية ، ومواجهة الهيمنة ، واقتراح أنظمة بديلة ، للدولة ، لكن ، ورغم النبل ، والضرورة ، للتحرر ، والتنمية ، والعدالة ، فإن ، فقدان النهج الواضح ، المتميز ، في ، إدارة السلطة ، على الصعيد الوطني ، بما يتناسب مع الشعارات المرفوعة ، أدى ، إلى سيادة ، نهج ، النفاق ، والتلفيق ، والانتهازية ، واقتناص الفرص ، وطنياً ، ودولياً ، وبالتالي ، أدى إلى ” براغماتية ” مطلقة ، تسّخر ، جميع العلاقات ، الوطنية ، والدولية ، لهدف ، وحيد ، هو استدامة النظم الديكتاتورية ، في الحكم ، وبالتالي ، فإن ، هذه المدرسة ، أخذت ، من ، المدرستين السابقتين ، أسوأ ، ما فيهما ، الاستبداد بالسلطة ، من الشرق ، والاستئثار بمصادر الثروة ، من الغرب ، فانسدت ، الآفاق ، أمام التطور ، في المجتمعات ، التي تحكمّت ، بها ، تلك النظم ، بينما ، انطلق ، ما يسمى ، العالم الأول ، بعيداً ، ولحق ، به ، العالم الثاني ، وتراجع ، العالم الثالث ، إلى ، العالم “الثلاثين” .. وباتت ، الهوة واسعة .. وبات ، الهروب ، من ، ذلك ، العالم الأخير ، هو ، الجائزة ، التي يسعى ، إليها ، حتى ، أولئك الذين ضحوا ، وقاوموا ، ونظرّوا ، ونظموا ، وجيّشوا ، للتحرر ، و …

 

( 10 )

 

ما يعنينا ، أن ، الصراع ، على السلطة ، عبر التاريخ ، تميز في الأطوار البشرية ، المعروفة ، من الأسرة ، إلى العشيرة ، إلى القبلية ، إلى المدينة ، إلى الإمبراطورية ، إلى الدولة الحديثة ، بالصراع ، بين مفهومين ، مفهوم ، القوة ، كمصدر ، للحق في السلطة ، أو ، مفهوم ، الحق ، والعدالة ، والاختيار الديمقراطي ، من قبل الشعب ، كمصدر ، للحق ، في السلطة .. بمعنى آخر ، هل ، على السلطة ، أن ، تركع تحت سطوة القوة ..؟ ، أم ، أن ، القوة ، أداة ، في متناول ، مؤسسات السلطة ، التي ، يختارها ، الشعب ، ديمقراطيا ..؟

          إن هذا الأمر ، لم يحسم ، بعد ، لكن التطور البشري ، يتجه إلى وضع القوة ، بمصادرها ، المادية ، والمعنوية ، وكذلك ، السلطة ، ومؤسساتها ، وأيضاً ، المجتمع ، وتكويناته ، تحت مظلة ، نظام عام ، وقواعد دستورية ، وقانونية صارمة ، تعتمد ، أسس ، العدالة ، والمساواة ، والمواطنة ، لكن ، التوحش ، واستخدام القوة ، والسطو ، والسيطرة ، على المجتمعات ، لم يتوقف ، بعد … ومازالت ، له ، اليد ، الطولى ، في العالم …

          نحن ، هنا ، نبحث ، عن شرعية السلطة ، على الصعيد الوطني ، للدولة ، وعن ، مشروعية السلطة ، في تمثيل الدولة ، على الصعيد العالمي ، وقوننة ، هذا ، على صعيد الفقه الدستوري ، الوطني ، من جهة ، وعلى صعيد ، فقه ، القانون الدولي ، من جهة أخرى ، ونعتقد ، أن ، الإنسانية ، قد وصلت إلى ، طور ، يسمح لها ، بتحقيق هذا الطموح ، إلى العدالة ، لوضع حد نهائي ، للقرصنة ، التي  يقوم ، بها ، المستبدون ، على المجتمعات ، من جهة ، ولوضع ، حد ، نهائي ، في الوقت ذاته ، لتشريع ، هذه القرصنة ، على الصعيد الدولي ، بحيث ، يتم ، وضع ، دستور دولي ، قويم ، بناء على مواده الصريحة ، تمنح السلطة ، بطاقة تمثيل ، دولة ، ما ، في هيئة الأمم المتحدة ، أو ، ترفع ، بوجهها ، البطاقة الحمراء ، ويعلن ، عدم شرعيتها ، محلياً ، ودولياً …

          إن ، الدولة ، هي ، الشخص الاعتباري ، في ، القانون الدولي ، والسلطة ، هي ، التي تمثل الدولة ، وصحة التمثيل ، من ، النظام العام ، على ، الصعيد المحلي ، ولابد ، من ، قوننة ذلك ، على الصعيد الدولي ، بحيث ، يكون ، صحة ، تمثيل السلطة ، للمجتمع ، والدولة ، من ، النظام الدولي ، العام ، أيضاً ، إن ، هذا ، شرط أساسي ، لابد ، من اعتماده ، للوصول ، إلى ، هيئة ، للأمم المتحدة ، شرعية ، ذلك ، أن ، هيئة الأمم المتحدة ، تستمد شرعيتها ، من شرعية ، سلطات ، الدول المنضوية ، في عضويتها ، ومن صحة تمثيل السلطات ، للدول ، والمجتمعات ، التي تنطق باسمها ، ومن المساواة التامة ، بين ، أشخاص القانون الدولي ، وأشخاص القانون الدولي ، هي ، الدول ، حيث ، يتم إلغاء “الفيتو” ، الذي ، يعبّر عن التمييز العنصري ، بين الدول  ..

 

( 11 )

 

          باختصار ، شديد ، نقول : أن ، دولاً ، تمثلها ، سلطات ، غير مشروعة ، أو ، تفتقد الشرعية ، في أحد أركانها الأخرى ، تنتج على الصعيد الدولي ، مؤسسات دولية ، غير مشروعة ، وتلك اللامشروعية ، هي ، بالضبط ، التي ، تسللت إلى مؤسسات هيئة الأمم المتحدة ، ذلك أن ، معيار القوة ، فرض نفسه ، حيث ، سمح المنتصرين ، في الحرب الأوربية الثانية ، لأنفسهم ، أن يشرّعوا ، للمؤسسات الدولية ، واتفقوا ، على اختلاف شرائعهم ، من ، أول الشيوعية ، إلى آخر الرأسمالية ، على ، تشريع حق الدول “القوية” ، في القرار ، والاعتراض ، وتهميش ، دور ، دول العالم ، الأخرى ، بحيث تتلقى القرارات ، فتنفذها ، وحسب .. إن ، هذا ، لم يقتصر على حق النقض ” الفيتو ” ، للأقوياء ، وإنما ، امتد ، لتشريع الديكتاتوريات ، والقرصنة ، على السلطات ، في دول العالم ، وبالتالي ، أضحت ، أغلب “مقاعد” هيئة الأمم المتحدة ، مشغولة ، بمغتصبين ، للسلطات ، في دولهم ، وبالتالي ، لم نعد أمام “أمم” متحدة ، ولا يحزنون …، وإنما ، أمام متسلطين ، على الأمم ، متحدين ، فيما ، بينهم ، ضد مشروع “الأنسنة” ، في مختلف أرجاء العالم ، وانعكس ، هذا كله ، على وطننا العربي ، فبات ، من الممكن ، أن تمنح ، هيئة الأمم المتحدة ، بعض المستوطنين ، الذين ، نقلوا من بلاد العالم ، إلى قلب الوطن العربي ، في فلسطين ، مقعد “دولة” ، تحميها ، ما يسمى “الشرعية الدولية” ، وبات ، من الممكن ، أن تضفى ، صفة ، “الشرعية الدولية” ، على ، دول ، تم رسم حدودها ، في مشرق الوطن العربي ، بموجب ، معاهدات ، بين ، وزيري  ، خارجية ، دولتين ، من غرب العالم ، وتم ، رسم حدود ، دول أخرى ، في مغرب الوطن العربي ، بموجب معاهدات ، بين ، دول أوروبية ، لا صفة لها ، وبغياب أهل البلاد ، أصحاب الحق “الحصريين” ،  في تقرير مصيرهم ، ومصير دولتهم ..ونطاق سيادتها ، وتشريع دستورها ، ومواطنية أبنائها ، وتقنين مؤسساتها ، وتحديد صلاحياتها ، وإلى آخره .. ، ولم ، يختلف الأمر ، في الخليج العربي ،وفي ظل ، هذا ، النظام العالمي ، القديم ، الجديد ، بات ، من الممكن ، أن يختطف ، أي ، قرصان ، وطن ، ما ، ويستبد بشعبه ، ويعتدي على الحقوق الأساسية ، للمواطنين ، ورغم ، ذلك ، يحتفى ، به ، في المحافل الدولية ، ويحتل مقعد ذلك الوطن ، في هيئة الأمم المتحدة ، وبهذا ، تتحول تلك الهيئة ، من هيئة للأمم المتحدة ، إلى هيئة للقراصنة ، المتحدين ، لاغتصاب حقوق الأمم …. ، وهذا ، ما ستسعى ، “الطليعة العربية” ، لتغييره ، على ، الصعيد الإنساني ، الشامل …. 

 

( 12 )

 

          إن ، “الطليعة العربية” ، إذ ، تقرأ المستقبل ، الذي تسعى إلى تحقيقه ، على صعيد أجزاء الأمة ، ثم ، على صعيد الأمة ، موحدة ، ثم ، على صعيد الإنسانية ، جمعاء ، لا تغمض ، عينيها ، عن الواقع ، وبالتالي ، فهي ، تقرأه ، كما ، هو ، بالضبط ، كما هو ، لتحديد ، خط البداية ، موضوعياً ، والانطلاق ، منه ، إلى غاياتها ، التي تريد ، بالوسائل ، والإمكانيات ، والأدوات المناسبة ..

          إن ، “الطليعة العربية” ، في ، العقد الأول ، من ، القرن الواحد والعشرين ، تنطلق ، من ذات المبادئ ، والرؤى ، التي انطلق منها رواد التيار القومي العربي ، الأوائل ، في ، العقد الأول ، من القرن العشرين ، و”الطليعيون العرب الجدد” ، يضيفون ، إليها ، ما أفرزته التجربة ، المرة ، خلال قرن من الزمان …، لكن ، وإنصافاً ، للتاريخ ، وللرجال ، الرجال ، لابد ، من الكتابة ، على اللوحة ، التي ، سينصبها “الطليعيون العرب الجدد” ، على ، بوابات ، خط البداية ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، القومي العربي ، إن ، الأجداد ، كانوا ، على حق ، عندما ، نظرّوا ، للتيار القومي العربي ، بنهج ، تجريدي ، مطهر ، من عقابيل التجزئة ، لأن ، الأرض العربية ، كانت نظيفة ، من الحدود التقسيمية ، لتجزئة ، الوطن العربي ، كانوا ، يواجهون مخططات خفية ، قيد التنفيذ ، وأن ، الجيل العربي القومي الثاني ، كان ، على حق ، في رفض ، اتفاقيات ، أنفضح أمرها ، بين ، الدول الاستعمارية ، لتقسيم الوطن العربي ، إلى دول ، بدءاً ، من اتفاقية “سايكس بيكو” في المشرق العربي ، إلى ، الخطط الإنكليزية في الخليج العربي ، والجزيرة العربية ، تجزئة ، وتقسيماً ، إلى وعد بلفور ، للصهاينة ، إلى الاتفاقيات ، بين ، الدول الأوروبية ، لتجزئة المغرب العربي ، وتجزئة وادي النيل ، إلى ، الاتفاقيات ، بالتنازل عن الأرض العربية ، اسكندرون ، وعربستان ، وكيليكيا ، وأراض عربية أخرى ، في ، مشرق الوطن العربي ، ومغربه ، إلى دول الجوار ..

 

( 13 )

 

          كما ، أن ، الجيل القومي العربي ، الثالث ، كان على حق ، في مقاومة مخططات ، قوى الهيمنة الدولية ، ورفض الاعتراف بشرعية “الدول” ، التي ، قامت على أساسها ، سواء ، بالمقاومة المسلحة من المحيط إلى الخليج ، أو بتأسيس ، مؤسسات حزبية قومية عربية ترفض ، وجود “الدول الإقليمية” ، وتدعو ، للثورة ، عليها ، أو الانقلاب ، على الذين ساهموا ، بتأسيسها ، وقد حظي ، ذلك ، الجيل ، باحتضان جماهيري عربي ، واسع ، لم يسبق له مثيل ، أما ، كونه ، لم يتمكن ، من ، الإمساك باللحظة التاريخية ، والانطلاق ، إلى الأهداف النبيلة ، فهذا ، ارتبط ، بقصور ذاتي ، وتعقيدات موضوعية ، لا حد ، لها …

 ( يتبع … البيان …”11″ … ) 

 

•        حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

37

 

يكتبها : حبيب عيسى

 

البيان …. “11” …

 

“الطليعيون العرب …”

من هم …؟!

 

( تتمة … البيان …”11″ … )

 

( 14 )

 

أما ، الجيل القومي العربي الرابع ، الذي ، شهد انحسار التيار القومي العربي ، وترسيخ سلطات النظم الإقليمية ، حيث ، برزت إلى السطح ، كافة القوى ، التي ، حشرها التيار القومي العربي ، في الزاوية ، رغم المعارك ، التي ، فرضت عليه ، قبل أن يشتد عوده ، ويجسّد مشروعه ، بمؤسسات محصنة ، فكرياً ، وديمقراطياً .. هذا الجيل القومي العربي ، ورغم ، مرارة الهزائم ، التي تعرض ، لها ، والتي انعكست ، سلباً ، على البنية المجتمعية عموماً في الوطن العربي ، حيث ، فتح الباب ، واسعاً ، للانتماءات العصبوية ، والإقليمية ، والطائفية ، والمذهبية ، والقبلية ، أو ، حتى ، العائلية ، وصولاً ، إلى الفردية المتورمة ، في أغلب الأحيان … ، نقول ، رغم هذا الواقع ، المر ، فإن ، الامتحان كان شاملاً ، ليحدد هذا الجيل القومي العربي خياراته ، ويبحث ، عن ، مواقع ، القوة ، والضعف ، وخلاصة التجربة ، وهذا ، أدى ، إلى فرز موضوعي ، وذاتي ، بالغ الدلالة ، حيث ، ثبت بالتجربة المرة ، أن ، الشعارات ، والأشعار ، والحماسة ، والعواطف ، والنوايا الطيبة ، أو غير الطيبة … ، كل ، هذا ، لا يثمن ، ولا يغني ، ذلك ، أن المشروع القومي العربي ، بالغ الحساسية ، بالغ الأثر ، بالغ التأثر ، بالغ التأثير ، يتوقف ، على نجاحه ، أو فشله ، تحقيق معادلات ، محلية ، وإقليمية ، ودولية ، بعيدة الأثر ، لهذا ، يستنفر ، بمواجهة المشروع العربي ، كل ، أولئك ، الذين ، ارتبطت مصالحهم ، ووضعوا خططهم ، ومخططاتهم ،  واستراتيجياتهم ، على أساس ، أن الشعب العربي ، بلا إرادة ، بلا فاعلية ، بلا مؤسسات قوية ، تدافع عن وجوده ، يكفي ، أن نقرأ ، أو نسمع ، ما يقوله الذين يتحكمون بمصير العالم ، هذه الأيام ، حيث يعتبرون ، أن معاركهم ، في ، الوطن العربي ، هي ، معارك ، للدفاع عن الأمن القومي في بلدانهم ، التي ، تبعد عن وطننا ، آلاف الأميال … هذا ، كله ، وضع الجيل الرابع ، من التيار القومي العربي ، أمام الأسئلة الصعبة ، الانتماء ، والهوية ، والتناقضات ، والخيارات ، فالاستسهال ، لم يعد مجدياً ، وهذا ، كله ، أدى إلى فرز حاد .. ما يعنيننا ، الآن ، أن الذين مازالوا يقبضون على خيارهم القومي العربي ، من ذلك الجيل ، باتوا ، أكثر صلابة ، وتبصّر ، وعقلانية ، رغم حالة الحصار ، التي ، فرضت عليهم ، أو فرضوها ، هم ، على أنفسهم …

 

( 15 )

 

          نصل ، الآن ، إلى المحطة الحاسمة ، إلى الجيل العربي الجديد ، إلى الجيل العربي الخامس ، من ، القوميين العرب ، المعاصرين ، وهو الجيل ، الذي عليه ، أن يتعامل ، مع ، هذه ، التركة الثقيلة ، لأنه ، الجيل ، الذي يعّول عليه ، في ، أن يستأنف مسيرة النهوض ، والتنوير ، على مختلف الأصعدة ، في الوطن العربي ، حيث يشكل “الطليعيون العرب الجدد”  ، فصيل ، من ، فصائل هذه المسيرة … فيكونون ، في ، “الطليعة” ، تضحية ، وعطاء ، وعلماً  ، ونضالاً ، وفداء ، ويكونون ، في ، آخر ، الصفوف  ، أخذاً …. ، فلا ، يأكلون ، وفي ، وطنهم جائع …. ، ولا يسكنون ، وفي وطنهم مشرد ، ولا يلبسون ، وفي وطنهم عار ، إذا ، كان لديهم إلى ذلك سبيلا ……

          إن ، المبدأ ، الذي ننطلق منه ، هو ، قراءة الواقع العربي ، كما هو ، الآن ، في ، هذه اللحظة التاريخية ، ذلك ، أن ، الانطلاق من رؤية تزيّف الواقع ، وتتعامى ، عن الحقائق الموضوعية ، على الأرض ، بحيث تتوهم ، أنها ، ترى ما ليس فيه ، أو تتجاهل ، ما هو واقع ، وموضوعي ، فيه .. لن يؤدي ، إلا ، إلى إجهاض محاولة النهوض ، والتنوير ، قبل ، أن تبدأ … ، فما ، يبنى على الزيف ، والأوهام ، لن يكون ، إلا زيفاً ، وأوهاماً …

          إن ، الظروف الموضوعية ، التي ، ينشأ فيها الجيل القومي العربي ، الخامس ، تختلف ، اختلافاً جذرياً ، عن الظروف الموضوعية ، والذاتية ، التي نشأت ، فيها ، الأجيال العربية ، السابقة ، والمشار إليها …

o        فالمسألة ، الآن ، لا تتعلق ، بإثبات الانتماء ، للأمة العربية ، وحقها ، في الوجود ، كما ، كانت مطروحة ، على الجيل القومي العربي ، المعاصر ، الأول ، وانتهاء ، بجيلنا ، الرابع  ، الراحل ، وإن كان هذا مهماً ، وسيبقى ، لكنها ، ليست المسألة الوحيدة ، كما ، كانت ، حيث ، لم يكن الوطن العربي مقسّماً إلى دول …، فهناك ، فروق جوهرية ، بين ، مقاومة تقسيم أمة ، وبين توحيد أمة مقسّمة ، فعلا ، وعدوانا ….

o        والمسألة ، ليست ، مواجهة المخططات ، والمعاهدات الاستعمارية ، لتقسيم ، الوطن العربي ، كما ، كانت مطروحة ، على الجيل العربي ، الثاني ، بعد انفضاحها ، فالوطن العربي ، بات مقسماً ، فعلاً .. إلى ، أكثر ، من ، عشرين دولة ، مرشحة للتوالد ، ووعد بلفور ، للصهاينة ، لم يعد ، مجرد وعد ، وإنما باتت ، “المستوطنات الصهيونية” ، “دولة” ، عضو ، في هيئة الأمم المتحدة …، والأراضي العربية ، التي ، اقتطعت ، من الوطن العربي ، لمنحها ، لدول الجوار ، باتت ، تحت احتلال تلك الدول ، فعلا ، وتم ، تغيير طبيعتها ، الديموغرافية …..

o        والمسألة ، ليست صراع ، بين نظم تقدمية ، من جهة ، ونظم رجعية ، من جهة أخرى ، كما ، كانت مطروحة ، على الجيل القومي العربي ، الثالث ، فالوطن العربي ، من محيطه ، إلى خليجه ، محكوم ، بنظم استبدادية متشابهة ، موضوعياً ، على بعض الفروق ، الشكلية .. وبالتالي ، لم يعد ، مجدياً ، رفض أنظمة ، والتهليل ، لأنظمة أخرى ، وإثارة الحماسة ، بالجماهير المحتشدة ، لأنه ، ببساطة شديدة ، لم تعد تلك الجماهير ، محتشدة ، كما ، أن الاستبداد المديد ، في الوطن العربي ، يهدد أكثر ، فأكثر ، النسيج الاجتماعي ، حتى ، داخل “الدول الفعلية” القائمة ، مما يهددها ، بمزيد من التفتيت ، إضافة ، إلى الهرولة ، للتطبيع ، والتعاون ، بين ، الأنظمة الإقليمية في الوطن العربي ، وبين ، دولة ” إسرائيل ” ..!

o        والمسألة ، بعد ، كل تلك الانتكاسات ، والهزائم ، والخرائب ، والحرائق ، التي ، تعم أرجاء الوطن العربي ، لم تعد كما كانت مطروحة على الجيل القومي العربي ، الرابع .. فلم ، يعد مجدياً البكاء ، على الأطلال ، ولم ، يعد المنطق التبريري ، مقبولاً ، ولم ، يعد توجيه الشتائم ، إلى ، الإمبريالية ، والصهيونية ، كافياً …ولم ، يعد كافياً ، التلاعن ، بين ، القوى ، والأحزاب السياسية ، والعقائد المختلفة ، بحيث ، يلقي كل فريق ، المسؤولية ، على الغير …

 

( 16 )

 

الجيل القومي العربي ، الخامس ، عليه ، أن يشق طريقه إلى النهوض ، والتنوير ، عبر هذه الخرائب ، والحرائق ، إلى جانب ، المكونات النهضوية ، والتنويرية ، للفصائل ، والقوى الأخرى ، وبالتحالف معها ، رغم ، الاختلافات ، الإيديولوجية ، والعقائدية ، داخل هذا الجيل العربي ، الشاب ، الراهن ، باتجاهاته كافة ، و”الطليعة العربية” ، ستسعى ، أن ، تكون فصيلاً ، يمارس دوره ، بفاعلية ، وإيجابية ، يتنافس مع الفصائل الأخرى ، في الوطن ، إيجاباً ، ولا يتصارع معها ، يبني تحالفاته ، ويحدد خياراته ، ويضع برامجه ، ويجددها ، لتتناسب مع ، كل ، مرحلة ، وفي مواجهة الظروف ، بما يناسبها ، من أدوات ، وأفكار ، لا يحيد عن الطريق إلى الهدف ، لكنه، لا يتقوقع ، على ، موقف ، انتهت صلاحيته ، ولا يرى ، بأساً ، في ، التراجع عن الخطأ .. ، والخطايا …!

 

(17 )

 

ثانياً : ” الطليعة العربية ” ، أسم علم ، يدل ، على جماعة بشرية “عربية” ، توافقت ، فيما بينها ، على ، تأسيس مؤسسة سياسية ، اجتماعية ثقافية ، وفق ، أسس متفق عليها ، ووفق ، آلية محددة داخل المؤسسات التأسيسية ” للطليعة العربية ” ، والاسم ، هنا ، لا يدل على جماعة ، تعتبر نفسها ممتازة ، فهذه ، فوقية ، ترفضها ” الطليعة العربية ” ، والاسم ، هنا ، لا يدل على جماعة تعتبر نفسها أحادية ، أو متفردة ، فتلك شمولية ، تمهد ، للديكتاتورية ، والاستبداد ، وهذا ، ما تتأسس ” الطليعة العربية ” ، لمواجهته ، في الوطن العربي ..

و ” الطليعة العربية ” ، كمصطلح سياسي ، تدل ، على جماعة سياسية ، تشكل فصيلاً ، من ، فصائل متعددة ، في الوطن العربي ، تتميز ، عن بعضها ، البعض ، ببرامجها ، وأهدافها ، ومنطلقاتها ، وغاياتها ، تنّظم ، الاختلاف ، فيما بينها ، وتضع ضوابط محددة ، للحوار ، والتفاعل ، والتحالف ، بأسلوب ديمقراطي ، يعترف ، كل فريق ، بالآخر ، و” الطليعة العربية ”  ، بهذا المعنى ، لا تمتاز ، على الغير ، ولكنها ، تتميز ، بنهجها ، ومنهجها ، وبرامجها ، ومنطلقاتها ، وغاياتها ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل ، وهي ، بهذا المعنى ، أيضاً ، تنحني أمام إرادة الناس ، الذين يحددون ، بإرادتهم الحرة ، موقع “الطليعة العربية” ، بين، القوى الأخرى ، في المجتمع ، وإذا ، كانت قد أطلقت على نفسها ، لقب ” الطليعة العربية ” ، فهذا من حقها ، ذلك ، أن ، كل جماعة بشرية ، من حقها ، أن ، تحمل اللقب ، الذي ، تسعى إلى تحقيقه ، أن تحمل ، الاسم ، الذي يعبر عن الحلم ، الذي تسعى إليه ، ” فالطليعة العربية ” ، كمؤسسة ، والطليعيون العرب ، ككوادر ، تشخص عيونهم ، على أفق ، تكون فيه ، الأمة العربية ، متحررة ، موحدة ، ثرواتها ، تحت أيادي أبناءها ، الذين يتمتعون ، بالمواطنة ، والمساواة ، والعدالة ، والحرية ، والديمقراطية ، ينعمون ، بنظام عام ، تطبّقه ، وترعاه ، دولة عادلة ، عن طريق سلطة ، من اختيارهم ، يتم التداول ، على مقاعدها ، بحسب إرادة الشعب ، ويتساوى ، فيها ، الجميع ، أمام القانون ، دون محاباة ، أو تمييز .. وبالتالي ، من حق ، هذه الجماعة ، أو كوادر هذه المؤسسة ، أن يطلقوا على أنفسهم ، الاسم ، الذي ، يحمل حلمهم ، بأن ، يكونوا في طليعة ، الذين ، يجّدون السير ، على الطريق الطويل ، والصعب ، تضحية ، وإيثاراً ، وتصميماً .. لا أكثر ، من ذلك ، ولا أقل ..

 

( 18 )

 

و ” الطليعة العربية ” ، مؤسسة ، تمتلك رؤى واضحة ، وشاملة ، جميع المجالات ، للنهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، و”الطليعة العربية” ، تناضل ، للتغيير الإيجابي ، وتنطلق من الواقع ، كما هو ، إلى المستقبل ، الذي ، ترسم صورته في الأفق ، و” الطليعة العربية ” تدرك ، ابتداء ، أن ، إطلاق الأهداف ، والمبادئ ، والشعارات ، دون ، وضع البرامج ، والمخططات ، واعتماد الأساليب ، والوسائل ، والإمكانيات ، للوصول ، إليها ، هو مجرد ، لغو ، لا طائل ، من ورائه .. و”الطليعة العربية” ، تعترف بالآخر ، وتقدر الاختلاف ، وتعتمد الحوار ، أولاً .. والحوار ، أخيراً ، مع سائر ، قوى المجتمع العربي ، وأحزابه ، ومكوناته ، لا تسّفه رأياً ، ولا تستخف بموقف ، لا تتهم ، ولا تخوّن ، وتدرك ، أن ، المجتمع العربي ، يعاني من ظروف ، بالغة القسوة ، وأن ، العقل العربي ، أصيب ، برضوض ، بالغة الخطورة ، وأن ، الرؤيا ، ليست واضحة ، وأن الظروف الصعبة ، والجرائم ، التي ، ارتكبت بحق الإنسان العربي ، ومازالت ترتكب ، ومحاولات ، تشييئه ، وتهشيمه ، وتهميشه ، واستلاب إرادته ، ومنعه ، من ممارسة ، أبسط حقوقه ، مجمل تلك الظروف المعقدة ، دفعت ، بالكثيرين ، في الوطن العربي ، آحاد ، وجماعات ، إلى مواقف ، لم يختاروها ، بعقلهم السليم ، وإلى ، مواقع ، لا يرتضونها ، في الظروف العادية …، ولهذا ، فإن ” الطليعة العربية ” ، تلتمس الأعذار ، للجميع ، وتدعو إلى الكلمة السواء ، وتجهد النفس ، تنقيباً ، وتفتيشاً ، عن نقاط اللقاء ، لتعزيزها ، وطرح ، نقاط الاختلاف ، على بساط البحث الدائم ، بموضوعية ، ومصداقية ، ودون تشنج ، أو ، جري ، وراء تسجيل النقاط ، والتحدي …، و ” الطليعة العربية ” تدرك ، منذ لحظة انطلاقتها ، صعوبة الطريق ، إلى النهضة ، والتنوير ، وتدرك خطورة ، الأفخاخ ، والكمائن ، وقطاع الطرق ، وبالتالي ، فإنها تقدر ، عالياً ، جهود ونضالات ، كافة ، القوى ، والفصائل ، والأحزاب ، والمؤسسات ، على اختلافها ، التي تستهدف ، مشاريع ديمقراطية ، وتنويرية ، ونهضوية ، مهما كانت الأهداف ، ومهما اتسعت زاوية الاختلاف .. ، واستناداً على ذلك ، وبناء عليه ، فإن ” الطليعة العربية ” تدرك ، أن مشروع النهضة ، والتنوير ، لا يمكن ، أن ، يناط تحقيقه ، بفصيل واحد ، أو بقوة واحدة ، أو بحزب واحد ،   أو بشخص ، أو بجماعة بشرية ، أياً كانت ، وبالتالي ، فإن ” الطليعة العربية ” تدرك ، دون مواربة ، أن المهام المطروحة ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، لا يمكن ، أن تلقى ، على كاهل فصيل واحد ، أو جماعة بشرية واحدة ، أياً كانت ، وإنما ، لابد من تضافر جهود فصائل النهوض ، والتنوير ، على تنوعها ، ” فالطليعة العربية ” تسعى ، لبناء مجتمع التحرير ، والمقاومة ، في الأجزاء المحتلة ، من الوطن العربي ، وهي ، “الطليعة العربية” ، تدرك ، أن ذلك ، لن يكون ، مهمة ، فصيل واحد ، ولو ، كان ” الطليعة العربية ” ، وإنما ، حصيلة تحالف واسع ، بين ، سائر فصائل المجتمع ، الحية ، وبالتالي ، فإن “الطليعة العربية” لا تسعى إلى إضعاف قوى المجتمع الحية ، وإنما تسعى إلى التعاضد معها …

 

( 19 )

 

       و ” الطليعة العربية ” تسعى ، لبناء مؤسسات ديمقراطية ، في الأجزاء العربية ، وهي تدرك أن ، هذا ، يتطلب ، تضافر جهود سائر فصائل القوى الديمقراطية ، في المجتمع ، على تنوعها … وبالتالي ، لابد من الوصول إلى أوسع تحالف ، ممكن ، في هذا المجال .. و”الطليعة العربية” ، ستسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ، والمساواة ، وتحقيق حياة كريمة ، للمواطن العربي ، وهذا يقتضي تحالفات واسعة ، في هذا المجال ، أيضاً ، و”الطليعة العربية” ، ستسعى ، لبناء ، مؤسسات مجتمع ريفي ، متطور ، ومؤسسات مجتمع مدني ، متحضر ، ومؤسسات مجتمع صناعي ، تقني ، ومؤسسات مجتمع ثقافي ، أبداعي ، ومؤسسات مجتمع فني ، أصيل ، ومؤسسات مجتمع أدبي ، ملحمي ، ومؤسسات مجتمع تاريخي ، صادق ، وحضاري ، ومؤسسات مجتمع علمي ، سباق إلى المعرفة ، ومؤسسات مجتمع رياضي ، مجلل بالذهب ، وستسعى ” الطليعة العربية ” ، إلى ، إعادة الاحترام ، للنقابات ، والاتحادات المهنية ، وكذلك ، إعادة الهيبة ، للموظف العام ، وللمؤسسات العامة ، وللمرافق العامة .. وهذا ، كله ، يتطلب إجراء أوسع التحالفات ، لتحقيقه …

و”الطليعة العربية” ، ستسعى ، لإعادة الحياة ، إلى المؤسسات القومية العربية ، من ، نقابات ، واتحادات ، كاتحاد العمال العرب ، واتحاد المحامين العرب ، واتحاد المهندسين العرب ، واتحاد الأدباء العرب ، واتحاد الصحفيين العرب ، وإلى آخرها .. وهذا ، لن يكون ، إلا بتحالفات واسعة ، بين ، مختلف الاتجاهات ، في ، تلك المجالات ، كافة ..

          إن ، “الطليعة العربية” ، إذ ، تحدد ، الحوار ، والتحالف ، في شتى المجالات ، بين ، سائر مكونات المجتمع ، أسلوباً ، فإنها ، تنطلق من ، مبدأ ثابت ، لديها ، وهو ، أن ، الجدل الاجتماعي ، والحوار الديمقراطي ، في ، سائر المؤسسات ، وبين ، سائر المؤسسات ، وفي ، شتى المجالات ، هو ، الطريق الوحيد ، للتطور ، وأن ، الأحادية ، في السيطرة ، على ، أية ، مؤسسة ، سواء كانت ، مؤسسة دولة ، أو مؤسسة ، من مؤسسات المجتمع ، يعني ، الموات ، وبالتالي ، فإن “الطليعة العربية” ، لا تطرح الحوار ، والتعددية ، والدعوة ، إلى الكلمة السواء ، كمسألة شكلية ، أو ، هامشية ، وإنما ، تطرحها ، كقضية أساسية ، ومركزية ، لا يمكن الانطلاق ، إلى النهوض والتنوير ، والتطور ، بدونها ..

          فهل ، يكفي ما تقدم ، لتوضيح ، ما نقصده ” بالطليعة العربية ” كاسم ، وكمصطلح ، كمنطلق ، وكغاية ..؟!

( يتبع … البيان … “12” …)

 

* حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

38

يكتبها : حبيب عيسى

البيان … “12”….

الطليعة العربية …

من المجتمع الواحد … إلى تعدد الدول …!

إلى المجتمع العربي الواحد

 

( تتمة … “12” …البيان … )

( 20 )

          بعد ، كل ما تقدم ، ندخل في آلية عمل ” الطليعة العربية ” ، وتأسيسها في القرن الواحد والعشرين ، في الوطن العربي .. ، وهذا ، ما يقودنا إلى البند الثالث …

ثالثاً : “الطليعة العربية” ، تنظيم قومي عربي ، لا مركزي ، بمعنى ، أن مؤسسات     “الطليعة العربية” ، يتم تأسيسها من القاعدة ، أي ، من الأرياف ، والمدن ، والدول القائمة ، في الوطن العربي ، ثم ، إلى القمة على صعيد بناء المؤسسات القومية الشاملة ، للأمة العربية ، وطناً ، وشعباً ، ويتم ذلك ، على ثلاث مراحل :

o        المرحلة الأولى ، تأسيس المؤسسات الحزبية “للطليعة العربية” ، من الأرياف ، والأحياء في المدن ، من قبل الذين يتبنون المشروع ، ذو الصلة ، المتعلق بتأسيس “الطليعة العربية” ، بمعنى ، أن يبادر ، كل ، من موقعه ، دون انتظار دعوة ، من أحد ، ودون وصاية ، من أحد ، “فالطليعة العربية” ، مشروع قومي ، عام ، يجب أن يولد ، وينمو ، ويستمر ، محصناً ، ضد كل أشكال الخصخصة ،  ثم ، وبعد ذلك ، يتم ، التنسيق ، بين ، البنى التحتية ، “للطليعة العربية” ، في المحافظات ، والولايات ، ثم ، التنسيق على صعيد ، كل دولة عربية ، على حدة ، بحيث تكون ، المؤسسة الحزبية ، في تلك الدولة ، “ذات شخصية اعتبارية” ، تتمتع ، بالاستقلال الذاتي ، بدءاً ، من بيانها التأسيسي ، ونظامها الداخلي ، وبرامج عملها ، والأساليب ، التي تضبط حركتها ، وصياغة تحالفاتها ، كل ذلك ، بما ، يتناسب مع الظروف الداخلية ، في كل دولة عربية ، على حدة ، لاستعادة الحيوية ، لمؤسسات المجتمع ، على تنوعها ، والارتقاء ، بها ، إلى مستوى المواطنة ، الحقة ، مساواة ، وعدالة ، وحرية ، وديمقراطية ، وفتح آفاق التطور ، بالعمل ، والنضال ، على إزالة كافة العوائق ، عن طريق ، تفعيل قانون “الجدل الاجتماعي” ، والانخراط ، في مختلف نواحي ، العمل العام ، الاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي ، والثقافي ، والمشاركة ، في مختلف النشاطات ، والمؤسسات المجتمعية ، والمدنية ، ومؤسسات الدولة ، حيثما ، يكون ذلك ممكناً ،  وصولاً ، إلى تنظيف مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، من الفساد … ، عن طريق اعتماد النهج الديمقراطي ، لبناء المؤسسات ، في المجتمع ، والدولة ، على حد سواء ، بهذا ، وبهذا فقط ، تتحول ، مؤسسات المجتمع العربي ، في الدول القائمة ، بل ، ومؤسسات تلك الدول ، ذاتها ، في الوطن العربي ،  إلى ، عناصر إيجابية ، في بناء المؤسسات القومية العربية ، عوضاً ، من ، أن تكون ، عوائق ، أو ، في حالة تصادم ، مع المشروع القومي العربي ، عندما ينخر ، الفساد ، والتخلف ، والمحسوبية في تلك المؤسسات ، وتسّخر ، لخدمة المستبدين ، والغزاة ، في مواجهة ، المشروع ، القومي العربي .

o        في ، تلك ، المرحلة التأسيسية ، الهامة ، سيكون على “الطليعيون العرب الجدد” ، مواجهة العديد ، من الأسئلة الهامة ، ومواجهة أرث خطير ، من الممارسات الخاطئة ،  والتصدي ، للأفكار ، التي انحطت ، بالمواطن العربي ، إلى ما قبل المواطنة ، التي استوطنت الوطن العربي ، في عقود انحسار المشروع النهضوي ، التنويري ، وسيكون ، عليهم ، الصبر على التفاصيل ، بل ، وتفاصيل ، التفاصيل … وسيتوقف ، على ، مقدرة ، وحكمة ، وصلابة ، وإصرار ، وتسامح ، وشجاعة ، ومصداقية …..، “الطليعيون العرب الجدد” في اجتياز ، تلك المرحلة ، بنجاح ، مصير مشروعهم ، في النهضة ، والتنوير….، ومستقبله …

( 21 )

o        المرحلة الثانية ، تترافق مع المرحلة الأولى ، وتتمثل ، في الدعوة ، لانعقاد  “مؤتمر تحضيري” ، لمؤتمر قومي ” للطليعة العربية ” ، يتداعى لانعقاده ، نفر ، ممن بقي على قيد الحياة من شيوخ القوميين العرب ، الذين انتهت صلاحيتهم ، للعمل النضالي ، المباشر ، …. ، يختارون أنفسهم ، ويختارون بعضهم ، البعض ، لهذه المهمة الصعبة ، وتنحصر مهمتهم ، بتسليم الراية إلى الجيل القومي العربي الجديد ، عبر ، إعداد ، الوثائق التحضيرية ، وجدول الأعمال ، يبعثون ، بها ، إلى المؤسسات الحزبية “للطليعة العربية” ، في الأقطار العربية ، ويتلقون منها المقترحات ، والمشاريع ، والوثائق ، ثم ، يقومون بالإعداد ، خلال فترة زمنية ، يحددونها ، حسب الظروف ، ومقترحات تنظيمات الطليعة العربية في الأقطار ، لانعقاد ، “مؤتمر قومي تأسيسي ، ” للطليعة العربية ”  ،  ينبثق ، عن المؤسسات الطليعية ، في الأقطار ، ديمقراطياً ، ثم ، تنبثق ، عن المؤتمر القومي الأول ، مؤسسات قومية ، في المجالات كافة ، لتنفيذ مقررات المؤتمر القومي ، في شتى المجالات ، والمساهمة ، في تعزيز دور المؤسسات القومية ، الثقافية ، والاقتصادية ، والمهنية ، وفي شتى المجالات الأخرى ، كما ، تقوم المؤسسات القومية المنبثقة ، عن ، المؤتمر القومي ” للطليعة العربية ” بقراءة الوثائق الصادرة ، عن المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، والتنسيق ، فيما ، بينها ، وإزالة التناقض ، مع الاحتفاظ بالتنوع ، في المعالجة ، حسب الظروف المتنوعة ، في الأجزاء ، وتشرف “المؤسسات القومية” ، على ، تبادل الوثائق ، بين المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الدول القائمة ، ويتم ، ذلك كله ، وفق لوائح تنظيمية ، دقيقة ، بما يحقق ، الفصل التام ، بين الصلاحيات ، والمهام ، المناطة ، بالمؤسسات الحزبية ، في الدول العربية ، وبين ، المؤسسات القومية ، بحيث ، تحتفظ “المؤسسات القومية للطليعة العربية” ، باستقلاليتها التامة ، فيبقى لها حق التنسيق ، والاقتراح ، وتقوم بدور ، الحكم ، بين سائر المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الوطن العربي ، وتبقى ، على مسافة واحدة ، من سائر تلك المؤسسات ، والمعادلة ، هنا ، في غاية الدقة ، فلا ، بد ، من تحصين المؤسسات القومية للطليعة العربية ، بحيث ، لا يمكن ، لأي مؤسسة حزبية للطليعة العربية ، في دولة عربية ، ما ، أن ، تهيمن على المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، أو تجعلها تابعاً لها .. ، أو تحتويها ، ففي هذا مقتل ، للأجزاء ، وللكل ، معاً ..  ، على العكس من ذلك ، تبقى المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، في الأحوال كلها ، مستقلة ، سيدة قرارها ، وإذا ، كانت المؤسسات الحزبية ” للطليعة العربية ” في الدول العربية ، تستكمل ، صفتها الاعتبارية ، وبناء مؤسساتها ، وتمارس مهامها وفق قواعد ، وأسس تنظيمية محددة ، بما يضمن لها ممارسة العمل السياسي اليومي ، في الدول العربية ، فإن ، المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، تبقى ، ذات صفة ، تنسيقية ، وفكرية ، وتشريعية ، تتمتع بالمرونة ؟، وتبقى ، قيد الإعداد ، والتطوير ، إلى أن تقوم “دولة الأمة العربية الواحدة” ،عندها، وعندها ، فقط ، يتحول المؤتمر القومي الإعدادي  ، ” للطليعة العربية ” ، إلى مجلس شيوخ ” للطليعة العربية ” له نظامه الداخلي ، واللوائح ، التي تنظم عمله ، وعضويته . ثم ، وبعد قيام الدولة العربية الواحدة ، ينبثق ، عن ، مؤسسات “الطليعة العربية” ، في الدولة العربية الواحدة ، “مؤتمر قومي” ، وفق ، لوائح ، ونظام داخلي ، ومهام تنفيذية ، وتشريعية ، شاملة ، وملزمة ، يتم إقرارها ، في حينه ، بما يتناسب ، مع الظروف الجديدة ….

لكن ، وعلى الطريق ، الذي ، قد يطول ، أو يقصر ، للوصول إلى دولة العرب الواحدة ، ولضرورة الفصل ، في السلطات ،  والمهام ، بين المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الدول القائمة ، حالياً ، وبين ، المؤسسات القومية ، المنبثقة عن المؤتمر القومي ، للطليعة العربية ، يحظر الجمع ، في العضوية ، بين ، المؤسسات القومية ، وبين ، المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الأجزاء ، وإذا ، اقتضت الضرورة ترشيح عضو قيادي ، من مؤسسة حزبية ، في دولة عربية ، ما ، إلى المؤتمر القومي ، أو إلى إحدى المؤسسات ، المنبثقة عنه ، يرقن قيده من المرتبة القيادية التي يشغلها وينتخب بديلاً عنه ، في المؤسسة الحزبية ، تلك ، إلى ، أن تنتهي مهامه في المؤسسة القومية .. ، ذلك ، أنه ، بمجرد عضويته ، في ، مؤسسة قومية يفقد صفته التمثيلية ، للمؤسسة الحزبية ، التي كان عضواً ، فيها ، ويصبح ، ذا ، صفة تمثيلية ، للمؤسسة القومية ، التي ، اكتسب عضويتها .

( 22 )

باختصار شديد ، فإن ، المؤتمر التحضيري ، تنتهي مهامه ، بمجرد انعقاد المؤتمر القومي التأسيسي ، وأن المؤتمر القومي ، الأول ، ” للطليعة العربية ” ، والمؤسسات المنبثقة ، عنه ، والمؤتمرات القومية ، التي ستلي ذلك ، إلى ، أن تقوم دولة الوحدة العربية ، تختص ، بالتشريع ، والتصويب الفكري ، والعقائدي ، وبوضع الإستراتيجية القومية ، العامة ، للطليعة العربية ، وإعداد الوثائق ، والمقترحات ، وتبادلها ، بين ، مؤسسات الأجزاء ، بينما ، تختص ، المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الأجزاء ، بالسلطات التنفيذية ، وبإعداد الوثائق ، والبرامج ، للمارسة ، في الأجزاء ، بما ، لا يتناقض ، مع التوجهات القومية ، التي تحددها ، المؤسسات القومية ، وكذلك ، بإعداد الوثائق ، التي تتعلق بالخصوصية ، في كل جزء ، ويبقى ، للمؤسسات الحزبية في ، الأجزاء ، أن ، لا تنفذ من المقترحات ، والقرارات الصادرة ، على الصعيد القومي ، إلا ، ما توافق عليه ، تلك المؤسسات ، ديمقراطياً … ، كل ذلك ، إلى ، أن ، تقوم الدولة العربية الواحدة … ، حيث ، تفرز مؤسسات “الطليعة العربية” ، مؤتمرا قوميا ، وفق لوائح ، ومهام ، وسلطات جديدة …..

( 23 )

المرحلة الثالثة : وتبدأ ، عندما تقوم “دولة العرب الديمقراطية الواحدة” ، عندها ، يتم ، استكمال البناء التنظيمي ، ” للطليعة العربية ” ، ديمقراطياً ، بمعنى ، أن المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، بدءاً ، من ، المؤسسات الحزبية ، في القرى ، والبلدات ، والمدن  ، والولايات ، والدول ، ومؤتمراتها ، والتي ، ينبثق ، عنها ، “المؤتمر القومي” ،  ووصولاً ، إلى ، المؤسسات المنبثقة ، عنه ، تكون ، جزء ، لا يتجزأ ، من البنى التنظيمية ، للمؤسسات الحزبية ، لأنه ، وفي ظل قيام الدولة القومية الواحدة ، للأمة العربية ، فإن ، على ، المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، أن تمارس ، عملاً تشريعيا ، ملزما ، على صعيد مؤسسات “الطليعة العربية” ، في سائر ، إرجاء دولة الوحدة ، بحيث تضع البرامج ، والخطط ، والاستراتيجيات ، وتخوض الانتخابات الديمقراطية ، وفقاً لذلك ، لشغل ، مقاعد ، مؤسسات دولة الوحدة ، وتمارس دورها ، كاملاً ، سواء ، في مقاعد السلطة ، أو ، في ، مقاعد المعارضة .. كل ذلك ، مع الاحتفاظ ، باللامركزية ، بمعنى ، أن ، المؤسسات الحزبية ، في أقاليم دولة الوحدة ، وولاياتها ،  يبقى ، لها ، القرار ، بما يتعلق ، بالنشاطات المحلية ، والممارسات ، على مختلف الصعد ..

( 24 )

قبل اختتام الحديث ، عن ” الطليعة العربية ”  ، كتنظيم ، لا مركزي ، لابد من الإشارة ، إلى ، أن الخطوط العامة التنظيمية ، التي أشرنا إليها ، في الفقرات السابقة ، لابد ، من قوننتها ، بلوائح تفصيلية ، تنفيذية ، تصدر ، في الوقت المناسب ، عن مؤسسات الطليعة العربية ، سواء ، على الصعيد المحلي ، أو ، على الصعيد القومي ، تشمل ، أدق التفاصيل … وأن ، كل ، ما تقدم ، كان مجرد مقترحات عامة ، وأن الولاية في  ، ذلك كله ، يعود لمؤسسات “الطليعة العربية” ، في الأجزاء ، وفي الكل العربي  ، القومي ، ثم ، في دولة العرب القومية الواحدة ، وأن ، ذلك كله ، رهن ، بالظروف ، والمتغيرات ، والمستجدات ، فالطليعيون العرب ، مع ، استنادهم على منطلقات ثابتة ، باتجاه ، غايات إستراتيجية ، واضحة ، إلا ، أنهم ، يطورون أساليبهم ، وأدواتهم  ، بما يتلاءم ، مع ، الظروف المستجدة …

( 25 )

رابعاً : “الطليعة العربية” ، بالاستناد إلى الفقرة السابقة ، من ، أنها ، تنظيم قومي ، لا مركزي ، تتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، لتغييره باتجاه الحرية والوحدة والاشتراكية ، وتتعامل ، مع المؤسسات القائمة على الأرض ، وكذلك ، مع الواقع الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والاقتصادي ، بموضوعية ، سواء كان ، هذا الواقع يعجبها ، أم ، لا … ، وتتعامل معه ، بمنهجية البحث العلمي ، والمعرفي ، والتخصصي ، في المجالات المختلفة ، ويرسم الطليعيون العرب الجدد ، خط البداية ، من الواقع كما هو ..  ، إلى الأهداف التي يسعون ، لتحقيقها …، ويتم ذلك ، برسم خطوط ، عبر مسارات مختلفة ، بين ، الواقع الموضوعي ، وبين ، الأهداف المنشودة ، لتوفير بدائل ، في الحالات الطارئة ، ثم ، إعداد الملفات ، بعدد ، القضايا المطروحة ، والتي ، تشمل مختلف نواحي الحياة الاجتماعية ، والسياسية ، والثقافية ، والعقائدية ، والاقتصادية ، ومصادر الثروة ، البشرية ، والمادية ، والبحث في ، العلوم ، والتنمية ، والفنون ، والرياضة ، وتوزع السكان .. ، وإلى آخره .. ، ومن ، ثم ، البحث في إمكانية الانتقال من الواقع ، كما هو ، في كل قطاع من القطاعات ، باتجاه الأهداف المنشودة ، ثم ، اعتماد الخطط المناسبة ، وترتيبها من حيث الجدوى ، بعد دراسة الواقع ، والإمكانيات المكنة ، والمطلوبة ، ووسائل توفيرها ، والعقبات ، وطرق تذليلها ، والمدد الزمنية ، وإلى آخر ، أدق التفاصيل .. إن “الطليعة العربية” ، إذ ، تتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، مع مشكلاته ، مع ، ما فيه من إيجابيات ، وما ، راكمته السنون العجاف ، من سلبيات ، إذ ، تتلاحم  ،مع مختلف فئات الجماهير العربية ، بدون تعال ، بدون أستذة ، إنما ، بتفاعل ، وتناغم ، تتعلم من المخزون ، الهائل ، لشعبنا ، على سجيته ، وتقدم ما تعلمته ، لرسم مسارات الخروج ، من المحنة ، إنما تعود إلى رحم حاضنتها الشعبية ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير .. فقد أثبتت العقود المنصرمة ، بما ، لا يقبل الشك ، أن ، الواقع العربي أكثر تعقيداً ، مما توقعت الأجيال القومية العربية النهضوية ، الرائدة ، التي أشرنا إليها ..  ، وأن ، تغيير هذا الواقع ، الذي تتداخل فيه المشكلات الداخلية ، بتدخلات خارجية ، كثيفة ، لم تتعرض لها أمة أخرى في التاريخ .. ، لا يتم بالحماسة ، فقط ، ولا تكفي النوايا الحسنة ، وإنما ، لابد من عمل جماهيري واسع ، دقيق التنظيم ، واع ، لما حوله ، مسلح ، بالعلم ، والمعرفة ، في أدق المسائل ، قادر ، على نزع الألغام ، أو تحاشيها على الأقل .. البوصلة أمامه ، لا يضل الطريق ، مهما ، تعددت ، المفارق ، أمامه ، ولا يضلل ، ولا تحرفه التفاصيل عن الأهداف .. وهذا ، كله ، لا يمكن تحقيقه ، إلا بتوفر عاملين :

الأول : مؤسسة ، حزبية ، سياسية ، تمتلك جميع مواصفات المؤسسة ، ديمقراطية ، من الألف ، إلى الياء .. لا تعتمد ، على فرد ، ولا تنساق ، وراء جماعة ، ولا تستغرقها التفاصيل ، تحدد ، ما تريد ، من أهداف ، وتحشد ، كل ، الإمكانيات الضرورية ، للوصول ، إليها ….

الثاني : حاضنة جماهيرية واسعة ، لا يمكن اختراقها ، في حالة الدفاع ، كما ، لا يمكن الصمود أمامها ، في حالة الهجوم ، وهذه الحاضنة ، لا يمكن توفيرها ، إلا ، بانخراط المؤسسة ، المشار إليها ، في أدق تفاصيل الواقع ، الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والاقتصادي …. ، وإلى آخره ، بحيث ، تصبح ممارسات ، تلك المؤسسة ، كالخبز اليومي ، في ، حياة الناس ، يجدون كوادرها ، وآثار أعمالها ، حيث يتوجهون ، لا تتقدم عنهم ، فلا يرونها ، ولا تتخلف عنهم ، فلا يتحسسون وجودها .. وإنما ، تتقدم بهم ، ويتقدمون ، بها ..في حركة ، تكاملية ، مستمرة في الاندفاع ، إلى الأمام ….

وخط البداية ، كما قلنا ، هو التعامل مع الواقع ، كما هو ، والواقع ، كما هو ، في الوطن العربي ، أنه ، أرضاً ، وشعباً ، مجزأ ، بموجب حدود معترف ، بها دولياً ، تقسمه ، إلى 24 دولة “ذات سيادة” ، معترف ، بها ، دولياً ، إضافة ، إلى أجزاء ، تحتلها دول الجوار .. والدول ، هي /13/ جمهورية ، /4/ ممالك ،/3/ إمارات ، سلطنة واحدة ، جماهيرية واحدة ، سلطة واحدة ( مرشحة إلى سلطتين ) ، مستوطنة صهيونية واحدة ، حتى الآن ..

هذا ، هو ، الواقع الذي لا يعجبنا ، كقوميين عرب ، لكنه ، هذا ، هو الواقع الموضوعي ، الذي ، علينا ، أن نتعامل معه ، كما هو ، وخط البداية ، يبدأ منه ، كما هو ، فعلاً …

( 26 )

“الطليعيون العرب الجدد” ، يتجاوزون الشكوى ، إلى الفعل ، فقد ، بات من التاريخ ، القول ، أن ، هذا ما صنعه الاستعمار ، بنا ، وبات من التاريخ ، أيضاً ، الحديث ، عن المعاهدات ، والأسماء ، والمؤامرات ، والحروب ، والمجازر ، وحروب الإبادة ، التي أوصلتنا إلى هذا الواقع …. ، هذا ، لا يعني أن ، هذا كله ، سيتعرض للنسيان ، فكيف ننسى جريمة مازالت مستمرة ، الفصول …، في الواقع …؟ ، فأركان الجرائم موجودة ، وتصدمنا ، في كل مكان ، بين المحيط ، والخليج ، والمجرمين ، وإن كانوا ، كأشخاص ، قد ، رحل ، بعضهم …، لكنهم ، جميعاً ، كمؤسسات اعتبارية ، وكدول ،  مازالوا ، ينهلون ، من آثار الجرائم ، والضحايا ، مازالت شواهد قبورها ، حية ، كشهداء ، ومازال الأحياء ، من الشعب العربي ، شهوداً .. ما نقصده ، أن الأجيال العربية ، التي عاصرت القرن العشرين ، وأحداثه ، أشبعت هذا الموضوع ، بحثاً ، ومواقف ، وشكوى ، وشتائم ، ولطم … ، لكن ، هذا كله ، لم يغير من الواقع شيئاً ، بل ، أوصله ، إلى ما هو عليه ، الآن .. وإذا ، كانت ، الدعوة “للثورة العربية” ، رفضاً لمخططات التجزئة ، دعوة مشروعة ، مع ، النصف الأول ، من ، القرن العشرين ، لمواجهة ، مشاريع التجزئة ، والمعاهدات ، وإقامة دول التجزئة ، إلا ، أن ، الثوار العرب ، لم ينجحوا ، لأسباب ذاتية ، وموضوعية .. ثم ، إذا ، كانت الدعوة ، للانقلاب بالوثوب على سلطات ، دول التجزئة ، مشروعة ، مع النصف الثاني ، من القرن العشرين ، إلا ، أن الانقلابيين ، أضافوا ، على المشكلات القائمة ، مشكلات جديدة … ، أكثر تعقيدا ….، فإن ، الجيل العربي الراهن ، ليس ، بمواجهة الاستعمار المباشر ومخططاته لتكوين دول ، قيد التكوين ، كما ، كانت في النصف الأول ، من القرن العشرين ، حيث كانت ، عملية الثورة ، عليها ، ميسورة ، بمواجهة الاستعمار المباشر ، والجيل العربي الجديد ، ليس ، بمواجهة ، دول ، في مرحلة التأسيس ، كما ، كانت في النصف الثاني ، من القرن العشرين ، كان ، من الميسور ، الانقلاب عليها .. كما ، أن الظروف الدولية ، بانت أكثر تعقيداً ، بعد ، انهيار القطب السوفيتي ، في الحرب الباردة ، وانفلات جيوش الهيمنة الأمريكية ، وما ، سيلي ذلك ، من فوضى ، في النظام العالمي ، ذلك ، أن ، هذا التوحش الرأسمالي ، قد وصل ، إلى الحائط المسدود ، ولا مفر ، من التغيير ، بالإضافة ، إلى ، الانعكاسات السلبية ، على الواقع ، الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والاقتصادي ، في الوطن العربي ، في ظل ، نظم ، مؤبدة ، استبدادية ، وسلطات قمعية ، غيبّت ، الحريات العامة ، ودمرّت مؤسسات المجتمع ، من أول الأحزاب ، إلى آخر ، المؤسسات الأخرى .. في الدولة ، والمجتمع .. ، على حد سواء ، فبات النسيج الاجتماعي ، هشاً ، وبات ، التلويح ، بالحروب الأهلية ، والمذهبية ، والدينية ، والإثنية ، سيفاً مسلطاً ، على رؤوس الناس … ، أن ، ألزموا الصمت … ، وإلا  …! ، فإما الفتن الداخلية ، وإما ، الاستكانة ، للاستبداد ، وإما ، الغزو الخارجي ..، والنماذج ، حية ، على ، كل ، شبر من أرض الوطن العربي ….

          “الطليعيون العرب” ، ليسوا ، أمام تلك الخيارات ، الثلاثة ، وإنما ، في مواجهتها ، معاً ، ذلك ، أنهم ، يدركون ، بوعيهم ، وعمق تجاربهم ، أن ، الفتن ، والاستبداد ، والغزو الخارجي ، هي ، خط هجوم ، واحد ، موحد ، على الأمة العربية ، ومكوناتها ، ومقومات وجودها ، لا أكثر ، من ذلك ، ولا أقل .. وبالتالي ، فهم ، لا يختارون ، بينها ، وإنما ، يرفضونها ، على الاتحاد ، ويرفضونها ، على الانفراد ، من ناحية أولى ، ويعدون العدة لمقاومتها ، على الاتحاد ، والانفراد ، من ناحية ثانية …

( يتبع … البيان … ” 13 ” …. )

* حبيب عيسى

 Email:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

 

 

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

39

يكتبها : حبيب عيسى

البيان … “13” …

 

” الطليعة العربية “

من تعدد الدول …

إلى الدولة القومية

 

( تتمة … “13” … البيان … )

( 27 )

          إن ، إلقاء نظرة موضوعية على الواقع العربي ، الراهن ، تنبئ ، أن السلطات ، في الدول العربية ، قد ، تشعبت أجهزتها ، وتوسعت ، واستقرت ، وباتت ، تطبق بقوة ، على مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، معاً ، وتمعن فيهما تخريباً وإفساداً …، وبالتالي ، فإن ، الخطوة الأولى ، تبدأ ، باستعادة بناء مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ..  ، وذلك ، بالتعامل الإيجابي ، مع الواقع ، لهذا كله ، نقول ، أن “الطليعة العربية” ، تنظيماً قومياً  ، لا مركزياً ، ولهذا ، قلنا ، أن المؤسسات الحزبية ، “للطليعة العربية” ، في الأقطار العربية ، سيتم تأسيسها ، وبنائها ، وفق الظروف الموضوعية ، في ، كل دولة عربية ، على حدة ، حيث ، ستناضل “الطليعة العربية” ، مع قوى النهضة ، والتنوير الأخرى ، بالتحالف ، أو بالتنسيق ، أو بالتنافس ، لصيانة ، النسيج الاجتماعي ، في ، “الدولة المعنية” ، وكذلك ، بالمشاركة ، الفاعلة ، والإيجابية ، لبناء ، النقابات ، والاتحادات المهنية ، وسائر مؤسسات المجتمع المدني ، ديمقراطياً ، ثم ، المساهمة ، إيجابياً ، في سائر النشاطات ، لإعادة ، الحيوية ، والاحترام ، والمصداقية ، لمؤسسات الدولة ، والنضال ، مع سائر القوى الحية ، في المجتمع ، لتحقيق ، قيام ، سلطات ديمقراطية ، والعمل ، لتطوير الدساتير ، والقوانين ، والأنظمة ، واللوائح ، ديمقراطياً ، بحيث ، يتم ، بناء الدولة ، العادلة ، دولة ، المواطنة ، والمساواة ، بهذا ، تتحول مؤسسات الدول القائمة ، في الوطن العربي ، من ، حواجز شائكة ، على طريق الوحدة العربية ، إلى ركائز متينة ، لبناء ، الدولة القومية ، الواحدة ، للأمة العربية ، التي ، لن ، تقوم إلا بالاختيار الديمقراطي ، الحر ، والنزيه . فالوحدة العربية ، في الظروف الراهنة ، وبعد التجارب المرة ، لن تتحقق بالضم ، ولا بالاحتلال ، ولا بالانقلابات ، ولا بالقوة ، ولا بالاستبداد ، وإنما ، للوحدة العربية ، في الظروف الراهنة ، طريق وحيدة ، تتمثل برفع القيود ، والعوائق ، عن المجتمع العربي ، ليستعيد حريته ، وإرادته الحرة ، عندها ، وعندها فقط ، لن ، تستطيع قوة ، في الأرض ، من ، الحيلولة ، بينه ، وبين ، تحقيق ، وبناء ، دولة الوحدة العربية …..

( 28 )

          هكذا ، تنطلق “الطليعة العربية” ، من ، مبدأ الديمقراطية ، في الأجزاء ، إلى الديمقراطية ، على ، الصعيد القومي . ولهذا ، فإن التعامل ، مع الواقع ، لتحقيق الغايات ، المشار إليها ، اقتضى ، أن ، تؤسس ، مؤسسات “الطليعة العربية” ، في الأقطار العربية ، ضمن الحدود ، القائمة ، “للدول العربية” ، وأن ، تمارس “الطليعة العربية” ، مهامها ، ونضالها ، وترسم خططها ، وتحالفاتها ، وفق الظروف الموضوعية ، المحلية ، في كل دولة عربية ، على حدة ، بينما تبقى ، “المؤسسات القومية” ، للطليعة العربية بدءاً ، من المؤتمر التحضيري ، إلى المؤتمرات القومية ، في مرحلة التجزئة ، وانتهاء ، بالمؤسسات ، التي ، تنتج عنها ، مؤسسات ، إعدادية ، تنسيقية ، ذات ، طابع فكري ، وثقافي ، وتقني ، إلى ، أن ، تقوم ، دولة الوحدة العربية ، عندها ، وعندها فقط ، تفرز ، مؤسسات الطليعة العربية ، مؤسساتها القومية ، التشريعية ، والتنفيذية ، التي ، يناط بها ، التعامل ، مع ، المؤسسات القومية ، للدولة العربية الواحدة ، ترشيحاً ، وانتخاباً ، وخططاً وبرامج … ، ورؤى مستقبلية ……

          هذا ، ليس تراجعاً ، كما ، قد يتصور البعض ، عن النهج القومي ، إلى الاعتراف بالدول القائمة ، وإنما ، هو ، تعامل إيجابي ، مع الواقع الموضوعي ، كما هو ، الآن ، في الوطن العربي ، للانطلاق ، مما هو ، كائن ، وبما ، هو ، متاح ، إلى ، الغايات الكبرى .. وهذا ، حصيلة تجارب مرة ، رسّخت في الواقع العربي ، أوضاعا مستجدة ، تختلف ، اختلافا ، بيّنا ، عن الظروف الموضوعية ، التي واجهت الأجيال السابقة ، من ، القوميين العرب ، الرواد ،  فالانقلاب على مؤسسات ، بعض ، الدول العربية ، والاستئثار ، بها ، من قبل ، بعض القوى القومية العربية ، لم يؤدي ، إلا ، إلى ، استنقاع ، تلك القوى ، في السلطات ، التي ابتلعتهم ، فتشوهوا ، كقوميين عرب ، ولوثوا ، المبادئ ، التي حملوها ، ودمروا ، مؤسسات الدول ، التي سيطروا عليها ..، ليس ، لمصلحة دولة الوحدة العربية ، وإنما ، لمصلحة تدمير النسيج الاجتماعي ، المجزأ ، أصلا ،  المطلوب ، الآن ، البدء ، من المجتمع العربي ، المجزأ ، كما هو ، بإعادته إلى المواطنة ، إلى مؤسسات الدول ، بتنظيفها من التسلط ، والفساد ، ثم ، إلى مؤسسات دولة الأمة ، الواحدة .. ، وذلك ، عن طريق ، مجتمع ، مواطنة ، ديمقراطي ، ثم ، مؤسسات دول ، ديمقراطية ،  ثم ، مؤسسات دولة عربية واحدة ، ديمقراطية .. ، حيث ، لا قهر ، ولا استبداد ، ولا استئثار ، ولا إقصاء ، ولا استئصال ، ولا تفرد ..

( 29 )

          لهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، ستنطلق ، ببرنامج شامل ، لشتى مجالات الحياة ، يتضمن برامج تفصيلية ، في مختلف الفروع ، تسعى لتحقيقها ، من موقع الإدارة ، إذا ، تم اختيارها ديمقراطياً ، لها ، وتسعى ، بذات القوة ، والحماس ، من مواقع المعارضة ، إذا ، كانت هذه ، إرادة المواطنين .. ، ذلك ، أن “الطليعة العربية” ، لا تكتفي ، بالإشارة إلى الأخطاء ، والخطايا ، وتوجيه الانتقاد للآخرين ، وإنما ، قبل ذلك ، ومعه ، وبعده ، تقدم ، الحلول الصحيحة ، للمشكلات ، وتسعى لتنفيذها ، بالعمل ، وتصفق لمن ينفذها ، ولو كان من الخصوم ، وتساهم في البناء المادي ، والمعنوي ،  بحيث ، يتم تصويب أداء مؤسسات الدول في الأجزاء ، لتكون ركائز ، قوية ، تقوم عليها ، مؤسسات ، دولة الوحدة العربية ، فتوفر ، بذلك ، الكثير من الجهد ، والإمكانيات ……

          لقد ، أثبتت التجربة المرة ، بما لا يدع ، مجالاً للشك ، أن ، إهمال الواقع المحلي ، في الأجزاء ، والعزوف ، عن المشاركة ، فيه ، بحجة ، التطهر من الواقع الإقليمي ، ورفع الشعارات القومية ، لمحاربة الإمبريالية ، والصهيونية ، لن ، يؤدي ، إلا ، إلى ، أن ، ذلك الواقع ، يصبح ، مستباحا ، مفتوحاً ، لشتى ضروب الفساد ، والإفساد ، والاستبداد ، والتخلف ، وبالتالي ، مفتوحاً ، لكل ، ما تريده الإمبريالية ، والصهيونية .

          “الطليعيون العرب الجدد” ، يحددون خط البداية ، من الواقع ، المر ، إلى الأمة في دولتها القومية ، إلى الإنسانية ، متمثلة بمؤسسات دولية ، عادلة .. ، وليس العكس ..

          هكذا ، سيكون ميلاد “الطليعة العربية” ، علامة فارقة ، في التاريخ العربي المعاصر ، وإذا ، كان “الطليعيون العرب الجدد” ، سينطلقون إلى أهدافهم ، في وقت واحد ، إلا ، أنهم ، سيتقدمون ، باتجاه أهدافهم ، بتفاوت ، يتعلق ، بإمكانياتهم الذاتية في الأجزاء ، وبالواقع الموضوعي ، في ، كل جزء ..  ، هنا ، سيكون على الأجزاء ، التي تتقدم ، أن تتحول إلى رافعة للأجزاء المتعثرة  ، وليس العكس ، بمعنى الابتعاد عن محاولات الإلحاق والضم ، والانتقال إلى مبدأ المساواة تحت مظلة النظام العام في دولة الوحدة العربية ، وطوبى ، لمن ، يتقدم الصفوف ..

( 30 )

          باختصار شديد ، سيتم ، الميلاد ، بتأسيس ، مؤسسات “الطليعة العربية” في “الدول العربية” ، وفق ، الأسس القانونية ، والدستورية ، في ، كل دولة عربية على حدة ، حيث ، ستعتمد مؤسسات الأجزاء ، الوثيقة التأسيسية القومية ، وستطرحها للنقاش ، والتعديل ، لكن ، إضافة إلى ذلك ، وبالتزامن مع ذلك ، ستعتمد مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء ، وثيقة تأسيسية ، خاصة ، بكل جزء ، تعالج ظروفه ، ومشكلاته الخاصة ، وستأخذ المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الأجزاء ، من المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، كل ، ما تستطيع ، تلك المؤسسات القومية ، تقديمه ، وستعطي ، تلك المؤسسات ، في الأجزاء ، مقترحاتها الفكرية ، وكل ما يفيض عن حاجتها المحلية .. وفي المجالات كافة .. للمؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، وسيتم ، ذلك كله ، وفق ، لوائح محكمة ، وواضحة ، ومحددة ..

إن “الطليعة العربية” ، وبعد دراسة ، وتقييم الواقع الموضوعي ، في الوطن العربي ، وبعد استقرار مؤسسات دول التجزئة ، فإن “الطليعة العربية” ، لن تتعامل ، مع تلك المؤسسات ، بمنطق العنف ، أو الثورة ، أو الانقلاب ، أو التدمير ، وإنما ستتعامل ، معها ، على أنها مؤسسات أمر واقع ، من مصلحة الأجزاء ، ومن مصلحة الأمة ، المساهمة ، في ، بناء تلك المؤسسات ، بناء سليماً ، لتكون ركائز البناء ، على الصعيد المحلي ، وعلى الصعيد القومي ، وبالتالي ، فإن “الطليعة العربية” ، ستساهم في شتى النشاطات ، والنضالات الاجتماعية ، والسياسية ، والثقافية ، والاقتصادية ، لبناء مؤسسات فاعلة ، وعادلة ، على صعيد المجتمع ، والدولة ، في الأجزاء ، وهي ، ذاتها ، ستكون الركائز الصلبة ، لدولة الأمة الواحدة ..  ، إن ، “الطليعة العربية” ، بذلك ، تسد كافة الذرائع ، أمام الفتن الداخلية ، وتزيل مبررات العنف ، المدمر ، فتزول ، مبررات العنف المضاد ، وتبدأ “الطليعة العربية” ، بترسيخ الانتماء القومي ، للأمة العربية ، بمكوناتها المتنوعة ، على أسس ، ومبادئ ، ومرتكزات ، جذورها ثابتة في الأرض ، وقادرة ، على حمل جذوع ، وأغصان ، تصمد في وجه ، أعتى ، العواصف ، فالمواطنة ، في الأجزاء ، التي ، تنتج مؤسسات ، في المجتمع ، وفي الدولة ، تحقق العدالة ، والمساواة ، والديمقراطية ، والتكافل الاجتماعي ، وحدها القادرة على شق الطريق إلى الوحدة العربية   ، فالحرية ، وحدها ، يمكن ، أن تفتح الباب ، واسعا ، أمام الجماهير العربية ، كي ، تصل بذلك ، وديمقراطياً ، إلى مؤسسات الدولة الواحدة ، للأمة العربية ، وهذا ، يقتضي ، ترسيخ مبدأين أساسيين ، لا تحيد ، عنهما ، “الطليعة العربية” .

( 31 )

المبدأ الأول : إن ، الانتقال من الدولة ، في جزء ، ما ، من الوطن العربي ، إلى الأسمى ، في الدولة القومية عن طريق الوحدة بين قطرين أو أكثر وصولاً إلى الوحدة العربية الشاملة ، لا يتم قهراً ، ولا قسراً ، مهما ، كانت الظروف ، وإنما ، يتم ، بالديمقراطية ، وبالاختيار الحر المباشر من الشعب ، في ذلك الجزء ، وأن ، إنابة ، الشعب العربي ، للطليعة العربية ، في ، أن ، تتحمل مسؤولية إدارة السلطات ، في ، دولة ، ما ، من الوطن العربي ، لا يعطيها الحق ، في ، أن توحد تلك الدولة ، مع ، دولة عربية أخرى ، أو ، مع عدة دول عربية ، إلا بعد العودة إلى الشعب ، في ، ذلك الجزء ، لأنه ، وحده صاحب القرار .. ونحن ، إذ ، نؤكد على هذا المبدأ ، نؤكد ، في الوقت ذاته ، أن ، هذا الاختيار ، من قبل هذا الجزء ، من الشعب العربي ، ليس اختياراً ، بين ، انتمائه للأمة العربية ، أم ، لا .. ، فالانتماء للأمة ، ليس اختياراً .. ليستفتى الناس ، حوله .. ، وإنما ، الاستفتاء ، هنا ، على شكل الدولة ، وطريقة الحكم … وإلى آخره ، وحسب ….

( 32 )

المبدأ الثاني : أن ، “الطليعة العربية” ، بهذه المساهمة الفاعلة في الأجزاء ، تعيد الحيوية ، والقوة ، للنسيج الاجتماعي ، وتعيد للمواطنة ، الحقة ، ألقها ، وبالتالي ، يتم تحصين مجتمعات الأجزاء ، من الصراعات المدمرة ، والفتن القذرة ، ومؤامرات تحطيم الأجزاء ، إلى الأدنى …، وهذه شروط أساسية لتفعيل “قانون الجدل الاجتماعي” ، وبدون تحقيق ذلك ، سنكون أمام عقم ، وعجز تام عن إنجاب التطور ، وفي مثل تلك الحالة ، لن ، تتحقق “دول وطنية” ، في الأجزاء ، كما يسعى البعض ، ولن ، نحقق “الدولة القومية” ، كما نحلم ، نحن ، وإذا ، كانت “الطليعة العربية” ، قد ، حددت الديمقراطية ، أسلوباً ، وممارسة ، للسمو ، بمؤسسات ، “دول الأجزاء” ، والمساهمة مع كافة القوى الحية ، في الأجزاء ، لتنظيف تلك المؤسسات ، من ، لوثة التسلط ، والفساد ، وبالتالي ، تجهيزها ، كنواة ، لمؤسسات  “الدولة القومية” ، لهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، في الأجزاء ، ستتحالف ، مع سائر قوى النهضة ، والتنوير ، في المجتمع ، وفي أجزائه ، اعتماداً على احترام القوانين ، والنظام العام ، لمواجهة جميع أشكال التخريب الداخلي ، والفتن المحلية ، وصراعات التخلف ، والانحلال ، والفوضى ، من ، أول الصراعات المذهبية ، والطائفية ، والدينية ، إلى آخر الفتن ، الإثنية ، والمناطقية ..  ، مرورا ، بمواجهة توحش رأس المال ، الطفيلي ، والمسروق ، والمافوي ، الذي أنتج ، مليونيرات ، الصدفة ، والفساد ، والفهلوة ، وإلى آخرهم …

( 33 )

خامساً : “الطليعة العربية” ، في ، كل جزء ، من أجزاء الوطن العربي ، هي ، حزب سياسي ، مشروع ، أو ، تحت التأسيس ، يسعى للحصول على المشروعية ، يتم تأسيسه استناداً إلى المنظومة الدستورية ، والقانونية ، والتشريعية ، في الأجزاء ، ويمارس نشاطاته ، السياسية ، تحت سقف القانون ، ويقوم ، بصياغة وثائقه التأسيسية ، والتنظيمية ، والحركية ، بما يتلاءم ، مع القوانين ، والأنظمة النافذة ، وهو  ، مشروع ، وشرعي ، بمعنى :

1 –     في ، “الدول العربية” ، التي ، تتيح قوانينها ، وأنظمتها النافذة ، تأسيس الأحزاب ، تتقدم ” الطليعة العربية ” ، بوثائق التأسيس ، وفق الشروط ، والتعليمات النافذة ، حتى  ، ولو كانت مجحفة ، ذلك ، أن “الطليعة العربية” تستمد مشروعيتها  ، من ، التعامل مع القوانين ، والأنظمة النافذة ، كما هي ، ثم تعمل ، بكافة الوسائل ، والسبل المشروعة ، على تغييرها ، وإزالة ، ما فيها ، من حيف ، وخلل ،  و”الطليعة العربية” ، بذلك ، تكون تنظيماً ، شرعيا ، ومشروعاً .

2 –     في “الدول العربية” ، التي ، تقيد تأسيس الأحزاب ، فيها ، بموجب قوانين استثنائية ، أو قوانين طوارئ ، أو غير ذلك .. يتم ، تأسيس “الطليعة العربية” ، وتعلم السلطات المختصة ، في ذلك الجزء ، بذلك ، وتبقى قيد التأسيس إلى ، أن تسمح القوانين ، بمنح الترخيص القانوني ، اللازم ، و”الطليعة العربية” في هذه الحالة ، حتى ، وهي ، في مرحلة التأسيس ، تكون حزباً ، شرعيا ، ومشروعاً .

3 –     في “الدول العربية” التي ، لا تتيح الأنظمة ، فيها ، قيام مؤسسات حزبية ، فإن “الطليعة العربية” ، تعلن عن بدء نشاطها ، وأنها ، تحت التأسيس ، وتعلم السلطات المختصة ، بذلك ، وتودعها صورة عن وثائقها ، وأهدافها ، وتبقى تناضل ، مع سائر قوى النهوض ، والتنوير ، في ذلك الجزء ، لتشريع الممارسة السياسية ، للأحزاب ، و”الطليعة العربية” ، بذلك ، بدءا ،ً من مرحلة التأسيس ، وحتى الحصول ، على الترخيص القانوني ، تكون حزباً ، شرعيا ، ومشروعاً ..

4 –     في ، الأجزاء العربية ، المحتلة بغزو خارجي ، أياً ، كان مصدره ، فإن “الطليعة العربية” ، تمارس نشاطها ، على مستويين :

المستوى الأول : يتم تأسيس “الطليعة العربية” ، كحزب سياسي ، يمارس شتى ضروب النضال السياسي ، والثقافي ، والاجتماعي ، والجماهيري . وفق التشريعات ، التي ، تحكم العمل السياسي ، تحت الاحتلال ….

المستوى الثاني : يقوم حزب “الطليعة العربية” ، بتغذية المقاومة ، ضد الاحتلال ، التي تضم مقاومين ، من كافة ، عناصر المجتمع ، وفصائله ، وأحزابه ، بما في ذلك ، بل ، في المقدمة ، منها ، “الطليعة العربية” ، التي تمد المقاومة ، بالكوادر المقاومة ، الشهيدة ، وبالإمكانيات المادية ، وعندما تنجز عملية التحرير ، ويزول الاحتلال ، تعود كوادر “الطليعة العربية” ، إلى ، أطرها الحزبية ، الديمقراطية ، المدنية ..لتناضل ، وفق نواميسها ……..

قد ، يقول البعض ، وهل ، ستسمح الأوضاع المعقدة القائمة ، في الوطن العربي “للطليعيين العرب” ، بهذه البساطة ، أن ، يمارسوا نضالهم ، باتجاه أهدافهم …؟ ، وكم ، من القوى ، ستتأذى من ذلك ، وبالتأكيد ، لن ، تقف مكتوفة الأيدي ….؟؟؟ ، نقول ، أن ، ذلك ، التساؤل ، محق ، لكننا ، نقول في الوقت ذاته ، أن “الطليعيون العرب الجدد” ، لا ينتظرون السماح ، من أحد ، ولا يخشون مواجهة الظروف المعقدة ، وأنهم ، يدركون ابتداء ، أن ، طريقهم إلى الحرية ، بمعناها الشامل ، ليست مفروشة بالورود ، ولهذا ، فقد أعدوا أنفسهم ، لتقديم التضحيات في شتى المجالات ، والحرية ، والأهداف النبيلة ، أثمن من أي ثمن ….   

( 34 )

سادساً : “الطليعة العربية” ، تنظيم علني ، في المراحل كلها ، وفي شتى الظروف ، يعتمد ، الشفافية الكاملة ، في ، بناء مؤسساته الحزبية ، وفي تعامله مع الغير ، أياًُ كان ، فليس ، “للطليعة العربية” ، أفكاراً تخجل من إعلانها ، أو تخاف عليها من الإعلان ، “فالطليعيون العرب” ، يمتلكون الشجاعة الكافية ، لإعلان أفكارهم ، ورؤاهم ، وممارستها ، والدفاع عنها .. وبالتالي ، “فالطليعة العربية” ، مؤسسة حزبية ، علنية ، في “دول الأجزاء الديمقراطية” ، علنية ، في “دول الأجزاء المحكومة بالاستبداد” ، علنية ،في “دول الأجزاء المحكومة بالأجهزة الاستثنائية” ، حتى ، في الأجزاء العربية المحتلة ، فإن “الطليعة العربية” ، كمؤسسات حزبية تتسم ، بالشفافية ، والعلانية ، فقط ، كوادر الطليعة العربية ، في الأجزاء المحتلة ، الذين يلتحقون بالمقاومة ، فإنهم ، وابتداء من ذلك ، يخضعون ، لنواميس المقاومة ، وقوانينها ، وعندما ، ينجز التحرير ، ويزول الاحتلال ، تعود كوادر “الطليعة العربية” ، إلى مؤسساتها ، المدنية ، الحزبية الديمقراطية ، العلنية ، وفق لوائحها ..

          إن ، هذا ، يرتب على “الطليعة العربية” ، مسؤوليات إضافية ، إلا ، أن التجارب المرة ، التي مرت ، على مؤسسات النهوض والتنوير ، في الوطن العربي ، أثبتت ، أن ، العلنية ، شرط للديمقراطية ، في المؤسسات الحزبية الديمقراطية ، وأن ، العلنية ، هي السلاح الأمضى ، حتى ، في مواجهة ، الاستبداد وأجهزته .. وهذا ، يحتم ، على “الطليعة العربية” ، أن تدفع ثمن النضال ، من أجل الأهداف السامية ، التي تعلنها ، وأن ، تقدم التضحيات الجسام ، على الطريق ، باتجاه تلك الأهداف .. ولهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، تواجه ، حتى ، سجانيها ، بأفكارها ، ومبادئها ، وتحاورهم ، بما ، تؤمن ، به ، وتدعوهم إلى الكلمة السواء ، دون مواربة ، فبقدر ، ما يظهر “الطليعيون العرب” من ثبات ، وإصرار ، وعقائدية ، وإيماناً ، بالمبادئ ، والأهداف ، بقدر ، ما ينالون الاحترام ، من جميع القوى ، وربما ، يفتحون ، بذلك ، أبواباً ، للنجاة ، من الفتن ، والتخلف ، والتسلط ، وممارسة الظلم ، بدعوة الجميع ، للسير في الطريق ، القويم ، والكف عن التوحش ، والقمع .. ، ذلك ، أن الأسلوب الأمثل ، لمواجهة أجهزة القمع ، في الوطن العربي ، يكون بتفكيكها ، فالطليعة العربية ، ترى ، في ، كل مواطن عربي ، مشروع طليعي عربي ، حتى ، ولو كان ، بحكم وظيفته ، سجاناً، فالطليعي العربي ، أولا ، وقبل كل شيء آخر ، داعية ، لأفكاره ، ومبادئه ، وتوجهاته ، في ، أي ، موقع كان ، سواء ، في مؤسسات المجتمع ، أو في مؤسسات “الدولة” ، أو حتى في السجون ، .. ويمارس ، هذا كله ، بشفافية ، ومصداقية ، فيحقق من خلال ذلك الانسجام الإيجابي ، بين ،  سلوكه ، وممارسته ، بين ، مبادئه ، وأهدافه ..

( 35 )

سابعاً : “الطليعة العربية” ، حزب سياسي ، يعتمد الوسائل السلمية ، حصراً ، في مجمل نشاطاته ، وممارساته ، فالطليعة العربية ، تدرك ، من خلال التجربة المرة ، هشاشة النسيج الاجتماعي ، في الوطن العربي ، بفعل ، تداول أحكام السيطرة على الوطن العربي ، بين الغزاة ، والمستبدين ، ولفترات زمنية مديدة ، وهذا يعني ، أن العنف ، في حال اللجوء إليه ، مهما ، كانت الأهداف نبيلة ، فإنه ، قد يفجّر ، سلسلة متوالية ، من ، العمليات العنيفة ، وفي ، اتجاهات مختلفة ، لا يمكن حصرها ، قد تؤدي ، إلى شتى أنواع الفتن ، والتخريب الاجتماعي .. وهذا ، يعني أن “الطليعة العربية” ترفض العنف ، انطلاقاً من أسس ، ومباديء ، واستراتيجية واضحة، لهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، لا تلجأ إلى العنف ، كخيار ، ولا تلجأ ، إلى العنف ، حتى ، كرد فعل ، مهما ، تعرضت للقمع ، والاضطهاد ، والاستهداف ، فالطليعة العربية ، سترد على العنف ، بالدعوة إلى الحوار ، وبمحاولة ، سد الذرائع ، لمنع استعمال العنف ، في المجتمع ، وبالترجمة العملية ، لهذا المبدأ ، فإن “الطليعة العربية” ضد العنف المادي ، والمعنوي ، بين ، مؤسسات المجتمع الحزبية ، وغير الحزبية ، وهي ، تواجه العنف ، الذي ، قد تمارسه عليها ، سلطات القمع ، بالدعوة ، إلى الإصلاح ، والحوار ، والاحتكام إلى القواعد القانونية ، والدستورية ، وبالدعوة ، إلى الكلمة السواء … وكوادر “الطليعة العربية” ، يملكون الشجاعة الكافية ، بدون خوف ، وبدون تهور، للجهر بالحق ، على رؤوس الأشهاد ، ويملكون الإرادة ، للتضحية ، والاستعداد ، ليكونوا دائماً ، رموزاً ، يقتدى ، بها .. في سائر المواقف ،  والمواقع …  ، ونؤكد ، في هذا المجال ، أن ، الشجاعة ، مع ، الضوابط  ، السلمية ، والموضوعية ، والعلنية ، والعقلانية ، أكثر مضاء ، من “شجاعة” ، العنف ، والتهور ، ومن القتل المجاني ، ومن التضحية المجانية ، إن ، هذه الشجاعة النبيلة ، التي ندعو إليها ، لا تتحقق ، إلا بشروط إنسانية ، بالغة السمو ، والصلابة .. ، والوعي ، وهذا ، ما يميزها ، وهذا ، ما تسعى “الطليعة العربية” ، لتحقيقه  ، في ذاتها ، أولا ، ومن ، ثم ، تحاول ، أن تكون رافعة ، للنهوض ، بالمجتمع العربي ، إلى ، حيث يستحق ….

          غني ، عن القول ، أن هذا المبدأ عن ، سلمية ، ممارسات أنشطة “الطليعة العربية” ، يندرج ، على الممارسة السياسية ، في “الدول العربية” ، أما ، في حالة الأجزاء العربية الرازحة تحت الاحتلال ، فإن ، المقاومة ، لا تكون حقا للمواطنين ، وحسب ، وإنما ، واجب مقدس ، أيضاً ، و”الطليعة العربية” ، كما أسلفنا ، تساهم مع فصائل ، وقوى المجتمع الحية ، في ، تأسيس ، وبناء المقاومة ، ومن أساليب المقاومة ، العنف ، العنيف ، لكن ، هذا ، وكما قلنا ، يخضع لنواميس ، وقوانين ، وضوابط ، المقاومة ، ومؤسساتها ، وبالتالي ، فإن كوادر “الطليعة العربية” ، الذين ينتسبون ، للمقاومة ، يخضعون ، لضوابطها ، ويمارسون ما تقتضيه ظروف مقاومة العدوان ، لكن ، هذا الوضع ، ينتهي ، بمجرد التحرير ، ورحيل العدوان ، فتعود كوادر “الطليعة العربية” ، إلى ، حزبها ، السياسي ، السلمي ، العلني ، والانضباط ، بنواميسه ، ومنها ، احترام مبدأ السلمية ، في ، الممارسة السياسية ….

( يتبع … البيان … “14” … )

  * حبيب عيسى

Email:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

40

يكتبها : حبيب عيسى

البيان … “14” …

 

” الطليعة العربية …”

من ديمقراطية البنية الحزبية

إلى الديمقراطية على مستوى الأمة…

 

( تتمة … “14” … البيان …)

( 36 )

ثامناً : “الطليعة العربية” ، حزب ديمقراطي ، من مرحلة التأسيس ، وإلى اكتمال المؤسسات الحزبية ، في “الدول العربية” ، ثم ، من خلال الممارسة ، باتجاه الأهداف ، وصولاً إلى ديمقراطية المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، يترتب على هذا ، أن تضع المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في كل دولة عربية ، لوائح تنظيمية ، تنفيذية ، صارمة ، تحدد شروط الانتساب إلى “الطليعة العربية” ، ثم ، ضوابط العضوية ، ثم ، قواعد ، وأسس بناء المراتب الحزبية ، وضوابط الترشيح ، والانتخاب لشغلها ، والتداول في جميع مراتب “الطليعة العربية” ، من القاعدة ، وإلى المراتب العليا ، بحيث ، يتم الحفاظ على دورة الحياة في تلك المراتب ، وبحيث ، يتم التغيير دورياً في شتى المراتب الحزبية ، فالطليعة العربية ، لا تعتمد على فرد ، ولا على جماعة ، بعينها ، وبالتالي ، فإن الاستثناءات ، والاحتجاج بالظروف الموضوعية ، والاستثنائية ، غير مسموح ، به ، في هذا الشأن ، فلا يوجد في “الطليعة العربية” كادر ، لا بديل له ، أو ، لا يمكن الاستغناء عنه ، أو يجب الاحتفاظ ، به ، في موقع معين ، خارج المدة المحددة في اللوائح التنظيمية ، والتي ، يجب أن تحدد الفترة الزمنية المحددة ، في كل مرتبة تنظيمية ، وأن يمنع التجديد ، أو التمديد ، لأي سبب ، من الأسباب … ، وفي أي موقع ، من مواقع “الطليعة العربية” ، إن هذا المبدأ ، في غاية الأهمية ، لإعادة الاحترام ، للمؤسسات الحزبية ، في الوطن العربي ، والتي تحولت ، بفعل عوامل عديدة ، أشرنا إليها في فقرات سابقة ، إلى شلل تتشرنق حول شخص معين ، تكنىّ باسمه ، ويحّركها حيث يشاء ، أكثر منها ، مؤسسات حزبية ، تتخذ قراراتها ، وفق أسس تنظيمية ، وديمقراطية دقيقة ، ومحترمة …

(  37  )

إن “الطليعة العربية” ، إذ ، تلح على الديمقراطية ، كنهج في التأسيس ، والممارسة ، والعلاقة الداخلية ، في شتى المراتب التنظيمية ، فإنها ، ولضرورة التعامل مع الواقع ، فإن المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، ستعتمد النهج الديمقراطي ، تأسيساً ، وممارسة في الدول العربية ، وفي المهاجر ، والمغتربات ، على السواء . أما ، المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، فقد أشرنا ، إلى ، أنها ، ستبقى في مرحلة الإعداد ، والتحضير ، والتأسيس ، لفترة زمنية ، تمتد إلى أن تقوم دولة الوحدة العربية ، ولهذا ، فإن المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، بدءاً من “المؤتمر القومي” ، الذي ، هو ، الأساس في البنية القومية ، للطليعة العربية ، يخضع لمعايير خاصة ، في مرحلة التحضير ، والتأسيس ، ويمكن ، وضع اللوائح ، لتشكيل ، المؤتمر التحضيري ، للمؤتمر التأسيسي ، ثم ، المؤتمر التأسيسي للمؤتمر القومي الأول ، وهذا يقتضي أن يتم التشكيل ، بسبب الظروف ، بالغة التعقيد ، المتعلقة بالتجزئة ، والتي ، لا تسمح بالاختيار ، ديمقراطيا ، المؤتمر التحضيري ، للمؤتمر التأسيسي ، لهذا ، فإن اجتياز مرحلة التأسيس ، تتم على مراحل أربع :

المرحلة الأولى : مرحلة ، المؤتمر التحضيري ، وتبدأ ، بالتزامن مع تأسيس المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، في “الدول العربية” ، ويتم تشكيله ، من ، الطليعيين العرب ، الذين يواجهون ظروفاً موضوعية ، وذاتية ، تحول بينهم ، وبين ممارسة العمل السياسي ، التأسيسي في المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في دولهم ، سواء ، بسبب تقدمهم في السن ، أو ، لأسباب موضوعية أخرى ، تحول بينهم ، وبين ممارسة العمل السياسي ، اليومي ، في بلدانهم ، تنظيماً ، وحركة … ، وتكون البداية ، بتأسيس “لجنة تنسيق قومية” ، من هؤلاء الشيوخ القوميين ، الذين سينذرون أنفسهم لهذه المهمة ، وسيختارون  ، بعضهم ، البعض ، فتعّد ، تلك اللجنة ، الوثائق ، وتضع برنامجاً زمنياً ، لإنجاز مهامها ، وتتلقى الترشيحات ، والمقترحات ، من سائر أرجاء الوطن العربي ، وتقوم اللجنة ، بالتنسيق بين “مؤسسات الطليعة العربية” في الأجزاء ، وتضع مشروع جدول أعمال للمؤتمر التحضيري ، توزعه على مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء وتتلقى الردود والتعديلات المقترحة ، ثم ، وبناء على ذلك كله ، تحدد اللجنة ، مكان ، وزمان انعقاد ، المؤتمر التحضيري ، للمؤتمر القومي ، التأسيسي ، للطليعة العربية .

المرحلة الثانية : وتبدأ ، بانعقاد المؤتمر التحضيري ، من ، الذين رشحتهم مؤسسات “الطليعة العربية” في الأجزاء ، وهي مؤسسات ديمقراطية كما أسلفنا ، وبالتالي فإن المعيار الديمقراطي اعتباراً من المؤتمر التحضيري هو الواجب الإتباع في المؤسسات القومية للطليعة العربية ، حيث كان ذلك ممكناً ، وحيث ، يسلم الشيوخ الراية إلى الجيل العربي الجديد ، وحيث يضعون أنفسهم بتصرف المؤتمر التحضيري ، والجيل الشاب ، وليس العكس  ، وحيث ، النهج الديمقراطي ، هو ، الذي يحكم اجتماعات “المؤتمر التحضيري” بدءاً ، من إقرار الوثائق ، واتخاذ القرارات ، إلى انتخاب “لجنة تنسيق قومية” جديدة ، يتم تفويضها ، لفترة زمنية محددة ، في تنفيذ جدول أعمال ، يتم إقراره ، في المؤتمر التحضيري ، يحدد فترة زمنية ، لا تتجاوز السنتين ، للإعداد ، وانعقاد المؤتمر التأسيسي القومي الأول للطليعة العربية ، إضافة إلى مهام تأسيس ، مؤسسات قومية تخصصية ، في المجالات كافة ، وتسمية أعضاء المؤتمر التأسيسي القومي الأول ، بعد إقرار ذلك كله من المؤتمر التحضيري ، الذي يجتمع كل ستة أشهر ، على الأكثر ، لمراجعة ، ما تم تنفيذه ، ومواجهة المستجدات .

المرحلة الثالثة : وتبدأ ، بانعقاد المؤتمر التأسيسي القومي الأول ، الذي ينجز جدول الأعمال ، المعّد ، من قبل المؤتمر التحضيري ، وينتخب ، ديمقراطياً ، لجنة تنسيق قومية ، تكون مسؤولة أمام المؤتمر التأسيسي ، الذي يجتمع دورياً ، والمؤتمر التأسيسي القومي ، سيد نفسه ، بحيث يضع اللوائح ، لتداول العضوية فيه ، دورياً ، وإعادة انتخاب لجنة التنسيق القومية ، دورياً ، المرة ، تلو المرة ، حتى اختتام مرحلة التأسيس ، وتقييم ، ومتابعة تنفيذ المقررات الصادرة عنه ، وذلك ، إلى أن تقوم ، دولة الوحدة العربية .

المرحلة الرابعة : وتبدأ ، بعد إقامة دولة الوحدة العربية ، حيث يكلف المؤتمر القومي التأسيسي ، لجنة التنسيق القومية ، بإعداد اللوائح ، والأنظمة اللازمة ، لانتخاب “المؤتمر القومي الأول للطليعة العربية” من قبل المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، في الأجزاء ، ديمقراطياً ، حيث ، المؤتمر القومي ، منذ تلك اللحظة ، هو الهيئة التشريعية العليا ، للطليعة العربية ، المسؤولة ، تشريعياً  ، عن التعامل إيجاباً مع مؤسسات دولة الوحدة العربية ، من أول الترشيح ، والانتخاب ، لمؤسساتها التشريعية ، والتنفيذية ، والقضائية ، وكذلك ، وضع البرامج القومية ، ورسم الاستراتيجيات ، واعتماد ، وثائق “الطليعة العربية” ، التي تم إعدادها ، خلال فترة التحضير ، والتأسيس ، وتحقيق الضبط ، والربط ، والتوفيق ، والتنسيق ، بين مؤسسات “الطليعة العربية” ، وبين ، المؤسسات في دولة واحدة ، ووفق نظام دستوري ، وقانوني واحد ، مع الاحتفاظ ، باللامركزية المدروسة ، بين التقسيمات الإدارية ، للواقع الجغرافي ، والديموغرافي ، لمجتمع ، ووطن ، دولة الوحدة العربية ، وبحيث ، تتطور المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، بما ، يتلاءم مع التقسيمات الإدارية ، لدولة الوحدة العربية …

( 38 )

هناك ، ملاحظة على هذا المشروع ، وهي ، أن المرحلة التحضيرية ، للمؤتمر التأسيسي القومي ، وكذلك ، مرحلة المؤتمر التأسيسي القومي ، وهي المرحلة ، التي ، قد تطول زمنياً ، تكون بنية المؤتمر التحضيري القومي ، معيبة ديمقراطياً ، إلى حد ، ما ، لأن ، أعضاء  المؤتمر ، لا يتم انتخابهم ديمقراطياً ، ومباشرة ، من المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الدول القائمة ، وإن كانت تلك المؤسسات هي التي تختار الغالبية منهم ، لكن الظروف المعقدة التي قد تعيق قيام مؤسسات الطليعة العربية في بعض الأجزاء تفرض تمثيل تلك الأجزاء في المؤتمر التحضيري  

وهذا ، يتناقض ، شكلاً ، وموضوعا ، مع المبدأ الأساسي ، الذي نعتمده ، في بناء مؤسسات “الطليعة العربية” ، وهو ، النهج الديمقراطي ، دون استثناءات ، أو تبريرات ، ولتوضيح هذه النقطة ، نورد ، النقاط التالية :

1 –     إن ، هذا الأسلوب ، يمارس ، حصراً ، في مرحلة تأسيس ، المؤسسات القومية ، قبل قيام مؤسسات دولة الوحدة العربية ، حصراً ، وأن المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الدول القائمة يتم تأسيسها ديمقراطياً من الألف إلى الياء … حيث يكون القرار التنفيذي في تلك المرحلة ، طالت ، أو قصرت ، لمؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء ، وهي مؤسسات منتخبة ديمقراطيا … بينما يقتصر دور المؤسسات القومية قبل قيام دولة الوحدة العربية على التنسيق أساساً بين مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء .

2 –     إن ، بناء المؤسسات القومية ، يخضع ، لظروف متنوعة ، متعددة ، بعدد الدول ، والأوضاع المأساوية القائمة ، في الوطن العربي ، وهذا يطرح مسائل ، وتعقيدات ، قد تمنع ، أو تؤخر عمل المؤسسات القومية ، إذا تعذر انتخاب أعضاء المؤسسات القومية ، ديمقراطيا ، في بعض الأجزاء . وهذا ما يجب التعامل معه إيجاباً .

3 –     إن ، مرحلة التأسيس ، للطليعة العربية ، في الدول العربية ، لن تسير ، سيراً متوازياً ، في وقت واحد ، فقد ، تقوم ، تلك المؤسسات في دولة ، قبل أخرى ، وقد تتطور في دولة ، وتتعثر في أخرى ، وهكذا لابد من اعتماد أساليب مرنة في مرحلة التأسيس ، بحيث تشكل مؤسسات الطليعة العربية الناشطة في بعض الأجزاء رافعة للمؤسسات المتعثرة في أجزاء أخرى ، وهذا يفرض بناء المؤسسات القومية للطليعة العربية ، في مرحلة التأسيس ، بمن يحضر ، وأن لا نعّطل عمل المؤسسات القومية لأسباب تتعلق بتعثر بناء مؤسسات الطليعة العربية في بعض الأجزاء ، فبناء مؤسسات “الطليعة العربية” في الأجزاء يعتمد على عناصر القوة في المؤسسات القومية ، والعكس صحيح ، فلا ، التأخير ، ممكن انتظاراً للمتعثرين ، ولا  تمثيل أجزاء ، دون أجزاء أخرى ، مقبول  .

4 –     أن ، طبيعة عمل ، ومهام المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، في مرحلة التحضير ، والتأسيس ، إلى أن تقوم مؤسسات دولة الوحدة العربية ، تنحصر ، في التشريع ، والتنسيق ، ويبقى القرار التنفيذي ، للمؤسسات الحزبية الديمقراطية ، للطليعة العربية ، في “الدول العربية”.

5 –     إن ، المرحلة التحضيرية ، والتأسيسية ، تقتضي ، أن يكون أعضاء المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، متحررين ، تماماً ، من ، أي ، التزامات تنظيمية ، أو حزبية ، في مؤسسات الأجزاء ، لأنها ، قد تعيق تحركاتهم ، إضافة ، إلى ، أن ، أعضاء المؤسسات القومية ، في فترات التحضير ، والتأسيس ، يتمتعون بمواصفات خاصة ، تتعلق ، بظروفهم الموضوعية ، إن ، من ناحية تقدمهم بالسن ، أو ، من ناحية صعوبة ممارستهم للعمل السياسي المباشر في بلدانهم .. ، وهذا يعني ، أن الأولوية ، في تلك المرحلة ، تكون ، لبناء المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، في الأجزاء ، فالكوادر ، القادرة على الممارسة السياسية ، المباشرة ، وتحّمل تبعاتها ، مكانهم ، حصرا ، في النضال ، للبناء التنظيمي ، لمؤسسات “الطليعة العربية” ، في الأجزاء ..

( 39  )

باختصار شديد ، إن “الطليعة العربية” ، وبعد التجارب المرة ، في العقود المنصرمة ، تأسيساً ، وبناء ، ستنطلق ، من قاعدة الهرم ، إلى قمته ، وأن قاعدة الهرم التنظيمي ، للطليعة العربية ، ستكون ثابتة ، على الأرض العربية ، متأصلة ، في الأرياف ، والأحياء ، والمدن ، والبلدان ، ومنها ، سينطلق البناء صعوداً ، حتى القمة ، على مستوى الأمة العربية … وليس العكس ..!، وستطبق الطليعة العربية ، قاعدة ، أن العمل ، قسمة ، وأن هناك توازي في المسارات ، باتجاه النهضة ، فليتقدم ، كل ، على المسار ، الذي يتناسب ، مع إمكانياته ، وقدراته ، وهذا يقتضي ، وضع لوائح دقيقة ، لعدم تضارب المسارات ، ولمنع أشكال التعدي ، من مسار ، على آخر ، وإعلان طلاق النهج السابق ، الذي كان يقضي ، بإلغاء الخطوط الفاصلة ، بين المسارات ، وتخطيها ، للإمساك بالخطوط كلها ، عن طريق ، يد واحدة ، يدعي صاحبها ، وتقر ، له ، بطانة واسعة ، بأنه القادر على كل شيء ، وأنه ، وحده ، يفهم ، في كل شيء ، وأنه ، الأول في الاقتصاد ، والسياسة ، والثقافة ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والقانون ، والاجتماع  ، والفلسفة ، والفنون ، وإلى آخره .. وبالتالي ، فإن الخلل ، في تحديد المسارات ، والقوانين الناظمة ، للتحرك عليها ، هو ، أقصر الطرق إلى الديكتاتورية ، والاستبداد ، بالأحزاب ، وبالمجتمعات ، وبالسلطات ، وبالدول ، وبالجماعات ، وحتى ، بالأديان ، والمذاهب ، والفنون .. ، وإلى آخره..

لهذا كله ، فإن “الطليعة العربية” تحصّن نفسها ، بداية ، ضد جميع أشكال التفرد ، والاستبداد ، في مؤسساتها ، ومراتبها ، بالديمقراطية ، أولاً ، وبالفصل ، بين الممارسات ، والسلطات ، ثانياً ، وهذا يتطلب جهداً تأسيسياً ، مضاعفاً ، للانطلاق ، بحيث يعطي ، كل ، كادر أقصى ما يمكن ، في مجاله ، من جهة ، وبحيث ، لا تتضارب المسارات ، من جهة أخرى ، وإنما ، تتناغم جميعها ، باتجاه الهدف ، وفي هذه الحالة ، فإن التفاوت ، في التقدم على المسارات ، يمكن حله ، بالتكافل ، والتضامن ، بحيث ، تصب القوى الفائضة ، في المسارات المتقدمة ، لمواجهة التعثر ، في ، المسارات المتعثرة ..

( 40 )

إننا ، إذ ، نؤكد على البنية الديمقراطية للطليعة العربية ، فإننا نهدف إلى تثبيت مبدأين ، أساسيين :

-        المبدأ الأول : أن  “الطليعي العربي” عضو “الطليعة العربية” ، بمجرد اكتسابه ، للعضوية في مؤسسة ، من مؤسساتها ، يمتلك الحق ، كل الحق ، في التعبير ، عن آرائه ، ومواقفه ، من مختلف القضايا ، بحرية كاملة ، وأنه ، لا قيد ، على هذه الحرية ، من ، أي جهة كانت ، في “الطليعة العربية” ، أياً كان موقعها ، لكن ، مع احترام الآلية الديمقراطية ، بمعنى ، أن أي قضية ، أو رأي ، أو موقف ، بعد ، أن يشبع نقاشاً ، وحواراً ، داخل المؤسسة المعنية ، للطليعة العربية ، فإنه ، يعرض للتصويت ، والقرار ، هنا ، بعد إقراره ، ديمقراطيا ، يكون ملزما للمؤيدين ، له ، وللمعارضين ، على حد سواء ، بل ، إن الأخلاقية ، التي يتمتع ، بها ، “الطليعي العربي” ، تقتضي ، أن تتمسك الأقلية ، بتنفيذ القرار ، المتخذ ديمقراطيا ، قبل الأكثرية ، وأن تسارع ، إلى تبنيه ، وتنفيذه ، ذلك ، أنه ، بمجرد اتخاذه ديمقراطيا ، يصبح قرارا “للطليعة العربية” ، معبراً عنها ، من أول كوادرها ، إلى آخر مراتبها التنظيمية ، دون ، أن يعني هذا ، أن الأقلية ، قد غيرت مواقفها… فالمسار ، الذي سيتبع ، بعد ذلك ، هو ، الذي سيحدد الموقف الصحيح ، من الخطأ ، و”الطليعي العربي” ، حيوي ، ومنفتح ، لا يقيده التعصب لموقف ، أو الرفض لموقف ، فهو باحث ، أبداً ، عن الحقائق ، وعن الصراط المستقيم ، فإذا ، تبين خطأ القرار ، فإن الأكثرية ، التي سعت إليه ، لن ترى بأسا ، في التراجع ، وإذا تبين ، أن القرار صحيح ، فإن الأقلية ، التي عارضت ، ستسارع لتصحيح موقفها …، ولن تجد ، بأسا ، في ذلك …،

-        نقول هذا ، تفصيلاً ، لمعالجة مشكلة باتت مستوطنة في المؤسسات الحزبية ، في الوطن العربي ، وهي مشكلة الانشقاقات ، والتمترس وراء مواقف بعينها ، وتصويرها على غير طبيعتها الموضوعية ، وتضخيم ، الطابع الذاتي ، للاختلاف ، فيتحول الاختلاف ، إلى خلاف ، والخلاف ، إلى صراع ، والصراع إلى انشقاقات ، والانشقاقات إلى مهاترات … ، وإلى آخر الآثار السلبية ، وهذا كله ، لا يمكن معالجته ، إلا بإرساء أسس ممارسة ديمقراطية ، تعتمد الحوار ، والكلمة السواء ، واحترام الرأي الآخر ، ومن ، ثم ، الاحتكام إلى الممارسة الديمقراطية ، في اتخاذ القرارات ، وتنفيذ الأقلية ، للقرار ، الذي يتخذ ديمقراطيا ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل …..

-        المبدأ الثاني : أن “الطليعة العربية” ، وبالاستناد على المبدأ الأول ، فإنها ، تعكس النهج الديمقراطي ، في بنيتها الداخلية ، إلى ، نهج ديمقراطي ، في التعامل مع الآخر ، وعلى صعيد الوطن ، والأمة ، فالطليعة العربية ، لا تكفرّ ، ولا تخوّن ، ولا تكون طرفاً في التلاعن ، والتشاتم  ، ولا تسّخف ، ولا تستخف ، بأفكار ، ومواقف الآخر ، أياً ، كان ، ومهما ، كانت المواقف ، وإنما ، تعلن ، مبادئها ، وأهدافها ، وبرامجها ، وتحاور الآخر ، بما يحمل من آراء ، بموضوعية ، ومصداقية ، وتقدم ، أفكارها ، بشفافية ، ودون مواربة ، وتحتكم ، مع الآخر ، في الوطن ، إلى الممارسة الديمقراطية ، التي ، يعّبر عنها صندوق الاقتراع ، فتقبل “الطليعة العربية” ، النتائج ، بروح سمحة ، أيا كانت ، وتتقدم بالتهاني ، للفائزين ، ولو ، كانت ، أول الخاسرين ، وتتحمل المسؤولية ، في حال فوزها ، دون غرور ، وتترك الأبواب مفتوحة ، مع الآخر ، للحوار ، والتشاور ، إن “الطليعة العربية” ، تؤمن ، بما ، لا يدع مجالا للشك ، بالممارسة الديمقراطية ، وبالتالي ، فإنها تتحمل المسؤولية ، في مقاعد المعارضة ، بذات القدر ، من الجدية ، كما ، لو كانت في سدة المسؤولية ، وهكذا …

-        إن “الطليعة العربية” ، باعتمادها الممارسة الديمقراطية ، كمبدأ أساسي ، تبدأ ، بنفسها ، تربية ، وممارسة ، تقول ، كلمتها ، بموضوعية ، وهدوء ، لا ترفع الصوت ، بحيث ، لا يفهم ، ولا تخفضه ، إلى درجة ، أن لا يسمع ، تدعو ، دائما ، إلى الكلمة السواء ، بمفردات مهذبة ، لا تكون طرفا ، في ، أي ، صراع لا موضوعي ، أو عنف ، أو تلاعن ، أو تشاتم ، استناداً ، على موقف حاسم ، أنه ، لاشيء ، على الإطلاق ، يبرر ، مثل ذلك …. ، إن “الطليعة العربية” ، بذلك ، لا تهّذب نفسها ، وحسب ، وإنما ، تؤدي دورا أساسيا ، في الارتقاء ، بالخطاب السياسي ، والعقائدي ، إلى حيث ، يجب ، بعد ، الدرك ، الذي هبط إليه ،  مؤخراً …، وهذا ، بحد ذاته ، يستحق ، أن تبذل ، من أجله الجهود ، والتضحيات ……

( 41 )

تاسعا : “الطليعة العربية” ، مدرسة ، تعتمد في تثقيف كوادرها ، على أسس ، من القيم الأخلاقية ، المرتبطة ، بالوعي العقائدي ، والمتأصلة ، باستلهام ، القيم الحضارية ، الإيجابية ، للشخصية العربية ، التي تبنى ، على المصداقية ، والشهامة ، والمرؤوة ، والكرم ، والعطاء ، والغيرية ، والشجاعة ، والنبل ، والإيثار ، والتسامح ، والترفع عن الصغائر ، والعفو عند المقدرة ، “الطليعي العربي” ، لا يحقد ، ولا يعتدي ، ولا يخادع ، ولا يراوغ ، يسمو بإنسانيته ، على ، سائر أشكال التوحش ، من أول الغدر ، إلى آخر الخسة ، لا يظلم ، ولا يحابي الظالمين ، ولا يقبل الظلم ، لا لنفسه ، ولا للآخر ، بهذه المعاني ، فإن الطليعي العربي ، لا يعادي بالمطلق ، ولا يوالي بالمطلق ، ولا ينتقم ، ولا يتخذ مواقف جماعية ، من جماعة معينة ، فكل ، فرد ، مسؤول  وحده ، عن خياراته ، الإنسان ، بالنسبة إليه ، قيمة إيجابية ، فالأصل ، أن يكون الإنسان ، سوياً ، إيجابياً ، أما ، إذا تعرض الإنسان إلى رضوض ، نفسية  ، أو معنوية ، أو مادية ، أو أخلاقية ، أو سلوكية ، بفعل الظروف الموضوعية ، المحيطة ، فهو ، ليس محلاً ، للعداء ، أو الإدانة ، أو الاستهزاء ، وإنما ، هو ، مشكلة ، على الطليعي العربي ، أن يجد لها ، حلا … ، ذلك ، أن ، كل مواطن عربي ، أياً ، كان موقعه ، أياً ، كان موقفه ، هو ، مشروع طليعي عربي، أو مشروع مواطن إيجابي ، على الأقل …

ما يهم ، في هذا الموضوع ، هو ، أن “الطليعة العربية” تسعى ، في مختلف الظروف ، لتهيئة البيئة الاجتماعية ، المناسبة ، مادياً ، ومعنويا ،وتوفير أسس العلم ، والثقافة ، ومقومات الوعي الاجتماعي ، والقومي ، وعلى مختلف الأصعدة ،لاحتضان ، أجيال ، من العرب ، أصحاء ، نفسياً ، وعقلياً…، وفي هذه الحالة ، فإن الخيارات ، مهما اختلفت ، ستصب ، في ساحة “الجدل الاجتماعي” ، الذي يؤدي ، من حيث النتيجة ، إلى التطور والتقدم……

( يتبع … البيان … “15” … )

•        حبيب عيسى

•        E-mail:habib.issa@yahoo.com   

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

41

يكتبها : حبيب عيسى

البيان … “15” …

” الطليعة العربية ….. “

… مبدأ المواطنة ….!

 

( تتمة …البيان … “15” … )

 

( 42 )

عاشراً : “الطليعة العربية” ، تعتمد ، بمصداقية لا يشوبها شائبة ، مبدأ المواطنة ، كأساس ، ومنطلق ، وغاية ، لا يقبل أي شكل من أشكال الاستثناء ، وذلك ، لتأسيس ، وبناء “الطليعة العربية” ، فالمواطنة ، بكل ، ما يترتب لها ، وعليها ، من أسس ، وضوابط ، ومساواة ، وحقوق أساسية ، وواجبات ملزمة ، وحريات عامة ، بما ، يشمل مختلف نواحي النشاطات الاجتماعية ، والسياسية ، والعقائدية ، والاقتصادية … هي المعيار الوحيد في بناء الطليعة العربية …..

المواطنة ، إذن ، هي الأساس ، في البناء السياسي ، وهي ، الأساس في بناء مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، وبالتالي ، فإن الإنسان ، المواطن ، لا يتميز عن مواطن آخر ، إلا بالوعي ، والمعرفة ، والرأي ، والكفاءة ، والموقف ، بمعنى ، أن الإنسان ، المواطن ، يتم ، تقييمه ، وتحديد الموقف ، منه ، وله ، وفق ما يختار من مواقف ، وسلوك ، ورأي ، وممارسة ، بإرادته الحرة ، وحريته في الاختيار الرشيد ، دون إكراه ، أو ضغط ، ودون ، أن يعطي هذا التميز ، أي ، امتياز ، لمواطن على آخر ، من حيث ، الحقوق الأساسية ، والواجبات الملزمة، فالمواطنون ، سواسية أمام القانون ، وفي الحقوق ، والواجبات …. ، أما ، الانتماءات ، البيولوجية ، للإنسان المواطن ، والانتماءات الأثنية ، والدينية ، والطائفية ، والمذهبية ، والمناطقية ، والإقليمية ، وغيرها ، من الانتماءات الفطرية ، التي ، لا يد ، للإنسان ، في اختيارها ، مثل ، اللون ، والجنس ، والدين ، والمذهب …. لإنها تولد معه ، فإن ، تلك الانتماءات ، على تنوعها ، هي ، من مكونات المجتمع الأساسية ، وأن ، ذلك التنوع ، هو مصدر غنى ، وتطور ، إذا نظر إليها  ، وتم التعامل معها ، في سياق ، المواطنة ، والمساواة ، والعدالة ، والنظام العام ، الذي يتساوى في ظله الجميع ، دون النظر ، إلى الانتماءات ، الأثنية ، أو الدينية ، أو الإقليمية ، أو الطائفية ، أو المذهبية ، وإلى آخره ….. ، يترتب على هذا :

1 –     أن “الطليعة العربية” ، تتعامل مع الإنسان ، كإنسان ، كما هو ، وكما يحدد ، هو ، وكما يقرر ، هو ، خياراته ، بإرادته الحرة ، التي ، لا تشوبها ، شائبة ، دون إكراه ، أو ضغوط  ، من أي نوع ….، ودون النظر ، إلى لون ، أو جنس ، ومهما كانت الانتماءات ، الأثنية ، أو الدينية ، أو الطائفية ، أو المذهبية ، أو المناطقية ، فالمساواة ، شرط المواطنة ، الحقة ، وبدون تحقق شرط المساواة ، لا مواطن ، ولا وطن ، وبالتالي ، لا درجات في المواطنة .. . ، يترتب على ذلك ، أنه ،لا درجات في العضوية ، والانتماء ، إلى “الطليعة العربية” ، فمؤسسات “الطليعة العربية”  ، مشرعة أبوابها ، للمواطنين جميعاً ، على قدر من المساواة التامة ،وبمجرد الانتماء إلى إحدى مؤسسات “الطليعة العربية” ، يغدو ، الأعضاء ، متساويين تماماً ، أمام الأنظمة ، واللوائح .. لهم ، ذات الحقوق ، وعليهم ، ذات ، الواجبات .. يتميزون عن بعضهم ، البعض ، بالوعي ، والموقف ، والعطاء ، ويتساوون ، بالحقوق الأساسية ، وبالواجبات الملزمة …….

2 –     إن ، “الطليعة العربية” ، تتجاوز ، بوعي كوادرها ، جميع أشكال ، العلاقات الجاهلة ، والجاهلية ، وتتعامل مع الإنسان ، كفرد ، إيجابياته ، تحسب له ، وسلبياته ، تحسب عليه ، وبالتالي ، فإن “الطليعة العربية” ، لا تنزلق ، تحت أي ظرف ، من الظروف ، إلى الأحكام الجماعية ، على جماعة ، بعينها ، أنها ، جماعة مجرمة ، تستحق الاستئصال ، أو ، أنها ، جماعة نقية ، تستحق التقديس ، والتمرغ على عتباتها …. فالمعيار ليس بما ولد عليه الإنسان ، أو ورثه ، وإنما بفهمه الواعي لذلك الانتماء ، وبتعامله الإيجابي مع الآخر ، واحترامه لخيارات الآخر أياً كانت ..

( 43 )

          إن ، “الطليعة العربية” تلتزم ، قولاً ، وفعلاً ، وممارسة ، وأداء ، بالمبدأ الأساسي ، للعلاقات الإنسانية ، الذي ينبذ العنصرية في مختلف المجالات ، وأن الإنسان ، وحده ، مسئول ، عن تصرفاته ، الإيجابية ، أو السلبية ، التي يتخذها بإرادته الحرة ، الخير ، والإيجاب ، يحسب له ، حصراً ، والشر ، والسلب ، يحسب عليه ، حصراً ، ولا يتجاوزه ، إلى أصوله ، أو فروعه ، أو طائفته ، أو دينه ، أو مذهبه ، أو إقليمه .. ، إن ، اعتماد هذا المبدأ ، وتحويله إلى ممارسة ، وسلوك  ، وموقف ، ينقذ المجتمع من سائر محاولات التخريب ، والتدمير ، والتفتيت ، والتخلف .. ، ولهذا ، قلنا ، ونكرر ، أنه ، لا توجد ، طائفية إيجابية ، وطائفية سلبية ، ولا توجد مذهبية إيجابية ، ومذهبية سلبية ، ولا يوجد ، تعصب ديني إيجابي ، وتعصب ديني سلبي ، ولا توجد ، إقليمية ، أو عائلية ، أو قبلية ، إيجابية ، وأخرى سلبية … فالذين يستخدمون علاقات ما قبل المواطنة ، لضرب البنية الاجتماعية ، واختلاق الفتن ، والصراعات ، يتساوون جميعاً ، في السلب ، مهما ، كانت العناوين ، والأهداف ،  والمبررات ..

( 44 )

          إن ، “الطليعة العربية” ، إذ ، تحدد هذا الموقف المبدأي ، فإنها ، في الوقت ذاته ، تحترم جميع الانتماءات إلى  ، الأثنيات ، أو الأديان ، أو الطوائف ، أو المذاهب ، أو الأقاليم ، أو القبائل ، أو العشائر ، أو العائلات .. ، وتعتبر ، هذه الانتماءات ، في أساس البنيان الاجتماعي للأمة العربية ، وفي إطار الانتماء الوطني ، الذي تحقق بالتفاعل ، وبالاختصاص ، بأرض الوطن ، وصولاً إلى المواطنة ، الحقة ، وهذا مشروط ، بأن ، لا تستخدم أي جهة ، في الداخل ، أو في الخارج ، في قاع المجتمع ، أو في قمة السلطات ، تلك الانتماءات ، كورقة مساومة ، لإعاقة ، تقدم المجتمع ، وتطوره ، عن طريق إشغاله ، باستخدام ، فئة ، ضد أخرى ، تسلطاً على حقوق الغير ، أو انتقاصاً من تلك الحقوق ، وبالتالي ، دفع المجتمع إلى صراعات ، وفتن ، لا يتنصر فيها أحد ، في الداخل ، وإنما يخسر المجتمع ، برمته ، وبمختلف الانتماءات ، فيه ، فتتابع المجتمعات الأخرى في العالم ، تطورها ، ويتوقف التطور في الوطن العربي ، أو ، يتم النكوص إلى الوراء ..  ، وبهذا ، يتقدم الآخر ، ويتخلف المجتمع العربي ، كما هو ، الواقع الموضوعي ، الآن …

 ولكي ، تبقى الانتماءات ، على تعددها ، واختلاف مصادرها ، في إطار الانتماء الوطني ، وعلى سكة التطور الاجتماعي ، فتساهم في بنائه ، وتطويره ، وتحصينه ، وتتحصن ، هي ، في الوقت ذاته ، كخلايا سليمة ، فلا تتسرطن ، ولا تسرطن المجتمع …. ، لتحقيق ذلك ، لابد من اعتماد ، عقد ملزم ، لجميع مكونات المجتمع ، يتضمن أسس ، ومبادئ واضحة ، ينص ، على ، أنه ، من حق أي فرد ، أو جماعة ، أن يؤمن بما يشاء ، وأن تؤمن بما تشاء ، وأن ، من حق أي مواطن أن ينتمي إلى من يشاء ، بشرط ، أن يقر ، وبتزامن واحد ، قبل ذلك ، ومعه ، وبعده ، أن من حق الآخر – فرداً أو جماعة – أن يؤمن ، أيضاً ، بما يشاء ، وأن ينتمي ، إلى من يشاء ، فليس ، من حق أحد ، أن يعطي نفسه ، حقاً ، يحرمه على الآخرين ، في المجتمع ، مهما كانت الظروف ، فإذا كان من حقك ، كذا .. فهذا ، من حق الآخر ،  أيضاً .. لا زيادة ، ولا نقصان ، بهذا ، يتحقق عنصر التوازن ، والمساواة ، موضوعياً ، في المجتمع .. غني عن القول ، أن العقد بين مكونات المجتمع ، يجب أن يتضمن عنصرين أساسيين ، الأول : هو رعاية ، وصيانة وحدة النسيج الاجتماعي ، في الوطن ، والثاني : أن الحق ، بالدعوة إلى ما يؤمن ، به ، كل فرد ، أو جماعة ، وإعلان الحجج ، والإيجابيات .. ، لا يمتد ، على الإطلاق ، إلى التهجم ، والقدح ، والذم لما يؤمن ، به ، الآخر .. ، فهذا ، جرم ، يعاقب عليه القانون ، بموجب جميع ، القوانين الوضعية ، على وجه الأرض ..

( 45 )

  نقول ، هذا ، لسببين :

السبب الأول : أن مشاريع النهضة ، والتنوير ، التي انطلقت في الوطن العربي ، ومرت ، بتجارب مرة ، على مدى القرن العشرين ، المنصرم ، قد طرحت أفكاراً هامة ، على صعيد ، المواطنة ، والقومية ، والوحدة العربية ، و الديمقراطية ، والحرية ، والعدالة الاجتماعية ، والاشتراكية ، وحرية العقائد ، والمعتقدات ، وتجاوز علاقات ، ما قبل المواطنة ، مثل ، الطائفية ، والمذهبية ، والأثنية ، ورفعت شعارات ، أممية ، وقومية ، عابرة للقارات ، لا حدود لها .. لكن ، تبين في لحظات الامتحان الحاسمة ، والمصيرية ، أن هذه الأفكار ، كلها ، كانت ، مجرد قشرة رقيقة ، تخفي علاقات متخلفة ، قبلية ،عنصرية ، طائفية ، مذهبية ، تبيّن ، أنها ، هي ، التي تتحكم في المؤسسات الحزبية ، على الأرض العربية ، وفي المؤسسات السلطوية ، حيثما كان ذلك ممكناً ، وعلى حد سواء . وبالتالي ، أدت إلى إنشقاقات مدوية ، تم الفرز فيها ، على أسس ، لا علاقة لها ، على الإطلاق ، بالمبادئ المرفوعة ، والمعلنة .. ، و”الطليعة العربية” ، التي ، آلت على نفسها ، أن تكون ، من ، فصائل استئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، قد حسمت أمرها ، بأنها ، لن تسمح ، لتلك ، الآفة الفتاكة ، أن تتسلل ، تحت أي ذريعة ، كانت ، إلى بنيتها الداخلية ، كما ، أن “الطليعة العربية” ستتعاون مع فصائل النهوض ، والتنوير الأخرى ، في أي جزء من وطن العرب ، وفي الوطن العربي كله ، على إفراز المضادات الحيوية اللازمة ، للقضاء على تلك الآفة .. التي ، يتوقف على القضاء عليها ، موضوعياً ، وذاتياً ، نجاح عملية الإقلاع ، باتجاه مستقبل مختلف ، إيجابياً .. لهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، ستتعامل ، مع الآخر ، على قدم المساواة ، وستحدد موقفها ، منه ، وفق المبادئ المعلنة .. ترسيخاً ، للمصداقية ، في التعامل السياسي ، على صعيد الأجزاء ، والكل العربي ، في الوقت ذاته.

السبب الثاني : إن ، أي حديث ، عن ، عمل سياسي ، أو ، ممارسة سياسية ، مهما كان توجهها ، في ظل ، مواطنة منتهكة ، ومغيبة فعلياً ، بانتماءات أخرى ، من الباطن ، أياً كان شأنها ،  هو حديث فارغ ، لا أثر ، له ، فهو ، تحرك طائفي ، أو مذهبي ، أو ديني ، أو عنصري .. .، حسب الحال ، لكن ، بالوكالة ، وبغطاء سياسي ، ضجيجه صارخ ، ومضمونه ، صفر .. ، لهذا ، فإن “الطليعة العربية” ، على أعتاب مرحلة استئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، تؤكد على قضية الانتماء ، والهوية ، ووضع أسس للحوار الوطني العام ، في جو من التصادق ، والشفافية ، يتخلى فيه الجميع ، عن ، كل ، أشكال ، التكاذب ، والنفاق ، من جهة ، وعن ، كل أشكال التكفير ، والأحكام المطلقة ، من جهة أخرى ، ويسعون ، معاً ، إلى عقد شفهي ، أو مكتوب ، يؤكد على ، أن ، المواطنة ، تتضمن سائر الانتماءات الطبيعية ، والعقائدية ، للبشر ، ولكل منها ، نواميسه ، وأساليبه ، ووسائله ، وغاياته ، في إطار ، مواطنة حرة ، لا يعتدي طرف ، على آخر ، ويضمن ، كل طرف ،  في الوقت ذاته ، حمايته من ، أي ، عدوان … على ، هذه القاعدة ، وعلى هذه القاعدة فقط ، يتم بناء ، مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، وتحريرها ، وصيانتها ، كي ، لا تقع في المحظور الطائفي ، أو المذهبي ، أو العنصري .. ، فتتحول ، من مؤسسات ، للمجتمع ، والدولة ، إلى مؤسسات ، لتدمير المجتمع ، والدولة ، واختطافها ، وتسخيرها ، لمصالح ، فرد ، أو عائلة ، أو جماعة ، بعينها ..

( 46 )

حادي عشر : “الطليعة العربية” ، حزب سياسي ، هذا صحيح ، لكن ، تأسيسه يتم في واقع مضطرب ، بالغ التعقيد ،  حيث ، المجتمع العربي ، في الأجزاء ، وفي الكل ، معاً ، يتعرض ، لتهديد جدّي ، يشمل البنية ، والهوية ، والتاريخ ، والحاضر ، ويصادر المستقبل ، من جهة ، وحيث ، قوى النهوض ، والتنوير ، قد انحسرت ، أو هزمت ، لصالح الأوضاع المحزنة ، التي تمر بها الأمة ، على صعيد المجتمع ، وعلى ، صعيد السلطات الحاكمة ، من جهة أخرى …، لهذا ، فإن المسألة ، لا تتعلق ، بمجرد ، نضال سياسي ، أو برامج سياسية ، أو اجتماعية ، وإنما ، تتعلق ، بنهج نهضوي ، تنويري شامل لمختلف نواحي الحياة .. ، وهذا ، يفرض على “الطليعة العربية” ، أن ، تنخرط في العمل العام ، وفي مختلف جوانب النشاطات ،السياسية ، والاجتماعية ، والنقابية ، والثقافية ، والاقتصادية ، بحيث ، تهتم ، بكل ، ما يهم الناس ، تشاركهم ، معالجة مشاكلهم ، وتتبادل معهم البحث ، بالأسباب ، والحلول ، والإمكانيات ، وتنهض ، معهم ، وبهم ، باتجاه الأحلام ، إن ، هذا ، في منتهى الأهمية ، ذلك ، أن “الطليعة العربية” تدرك ، مدى ، الاضطراب ، والغموض المتعمد ، والمعارك التي تنشب ، بين أطراف ، يلفهم الغموض ، ولأهداف غامضة .. ولعل ، كسب معركة النهوض ، والتنوير ، يعتمد ، أولاً ، وقبل ، كل شيء آخر ، على نشر الوعي العام ، لتحصين المجتمع ، من الانزلاق ، إلى معارك ، ليست معاركه ، لا يعرف من يشعلها ، ولا يعرف من يطفئها ، وقد ، تكون الغاية ، هي مجرد إلهاء المجتمع ، عن قضاياه الأساسية ، والمصيرية ، وإشغاله ، بفتن ، ومعارك تستهلك طاقاته ، وتحجب عنه الرؤيا ، فيفتقد الإرادة ، للنهوض ، والتنوير ، ويستكين ، إلى حالة سكونية ، استنقاعية ، قاتلة ، بحيث ، تجد نسبة كبيرة ، من الرأي العام على قناعة ، بالعجز ، وتوجيه السؤال التعجيزي ، ما الفائدة ؟ ماذا يمكن أن نفعل..؟ ، بل ، أن ، المواجهة ، والتصدي لقوى ، السيطرة ، والاستبداد ، قد ، تصبح ، برأي الكثيرين ، نوع من الجنون ، والمغامرة ، الذي لا طائل ، من ورائه .. وهذا ، يؤدي فيما يؤدي إليه ، إلى ، أن يتكور كل فرد على نفسه ، عله ، يحقق مكاسب شخصية ، عله ، يحمي نفسه ، وعلى الأكثر يحمي أفراد أسرته .. ، ويغيب الوعي العام ، بينما ، المجتمع ، يتجه إلى الكارثة ، وهم ، لا يدركون ، أنه ، لا مخرج فردي ، ولا نجاة فردية .. وأنهم ، بدون ، نهوض اجتماعي ، عام ، وشامل ، إنما ، يعدوّن أنفسهم ، ويعدوّن أولادهم ، للكارثة ، التي ، قد تأتي سريعاً ، أو تتأخر قليلاً ، لكنها ، لا شك ، آتية ..

( 47 )

          هذا ، يعني ، أن ليس هناك نشاط ، أو مجال ، أو مسار ، أو تجمع بشري ، في الوطن العربي ، خارج اهتمام “الطليعة العربية” ، التي ، عليها ، أن تهتم بهموم الناس ، وأحلامهم السياسية ، والاجتماعية ، والحياتية ، والثقافية ، أن  تهتم ، بالعدالة ، بالقوانين ، بالنقابات ، بالجمعيات ، بالمنتديات ، بالأديان ، بالطوائف ، بالمذاهب ، بالأثنيات ، بالقبائل ، بالعشائر ، بالعائلات ، بالعادات ، بالتقاليد ، بالفنون ، بالغناء ، بالموسيقى ، بالفنون التشكيلية ، بالنحت ، بالتاريخ ، بالحضارات ، بالجغرافيا ، بفرضيات بدء الكون ، وفرضيات نهايته ، بالتعليم ، بالنشاط الكشفي ، بالنشاط الرياضي ، بمناهج التعليم ، بالتعليم ، بالقضاء ، بالعمل ، بالعمال ، بالملكية العامة ، بالملكية الخاصة ،بالدخل ، بفرص العمل ، بتكافؤ الفرص ، بالمساواة ، بالبيئة ، بالزراعة ، بالمياه ، بالصحراء ، بالبادية ، بالجبال ، بالوديان ، بالغابات ، بالثروة الحيوانية ، بالثروات الباطنية ، بالعلوم عامة ، بالطب ، بالهندسة ، بالرياضيات ، بعلوم الفضاء ، بالفلسفة ، بسيكولوجيا البشر ، وسيسيولوجيا المجتمعات .. وإلى آخره …

باختصار شديد ، في ، كل مكان ، من أرض الوطن ، تتواجد “الطليعة العربية” لا تغيب ، ولا تسمح ، بتغييبها ، في ، أي ، نشاط تتواجد “الطليعة العربية” ، وفي اقتراح الحلول، لأي ، مشكلة تكون “الطليعة العربية” ، ولكل قضية ، لها  ، فيها ، رأي ، ولها ، منها ، موقف ، ليس هناك ، أمر ، خارج اختصاصها ، فلا تحّتج ، بالظروف ، تقتحم الصعاب ، وتضع الخطط التفصيلية ، في كل مجال ، على حدة ، وتشّكل ، المؤسسات التخصصية ، في كل مجال .. بهذا ، وبهذا فقط  ، تكون “الطليعة العربية” مشروعاً ، نهضوياً ، بالناس ، وللناس ..

( 48 )

استكمالاً ، لما تقدم عن “الطليعة العربية” ، لابد أن نتوقف في محطة الانطلاق ، نحدد مواقع أقدامنا ، ونمد أبصارنا إلى الأفق البعيد ، ثم ، نخط على أرض الواقع ، وعلى الورق ، الأسس ، والمبادئ التأسيسية ، التي يعتمد عليها  “الطليعيون العرب الجدد” ، ليحددوا ، بالدقة اللازمة ، الطريق القويم ، إلى النهوض ، والتنوير ، فلا تتوه “الطليعة العربية” ، ولا تضل الطريق ، ولا تقف عاجزة ، أمام المصاعب ، وتحصّن ، في الوقت ذاته ، كوادرها ، ومؤسساتها ، لتفادي الألغام ، والمطبات ، والمنزلقات ، تعرف ، بالضبط ، إلى أين تمضي ، وتعرف الطريق ، وتعرف ، كيف تمتلك الأدوات ، والموارد .. ونقصد ، بتلك المحطة ، “محطة المنهج” ، فما ، هو ، “منهج الطليعة العربية” ، لتحقيق ، تلك الأهداف ، الكبيرة ، الشاملة ، التي تتصدى ، لتحقيقها ..؟

          قد ، يكون الجواب معقداً ، وصعباً ، لكن ، لا مهرب من التصدي ، لهذه القضية ، ذلك ، أن مسألة المنهج ، بعد التجارب المرة ، ليست مسألة شكلانية ، فلا ، يكفي أن يقال ، أن للطليعة العربية منهجاً ، يطلق عليه ، كوادرها ، الأوصاف ، التجميلية ، والتقديسية ، التي يريدون ، ثم ، لا يتحملون الأعباء ، التي يرتبها عليهم ، فلا يجد طريقة للتطبيق ..  ، على العكس ، من ذلك تماماً ، فالطليعة العربية ، والطليعيون العرب الجدد ، سينطلقون ، من خط بداية ، واضح ، وصريح ، باتجاه أهداف ، وغايات ، واضحة ، وصريحة ، وسيشيدون بناء مؤسساتهم ، وفق أسس ، ومقاييس دقيقة ، فالمنهج ، بموجب ، ذلك ، هو نهج ، وطريق ، هو ، أساس ، وبناء مدروس ، مقاوم ، للزلازل ، والعواصف ، وفق مقاييس ، ومواصفات ، تستند ، إلى دفتر شروط ، شامل ، يؤشر ، دون مواربة ، على ، كل خلل ، أو خروج ، عن الخط القويم ، أو انحراف ، مهما كان مبهماً ، وبسيطاً …

          وبما ، أننا ، في مرحلة التحضير ، لمرحلة تأسيسية ، فإننا ، نجد أنفسنا ، في خضم إشكالية ، لا نملك الهروب من مواجهتها ، وتتمثل ، في ، أننا ، أكدنا على مبدأ الديمقراطية ، في تأسيس “الطليعة العربية” ، من الألف ، إلى الياء ، وهذا ، يرتب علينا ، الالتزام ، في أن مسألة المنهج ، وهي مسألة هامة ، ومركزية ، يجب ، أن تترك ، لمؤسسات “الطليعة العربية” ، لاعتماده ديمقراطياً ، بعد تمريره ، عبر ، دراسات تفصيلية ، من التحضير ، إلى التأسيس ، إلى المؤسسات ، النهائية التشكيل ، هذا ، من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن “الطليعة العربية” ، تولد ، وتنشأ ، في واقع مضطرب ، ومعقد ، وبالتالي ، فإن مراحل ، التحضير ، والتأسيس ، وصولاً إلى المؤسسات النهائية ، قد تطول ، وأن السير على هذا الطريق ، بدون منهج واضح يكون مقياساً ، وبوصلة ، سيعرّض “الطليعة العربية” ، إلى مزالق ، ومخاطر ، لا يمكن المجازفة بها ، وهذه ، مسألة هامة ، ومركزية ،أيضاً ، تفرض ، أن تنطلق “الطليعة العربية” ، من منهج محدد ، واستناداً ، على مقياس ، يمكن الرجوع ، إليه ، عند الحاجة ، وقبل ، أي خطوة ، وبعدها …!

لقد أثبتت التجارب المرة ، أن الانغماس في الواقع ، بدون منهج محدد ، وواضح ، هو ، وقوع ، في مستنقعات الواقع ، وأثبتت التجارب ، أيضاً ، أن المماحكات النظرية ، حول المنهج ، التي ، لا تترافق مع النضال الدؤوب ، في الواقع ، هي ، مجرد لغو فارغ ، يستهلك أصحابه ، قبل ، أي ، أحد آخر……

( 49 )

          حلاً ، لهذه الإشكالية ، فإننا ، سنقترح ، “مشروع منهج للطليعة العربية” ، مطروح ، للحوار العام ، بين صفوف المؤسسين ، وهم ، منهمكون في التحضير لتأسيس “الطليعة العربية” ، ولهم ، أن يعتمدوا مقاييسه ، لفترة زمنية محددة ،  ثم يطرح هذا المشروع ، على المؤسسات التحضيرية ، فإذا تم اعتماده ، أو تعديله ، أو تلقت المؤسسات التحضيرية ، مشاريع ، منهجية ، أخرى .. فإن ، ذلك ، كله ، يرفع للمؤسسات التأسيسية ، ويبقى ، ذلك كله ، تحت النقاش ، على جميع مستويات ، مراتب ، “الطليعة العربية” ، إلى ، أن ، تنعقد المؤسسات النهائية ، للطليعة العربية ، وهي ، عندئذ  ، صاحبة القرار النهائي ، في ، اعتماد “الوثائق النهائية” ، الملزمة ، للطليعة العربية ، وفي مقدمتها ، منهج ، “الطليعة العربية” ..

( يتبع … البيان … “16” …)

حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

42

يكتبها : حبيب عيسى

البيان …. “16” …

 

“الطليعة العربيـــــــــة”

… في المنـــهج …

( تتمة …”16″ …البيان … )

( 50 )

لعل ، الحديث عن “الطليعة العربية” ، دخل ، “نواة الخلية الأولى” ، التي ، يتوقف على توازنها ، ونبضها بالحياة ، مصير “الطليعة العربية” وجوداً ،وعدماً …

فالمنهج ، هو ، الذي يبث الروح ، ويضع ضوابط الهوية ، والانتماء ، للتنظيم السياسي ، ويحدد المسارات ، والأهداف ، وهو البوصلة ، التي تحدد الاتجاه ….

لهذا ، ولأسباب عديدة أخرى ، فإنني ، على يقين ، أنه ، ليس من حقي ، ولا من حق أحد ، غيري ، أياً كان ، أن يفرض ، على “الطليعة العربية” ، منهجاً عقائدياً ، أو ، أن يضعه ، لها … ، لكن ، من حقي ، ومن حق ، أي ، أحد غيري ، أن يقترح على “الطليعة العربية” منهجاً للأخذ ، به ، خاصة ، وأننا ، أوضحنا ، في الفقرة السابقة ، أن “الطليعة العربية” تولد ، وتنمو في ظروف مضطربة ، بالغة التعقيد ، تقتضي ، أن تمتد فترة تأسيسها ، لمدد زمنية ، غير منظورة ، وأن تجري عملية التأسيس ، في وطن عربي ، مجزأ ، محطم ، مستلب ، من الداخل ، منتهك ، من الخارج .. ، وهذا يضع “الطليعيون العرب الجدد” أمام مهمة ، للتأسيس ، لا تحتمل التأجيل ، والانتظار ، من جهة ، كما ، أن السير ، فيها ، دون منهج محدد ، وواضح ، سيجعل العملية ، برمتها ، محفوفة بالمخاطر ، ومعرّضة ، لما تعرضت له المشاريع النهضوية ، العريقة السابقة ، خلال القرن المنصرم ، وحتى لا نضيف إلى الأشكال الفاشلة رقماً جديداً ، لهذا قلنا ، أننا ، سنقترح منهجاً ، للحوار حوله ، والأبواب مفتوحة ، للاقتراحات الأخرى ، من أي مصدر ، كان ، في “الطليعة العربية” ، وأن القضية مطروحة ، وستبقى مطروحة ، للنقاش ، والحوار ، إلى ، أن تبّت ، فيها ،  المؤسسات الديمقراطية ، للطليعة العربية ، في نهاية الأمر ، أو ، في بداية استعادة نبض الحياة ، لهذه الأمة .. في دولة الأمة ، ومؤسسات الأمة ..! وقد ، قلنا ، ونعيد ، أن ، هذه ، تتزامن مع ، تلك .. وهذا ، ما ننشده ..!

( 51 )

إنني ، أدرك ، بداية ، خطورة الاقتراح ، والاختيار ، لكن ، الضرورة تفرض أن ، لا نتهرب من المسؤولية ، وكم ، كنت أحلم ، لعقود عديدة ، استهلكت سنوات عمري ، أن ، يعقد “مؤتمر تأسيسي قومي” ، يتولى مسؤولية ، هذا ، الاقتراح ، ويتحمل مسؤولية ، هذا ، الاختيار ، لكن ، السنون مضت ، وبتنا ، ندنو ، من عتبة المغادرة ، دون ، أن ، يتحقق الحلم ، الذي ، التزمنا ، بوعود ، ميثاقية ، وموثقة ، لجيل ، الشيوخ القوميين ، الأساتذة ، الذي سبقنا ، أننا سننجز المهمة ، لكنهم رحلوا ، وفي قلوبهم غصة ، لأننا ، فشلنا ، في الوفاء ، بالوعد .. ونخشى ، نحن ، الآن ، أن ، نمضي ، قبل أن نرى الحلم ، قد ، تحقق .. أو قبل ، أن ، نرى الجيل العربي ، الذي يلي ، وقد تسلمّ الراية ، ليشق الطريق إلى الحرية ، الذي ، تعثرنا في ، منعطفاته ….

          إن البحث ، في قضية المنهج ، لا يمكن حصره ، بجانب واحد ، أو ، بمجال محدد ، ذلك ، أنه يتعلق ، بكل شيء ، بالضبط ، هكذا .. بكل شيء ، والشيء ، هنا ، يتجاوز الأشياء المادية ، إلى ، كل ما يتعلق ، بالوجود ، وما بعد الوجود ، وبنشوء الكون ، ومآله ، وبكل ، ما هب ، منه ، وبكل ، ما دب عليه … ، البحث  ، في المنهج ، يتعلق ، بالفيزياء ، وما ، وراء ، بالكيمياء ، ما عرفت معادلاته ، وما لم تعرف ، بعد ، بالروح ، والواقع ، وبالأحلام ، وما ، في باطن الأرض ، وبما ، في أعماق البحار ، وبما ، في الفضاء ، وما بعده ..  ، بحركة الأشياء ، وتحولها  ، وبوجود الإنسان ، وتطوره ، وبنواميس الأجزاء ، والكليات ، وعلم النفس ، وعلوم الاجتماع ، وبما ، هو ، ذاتي ، وبما ، هو ، موضوعي ، وبما ، هي ، عوامل التحول ، في المادة ، وما ، هي ، عوامل التطور ، في الإنسان ، والمجتمعات ..

          هكذا ، نرى ، أن الإحاطة ، بموضوع “المنهج” ، يقتضي الإحاطة ، بمعارف البشرية ، وما اندثر منها ، وما تركته ، من آثار ، وأوابد ، وما خطته من معارف ، ورسوم ، في المخطوطات ، والكتب ، وحتى عصرنا ، الراهن ، ويقتضي ، أيضاً ، أن نبحث في ، الفرضيات ، حول ، المجاهيل ، في الكوكب ، وفي الكون ، وأن ، ذلك كله ، يرتبط ، ارتباطاً وثيقاً ، بالبعد الرابع ، وهو ، الزمان ، ذلك ، أن ، المناهج المتعاقبة ، التي أنتجتها البشرية ، عبر ، الزمان ، والعصور ، كانت ، تتناسب مع العلوم ، والمعارف البشرية ، في كل عصر ، من العصور ، مضافاً ، إليها ، أحلام المفكرين ، والفلاسفة ، وأحياناً ، أوهامهم ، ورؤاهم ، لما ، لا يرى ، لتفسير ، ما تعجز العلوم التطبيقية ، والمكتشفات العلمية ، في عصورهم ، عن تفسيره .. ذلك ، أن ، الفلسفة ، ليست بديلاً عن العلم ، وإنما ، تكمل النقص ، الذي تشعر ، فيه ، الذات البشرية ، التي تسعى دائماً ، إلى الكمال الذي لن يتحقق ، وبالتالي ، فإن نسبة الحلم ، في المناهج الفلسفية ، تضيق ، وتتسع ، بحسب المساحة ، التي ، يتركها العلم ، له .. لا أكثر ، من ذلك ، ولا أقل .. وهذا ، ينطبق على التاريخ البشري ، برمته ، عبر هذا السباق الإيجابي ، بين ، العلم ، بفروعه كلها ، وبين ، الفلسفة ، والماورائيات ، بمدارسها جميعاً ، بحيث ، لا يلغي أحدهما ، الآخر ، على العكس ، تماماً ، الفلسفة ، ترسم الأحلام ، والتصورات ، والفرضيات ، وبما ، في ذلك ، “الخيال العلمي” ، والعلم ، بدوره ، يسعى ، للتفسير ، والإثبات ، والتحقق ، والنفي ، فتجدد ، الفلسفة ، بث ، الأحلام ، بناء ، على ، مكتشفات العلم ، فيتقدم العلم ، مرة أخرى ، لتفسير الأحلام ، والتحقق منها ، إثباتاً ، أو نفياً .. ، وهكذا .. في سلسلة ، بدأت ، بدائية ، مع وجود الإنسان ، على ، هذا الكوكب ، وتعقدت ، وتطورت ، مع تطور الإنسان ، واتساع معارفه ، وعلومه ، وبالتالي ، كانت ، دائما ، تتناسب مع تطور أحلامه .. وسترافق ، هذه السلسلة ، المتصلة الحلقات ،  الإنسان ، مشكلات ، ومجاهيل ، فحلول لها ، أو لبعضها ، ثم  ، مشكلات ، ومجاهيل ، متراكمة ، أو جديدة ، فحلول ….. ، وهكذا ، إلى ، ما لا نهاية ، إذا ، كان ، هذا ، الكوكب ، لا نهائي الوجود ، أو ، إلى ، نهاية الكوكب ، وما عليه ، إذا وصل ، إليها ، بفعل ، استنفاذ طاقته ، أو ، بفعل ، تخريب بعض سكانه ، الجشعين ، أو بفعل ، عوامل ، خفية ، لم يدرك ، كنهها ، الإنسان …

( 52 )

          إن ، أزمة المنهج ، رافقت ، التيار القومي العربي المعاصر ، منذ إرهاصاته الأولى ، في القرن التاسع عشر ، وحتى الآن ، حيث تأثرت ، تلك الأزمة ، بالظروف الموضوعية ، التي خضعت ، لتغييرات حادة ، فعندما ، كان ، الوطن العربي ، برمته ، خاضعاً ، للسلطنة العثمانية ، تقريباً ، كان ، “منهج الإصلاح الديني” ، هو ، السائد ، وعندما ، تقاسم الاستعمار الأوروبي ، مع ، السلطنة العثمانية ، السيطرة ، على ، الوطن العربي ، تداخلت مناهج الإصلاح الديني ، مع المناهج ، التي ، سادت بعد ، ما سمي عصر النهضة ، والتنوير ، في أوروبا ، وما ، أنتجه ذلك العصر ، مما ، أطلق عليه ” العلمانية ” ، و”فصل الدين عن الدولة” .. ، ثم ، تشعبت ، مناهج الإصلاح الديني ، وتصادمت ، وتشعبت ، مناهج العلمانية ، وتصادمت بحدة ، خاصة ، بعد ، استعار الحرب الباردة ، وانعكس ، ذلك كله ، على الواقع العربي ، بولادة ، جمعيات ، وأحزاب جنينية .. ، ومقاومة ، متعددة الاتجاهات ، تبدأ ، بمقاومة “التتريك” ، في ، المشرق العربي ، ولا تنتهي ، بمقاومة الفرنسّة ، والفرانكفونية ، والكومنويلسية ، وجيوش الاستعمار الغربي ، في ، المغرب العربي ، تلك ، الجيوش ، التي واصلت زحفها ، مع بداية القرن العشرين ، حتى أطبقت ، على الوطن العربي …من المحيط إلى الخليج ، وبالتالي ، فإن ، لكل مقاومة في كل جزء ، هويتها ، بحسب الزمان ، والمكان ، يتناسب عكساً ، وهوية القوى المعتدية .. ، باختصار شديد ، فإن ، قوى التحرر العربي ، كانت منهمكة ، بمعارك متلاحقة ، وصراعات ، لا تتوقف ، مع قوى محلية ، متخلفة ، ومع ، قوى دولية ، غازية ، للتحرر ، من التخلف ، ومن الهيمنة الخارجية ، وللحفاظ ، على الهوية العربية ، من جهة أخرى ، وبالتالي ، فإن ، الانخراط في المواجهات ، المباشرة ، والمتلاحقة ، لم ، يتح ، لحركة التحرر العربي ، فرصة ، وقفات طويلة ، للتأصيل الفكري ، والعقائدي ، والمؤسساتي ، وبالأساس ، التحديد المنهجي … ، حتى ، في الفترة الزمنية ، التي رافقت ، وتلت ، ما عرف في التاريخ العربي ، بنكبة فلسطين 48  ، حيث ، بدا “التيار القومي العربي” ، وكأنه ، طغى ، على ما سواه ، وبات ، قاب قوسين ، أو أدنى ، من تحقيق أهداف التحرير ، والتوحيد ، حيث ، كان ، الشعار المرفوع ، دعونا نحقق تحرير الأرض العربية ، ثم توحيدها ، في ، دولة واحدة ، ثم ، هكذا كانوا يقولون ، فلتبدأ ، مسيرة البناء المؤسساتي ، والعقائدي ، وإلى آخره ..أما ، ما قبل ذلك ، فإن ، أي حديث ، عن المناهج ، والنظريات ، وطرق الحكم ، هو ، مجرد ترف ، ومضيعة للوقت .

( 53 )

          هذا المنطق ، الذي ساد ، في خمسينات القرن المنصرم ، والتي ، شهدت الصعود الشعبي الجارف ، للتيار القومي العربي ، في الوطن العربي ، من المحيط إلى الخليج ، والذي ، عبّر عن نفسه ، بثورات شعبية ، بمقاومة مسلحة ، بولادة أحزاب قومية عربية ، بنهوض ، المؤسسات القومية ، السياسية ، والحزبية ، والفكرية ، والاجتماعية ، والعقائدية ، والثقافية ….. ، هذا الواقع ، بمجمله ، بتداعياته ، أدى ، بهذا المد الجماهيري ، العارم ، للتيار القومي العربي ، إلى ، حالة من النشوة ، تجاوزت الحدود الطبيعية ، وتعّدتها ، إلى ما يشبه الوهم ، والعمى ، عن مكونات الواقع الموضوعي ، عربياً ، ودولياً .. ، وفي حالة ، كهذه ، يتراجع إلى حد التهميش ، دور المفكرّين ، والمنظريّن ، والمثقفين ، وتعقد ، الراية ، لمن يمتلكون القوة ، على الأرض ، لتحقيق الانتصارات ، باختصار شديد ، في مثل تلك الظروف ، يتم ، الالتفات عن ، المأسسة القومية ، وشروطها ، ومعاييرها ، وتشخص الأبصار ، على ، الشخص ، الرمز ، أو ، على ، القائد ، الذي يقود المعارك ، على الأرض .. ، وبالتالي ، يتم ، تهميش المؤسسات القومية ، حزبية ، وغير حزبية ، ويغدو الحديث ، عن النظريات ، والمناهج ، والعقائد ، تزيّد  ، أو أنه ، في أحسن الأحوال ، لزوم ، ما لا يلزم  …

( 54 )

          لقد ، أفاق ، “الرواد الاستراتيجيون” ، في ، التيار القومي العربي ، من أحلامهم ، على ، عزف الموسيقى العسكرية ، معلنة البيان رقم /1/ بانفصال ، الإقليم الشمالي عن ، الجمهورية العربية المتحدة ، في ، بداية عقد الستينات ، من القرن ، المنصرم ، وأدركوا ، بحسرة ، أن ، غياب المعيار المنهجي ، يعرّض مسيرة النهوض ، والتنوير ، القومي العربي ، إلى مخاطر جسيمة ، وسرعان ، ما صدقت ، تلك ، الرؤية الموضوعية ، وتبيّن ، أنها ، ليست مجرد ، نبوءة ، فاستمر التخبط ، داخل التيار القومي العربي ، وتفاقمت الصراعات ، وتهيأت جميع العوامل ، لتدخل الأمة ، نفق ، هزائم الخامس من حزيران  – يونيه 1967 ، والتي ، مازالت ، الأمة ، تتلمس الطريق ، للانعتاق ، من ظلامها الدامس .. ، تلك الهزائم ، التي ، أدت ، فيما ، أدت إليه ، إلى ، انحسار التيار ، النهضوي ، القومي العربي ، والذي ، لم يعد يهابه ، أحد ، وبالتالي ، لم ، يعد هناك حاجة ، للصفقات السرية ، مع المستوطنات الصهيونية ، أو ، مع ، قوى الهيمنة الخارجية ، بل ، باتت ، تلك الصفقات ، تجري في العلن ، ووسط “كرنفالات تاريخية” ، وحتى ، الذين ، ينكرون وجود الأمة العربية ، في الداخل العربي ، لم يعودوا ، بحاجة ، للاختباء وراء إيديولوجيات ، وأفكار معينة ، وإنما ، باتوا ، يعلنون مواقفهم ، جهاراً ، نهاراً ، ويعبرّون ، عن أحلامهم ، حتى ، بتجزئة “الدول الواقعية” ، وبإقامة “كونتونات” ،  بحجم ، ما يدعون ، إليه ، سواء ، كانت ، طوائف ، أو مذاهب  ،أو إثنيات ، أو حتى ، عائلات …!

( 55 )

لم يكن القصد ، مما تقدم ، مجرد السرد التاريخي ، وإنما ، بيان ، أهمية مسألة المنهج الفكري ، وما يترتب عليه ، من ، البناء المؤسساتي ، ومخاطر غيابه ، وأنه ليس ، مجرد ترف فكري ، يمكن تجاوزه ، وأن ، عملية البحث ، في منهج ، نهضوي ، تنويري ، معاصر ، للقومية العربية ، أكثر إلحاحاً ، وأكثر ، من حاجة ، وأبعد أثراً ، من ضرورة ، فمصير ، المشروع القومي العربي ، وجوداً، أو عدماً ، يرتبط ، إيجابا ، أو سلبا ، بالمسألة المنهجية ، وأن ، الإصرار ، على اعتماد ، منهج نظري ، يميّز ، القوميين العرب النهضويين ، التنويريين ، لا يعني ، أنهم ، يبحثون عن الامتياز ، بأنهم ، يبدعون منهجهم الفكري ، المختلف ، بدليل ، أن ، التيار القومي العربي ، وفي أوج عنفوانه ، وانتشاره ، لم يكف ، عن اختبار ، مناهج ، الذين ، وفدوا إليه ، بمناهجهم ، وبنظرياتهم ، المختلفة ، والمتناقضة ، وإذا كان الهدف ، من اعتماد ، منهج محدد ، لجماعة بشرية محددة ، هو ، توحيد الجهود ، والإمكانيات ، لتصب ، جميعها ، في اتجاه الهدف المحدد ، فلا تضل ، تلك الجماعة ، الطريق ، فإن ، حصيلة عمل تلك المناهج ، وحصيلة آثارها ، في التيار القومي العربي ، كان ، كارثياً ، على ، التيار القومي العربي ، فأضافت إلى المشكلات القائمة ، مشكلات جديدة ،  وتفرقت ، بهم ، السبل ، وتعددوا ، بعدد ، تلك المناهج ، تفتيتاً ، وصراعات ، مما ، زاد في الطين بلة ..

o        فمنهم ، من اتجه ، إلى المناهج ، التي ، يطلقون عليها في الغرب ، مناهج علمانية … ففرقت بينهم ، قوميين ، وأمميين ، إقليميين ، وليبراليين ، شموليين ، وديمقراطيين ، رأسماليين ، واشتراكيين ، ثم ، فرقت ، داخل كل فرقة ، من أولئك ، إلى ، فرق ، بعدد المدارس ، والفرق ، المنتشرة في العالم أجمع ، داخل ذات المنهج ..!

o        ومنهم ، من اتجه إلى المناهج الدينية ،ففرّقت ، بينهم ، أولا ، مؤمنين ، وغير مؤمنين ، ثم ، مسلمين ، وغير مسلمين ، ثم ، فرّقت بين المسيحيين ، بعدد طوائفهم .. ، ثم ، فرّقت بين المسلمين ، بعدد مذاهبهم ، ثم فرّقت بين المتنورين ، المعتدلين ، وبين المتشددين الإرهابيين ، داخل كل مذهب ، وطائفة ….. ، وهكذا …..!

o        ومنهم ، من اتجه ، للخروج ، من هذا المأزق ، برفض ، فكرة ، المنهج ، والنظرية ، من الأساس ، تحت راية ، التعامل مع الواقع ، بدون ، كل ، هذه التعقيدات ، لكن ، تلك الواقعية ، لم ، تعصمهم ، من التفرق ، بعدد الواقعيات ، التي ، فرضت نفسها ، على ، الأرض العربية ، من أول التجزئة ، إلى ، آخر عوامل التفتيت الأخرى…

o        ومنهم ، من ، لاذ ، بأحد ، عناصر مكونات الأمة ، الحضارية ، لحصر الانتماء ، والهوية ، بهذا الجزء ، أو ، ذاك ، فتفرقوا ، بعدد ، تلك ، العناصر ، وما أكثرها ..!

وهكذا ، لم ، ينقض العقد السابع ، من ، القرن العشرين ، إلا ، والتيار القومي العربي ، الذي ، كان تياراً جامعاً ، قد بدا ، وكأنه ، يتبدد ، ويضيع ، في ، خضم تلك البرية العربية ، المضطربة ، والمخترقة ، والمستهدفة ، من ، الداخل ، انقساماً ، واقتطاعاً ، واستبدادا ، ومستهدفة ،من الخارج ، سطواً ، واعتداء ، واستنزافاً …

هكذا ، تحول ، التيار القومي العربي ، من ، تيار متوحد ، موحد للأمة ، بكل ، مكوناتها ، وعناصرها ، إلى ، تيارات متضاربة ، تغذي الاضطرابات المشتعلة ، في الأمة ، فتناً ، واقتتالاً ، واستبداداًً ..!

( 56 )

الآن ، ونحن ، نتلمس الطريق ، للخروج ، من المأزق ، واستئناف مسيرة النهوض  ، والتنوير العربي ، لا يمكن ، أن ، نغفل ، عن تلك التجربة المرة التي مررنا ، بها ، ولهذا ، قلنا ، أننا ، لا نعود إلى الصفر ، أو ، لا نبدأ من الصفر ، وإنما ، نضع تلك التجربة ، تحت الدراسة المعمقة ، ونخرج ، من دهاليزها ، وأنفاقها ، وصراعاتها ، ونحصّن ، البناء النهضوي ، الجديد ، ضد عوامل الفشل ، والإحباط ، بدءاً ، بالتأسيس ، ولهذا ، نقول ، أن المنهج الفكري ، ليس ، حجر الأساس ، وحسب ، وإنما ، يرافق مشروع النهضة ، والتنوير ، في مسيرته ، ويدخل ، في مكونات التأسيس ، صعوداً ، إلى حيث ، يجب …

          قلنا ، أنه ، في عقد الستينات ، من القرن المنصرم ، تحديداً ، تنبه المفكرون العرب ، إلى الأخطار ، التي تتعرض لها المسيرة النهضوية العربية ، دون منهج فكري ، محدد ، وواضح ، وأن ، ذلك ، المد الجماهيري العربي ، الأفقي ، مهدد بالانفراط ، والهزيمة ، إذا ، لم ، يرافقه تعمّق ، عمودي عقائدي ، يحصن المسيرة ، برمتها ، وفي تلك الفترة ، بالتحديد ، بدأت ، تظهر محاولات ، نظرية ، ومنهجية ، بالغة الأهمية ، تعتمد ، التراث الحضاري للأمة ، وتلحظ التراث الفكري ، الإنساني ، وتطوره ، عبر الزمان ، وإذا ، كان هذا ، كله ، لم يلق ، الاهتمام  ، الذي يستحق ، في حينه ، وأنه ، ضاع ، تحت ، ركام ، الصراعات السياسية ، وغير السياسية ، العنيفة ، والمستعرة .. فقد ، آن الأوان ، أن ، نكشف عليه ، نتحاور ، فيه ، وحوله ، ونبني عليه ..

  ( يتـــــبع … البيان … “17” … )

 

      حبيب عيسى

 

 

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء
                                       43  
                      يكتبها : حبيب عيسى

                            البيان … “17” …

                         “الطليعة العربية”
                         في المنهج ، أيضاً …

( تتمة … “17” … البيان … )

( 57 )

إننا ، إذ ، نقر ، بصعوبة المهمة ، التي نتصدى ، للبحث فيها ، ندرك ، في الوقت ذاته ، صعوبة الفرز ، والتقييم ، لما قدمه “المفكرون القوميون العرب” ، في تلك المرحلة ، “ستينات القرن الماضي” ، وما تلاها ، من أفكار ، ومشاريع ، ومقترحات ، لحل مشكلة “المنهج” ، في ، التيار القومي العربي ، ذلك ، أن ، هناك ، سمة أساسية ، للمنهج العلمي ، فهو ، إما صحيح ، وإما خاطئ ، وهذا يعني ، أن على “الطليعة العربية” ، أن ، تعتمد منهجاً محدداً ، بمواصفات الثبات ، في ، وحدته القياسية ، التي تحدد اتجاه النظرية ، في المسارات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والثقافية ..
بحيث ، تضبط الحركة ، في ، المسارات المختلفة ، فلا تضل ، الكوادر ، ولا تنحرف ، ولا تتصادم … وهذا يعني ، أن علينا ، أن نعتمد ، منهجاً محدداً ، دون إنكار الجهود الجادة ، التي ، بذلها مفكرون عرب آخرون ، في ، هذا الصدد … ، فقد أوضحنا ، في “الفقرة السابقة” ، كيف ، أن ، مقولة “نأخذ من المناهج ما نريد ونترك ما نشاء” ، قد أوصلتنا إلى الكوارث ، التي نعيش ……

( 58 )

” جدل الإنسان ” ، هو ، المنهج العلمي ، الذي ، نقترحه على مؤسسات “الطليعة العربية” ، التحضيرية ، والمؤقتة ، والتأسيسية ، والنهائية ، لدراسته ، ومن ، ثم ، اعتماده ديمقراطياً ، عبر ، تلك المؤسسات ، إذا ، رأت ذلك ، فهي ، وحدها ، كما قلنا ، سيدة قرارها ، بما يتعلق ، بالمنهج ، وبغير المنهج ، وبكل ، ما يتعلق ، بمسار “الطليعة العربية” ، وجوداً ، وممارسة ، تأسيساً ، ومآلاً …!
يقول ، د. عصمت سيف الدولة ، صاحب “منهج جدل الإنسان” ، ومبدعه ، في تقديم منهجه ، أو منهجنا ، إذا شئتم : (( .. لقد بدأت البحث .. في تاريخ معاصر /1957/ .. استجابة تلقائية ، لحديث الوحدة المرتقبة ، في ذلك الحين ، ومنذ ذلك التاريخ ، أعطيته كل ما أمكنني ، من جهد ، واستطعت فيما اعتقد أن أوفر له ، من ضمانات البحث العلمي ما قدرت عليه ، من نفسي ، فجاء مجرداً ، من التحيز ، والتعصب ، والخوف ، أما المضمون ، فهو كل ما عندي من اجتهاد ، مهما كنت مقتنعاً به ، فإني مقتنع أيضاً ، بأن مناط الصواب ، والخطأ ، هو الحقيقة الموضوعية ، لا ما يدعيه المؤلفون .. لقد تعرضت ، لكل ما أعرفه من آراء ، ونظريات ، ومفاهيم مقارنة ، وحواراً ، كما تناولت .. معالم البناء الاجتماعي ، سياسة ، واجتماعاً ، وفناً ، وأدباً ، وأخلاقاً ، ولما رأيت ، أن تلك الفكرة الواحدة ، قد استطاعت ، أن تكون قاعدة ، لمفاهيم عديدة ، دون تناقض ، بينها ، توهمت أنني أتيت بشيء يستحق أن يخرج للناس ، وربطت بينه ، كقاعدة انطلاق ، وغايته ، كحياة مقبلة …)) ، هذا ، ما قاله شيخنا ، منذ نصف قرن ، أما ، نحن ، فنعترف ، الآن ، بصعوبة انتزاع “منهج جدل الإنسان” ، من السياق ، الذي ، جاء فيه ، عبر أجزاء “نظرية الثورة العربية” ، السبعة ، للدكتور عصمت سيف الدولة ، والتي برزت ، علنا ، اعتباراً من عام 1965 ، حيث جاء ” جدل الإنسان ” ، ضمن سياق حوار معمق ، مع ما سبقه ، وما عاصره ، ثم ، في الرؤية ، للمستقبل .. ، لهذا ، فإننا ، هنا ، نلخصّ ، قدر الإمكان ، قوانينه ، وثوابته ، مع الاعتراف ، أن ، أمر التعمق ، والبحث ، والدراسة ، في “جدل الإنسان” ، يبقى مرهوناً ، بالعودة إلى ، المتن الأصلي ، للنص ، في ، مراجعه المشار إليها …

( 59 )

ينطلق ” جدل الإنسان ” ، من ، القوانين الثلاثة ، المتفق عليها ، بين ، جدلية هيجل ، المثالية ، وجدلية ماركس ، المادية ، ويختلف معهما ، في ، القانون الرابع ، المتعلق ، بالجدل ، الذي افترضه ، هيجل ، في ، الفكر ، ثم ، افترضه ، ماركس ، في ، المادة ، ليكشف ، “منهج جدل الإنسان” ، عن ، أن ، “الجدل” ، يتم ، في الإنسان ، ذلك ، الكائن ، الذي ، يشكل وحدة من المادة ، والذكاء ، يمارسه الإنسان ، وفق ، قانونه النوعي .
نبدأ ، أولاً ، بالقوانين الثلاثة ، الأولى :
أولاً : يقول القانون الأول ، إن الطبيعة شيء واحد ، ترتبط فيه ، الأشياء ، والظواهر ، ارتباطاً عضوياً ، فيما بينها ، ويقوم بعضها ، على بعض ، ويكيّف بعضها ، بعضاً ، بالتبادل ، ويمكن تلخيص هذا القانون ، في ، أن ، كل شيء ، متأثر بغيره ، مؤثر ، في غيره … فقط ، يضاف إلى هذا القانون ، ما أضافته “النسبية” ، من ، حيث مدى ، التأثير ، والتأثر .
ثانياً : القانون الثاني ، يقول : أن ، كل شيء في حركة دائمة .. ، بعد ، أن ثبت ، فعلاً ، أن الذرة ، التي ، كانت تعتبر ، وحدة الأشياء ، عامرة ، بالحركة المستمرة ، التي ، لا تتوقف …
ثالثاً : القانون الثالث ، يقول : أن ، التغيرات الكمية ، تؤدي إلى ، تغييرات كيفية ، وإذا ، كان ، الذين شرحوا ، هذا ، القانون الثالث ، قالوا ، أن ، التغيرات الكمية ، هي ، التي ، ( لا دلالة عليها ) ، وأن ، التغييرات الكيفية ، هي ( الظاهرة ، والجذرية ) ، فإن منهج ( جدل الإنسان ) ينبه ، إلى ، أن ، ما يقال عنه ، ( دلالة ) ، و ( ظهور ) ، و ( جذري ) و ( خصائص أخرى ) ، ليس أكثر ، من ( إدراك ) ، لمدى التغيير ، والمادة ( كما هي ) تشير إلى قوانين ، حتى ، لو لم ندرك ، نحن ، هذه القوانين ، أي ، أن قصور حواسنا ، أو حتى ، أدواتنا العلمية ، حالياً ، عن إدراك ( دلالة ) التغييرات ، لا يعني ، أنها تغييرات كمية ، وليست كيفية .. وذلك ، للتأكيد ، على ، أن تقسيم التغييرات ، إلى ، مرحلة ( كمية ) ، ثم ، مرحلة ( كيفية ) ، هو ، تقسيم فكري ، لمراحل التطور .. باختصار ، فإنه ، عندما ، تصل التغييرات الكمية ، إلى مرحلة ، أو ، إلى نقطة معينة ، تتغير ، فيها ، خصائص المادة ، نوعياً ، وبهذا تتحول الأشياء ، من ، شيء ، إلى ، شيء مختلف .. ، ولمعرفة ، حركة المادة ، لابد من ، إضافة ، تمنع الخلط ، بين الأنواع ، وهي ، أن ، كل نوع ، من الأشياء ، كالنبات ، أو الحيوان ، أو الجماد ، وكل ، نبات ، وحيوان ، وجماد ، على حدة ، وكل تركيب ، في ، أي نبات ، أو حيوان ، أو جماد ، له ، قوانينه الخاصة ، التي تحدد ، مدى تأثيره ، في غيره ، وتأثره ، بغيره ، من المواد ، والتي ، تقسم علمياً ، بالنسبة إلى ، كل ، نوع ، فيقال ، قوانين ، علم النبات ، أو الحيوان ، أو الجيولوجيا ، مثلاً …

( 60 )

يمكن ، لنا ، بعد تلك اللمحة الموجزة ، صياغة القوانين الثلاثة ، السالفة ، فنقول : إن ، كل شيء ، متأثر بغيره ، ومؤثر ، في غيره ، وهو يمارس ، هذا التأثير ، والتأثر ، خلال حركته الدائمة المستمرة ، التي ، لا تتوقف ، والتي تؤدي ، أثناءها ، كمية ، التأثير ، أو التأثر ، إلى ، أن تتغير خصائص ، الشيء نفسه ، بحيث ، تتغير هذه الخصائص ، تدريجياً ، وإن ، كنا ، لا نستطيع ، أن نحسّ ، هذا التغيير التدريجي ، في الظاهر ، وعندما ، تصل ، كمية التأثير ، أو ، التأثر ، إلى درجة ، تختلف ، باختلاف القوانين ، التي تحكم الشيء ، المتأثر ، يفقد ، هذا الشيء ، خصائصه ، ومظهره الأولين ، وتصبح له ، خصائص ، ومظهر آخر ، بحيث ، يختلف ، نوعياً ، عن الشيء الأول ، أي ، تلحقه ، خصائصه الجديدة ( بنوع ) ، من الأشياء ، غير النوع ، الذي ، كان ينتمي إليه ، أولاً … ، ثم ، وفي ، كل لحظة ، وما هو ، أقل ، من اللحظة ، وفي ، كل مكان معروف ، أو غير معروف ، تعمل هذه القوانين ( معاً ) ، فيكون الناتج ، تأثيراً ، فتأثراً ، فتحولاً ، فتأثيراً ، فتأثراً ، فتحولاً ، وهكذا ، في ، حركة دائمة ، وتحّول مستمر .. ، وإذا ، كان هذا ، كله ، ينطبق ، على الأشياء ، من ، أول ، الذرات ، إلى آخر ، المجرات ، ويتحول ، كل شيء ، وفق ، قانونه النوعي ، بالتأثر ، والتأثير ، والحركة الدائمة .. ، أما ، القانون الرابع ، وهو “الجدل” ، الذي ، لا يتم ، إلا ، بتقابل نقيضان ، في محتوى واحد .. ، والتناقض ، يؤدي ، إلى صراعهما ، الذي يستمر ، إلى ، أن يحل ، التناقض ، فيخرج ، منهما ، أي ، من باطن الشيء ، الذي اجتمعا ، فيه ، شيء ثالث ، مختلف ، عنهما ، وبالتالي ، يعتبر ، بالنسبة إليهما ، خطوة إلى الأمام ، أو تقدماً ، فجوهر ، العملية الجدلية ، أن ، يجتمع نقيضان ، وحيث ، لا يوجد تناقض ، لا تقوم عملية الجدل ، أو ، لا يوجد صراع ، وإن ، وجد التناقض ، فلابد ، من الصراع ، ولابد ، أن ينتهي هذا الصراع ، إلى ، خلق جديد .. ، فالجدل ، بهذا المعنى ، هو ، عملية ، خلق ، وتجاوز ، وإضافة ، إنه ، خطوة ، إلى الأمام ، تحل من خلالها ، مشكلة ، تصبح من الماضي ، ويتحقق ، بها ، جديد ، في المستقبل .. ، نطلق عليه ، مصطلح ، ( التطور ) ، وبهذا ، نحدد الفرق ، بين ، التحول ، وبين ، التطور ، فالتحول ، يتم ، وفق ، القوانين الثلاثة الأولى ، ويطلق ، على الحركة ، دون إضافة ، أما ، التطور ، فيطلق ، على الإضافة ، خلال ، الحركة الجدلية ، والتي تتأتى ، من ، إعمال ، القانون الرابع .. ومؤدى ، الجدل ، أيضاً ، أن ، التناقض ، والصراع ، لا ينتهي ، بإلغاء أحد النقيضين ، والإبقاء على الآخر .. ، وإنما يستمر التناقض ، ومعه الصراع ، إلى ، أن ، ينتهي إلى حل جديد ، يزول ، به ، التناقض ، ويتجاوز ، به ، التطور ، وجود النقيضين …، وهكذا …إلى تناقض جديد ….
فأين ، يتقابل النقيضان …؟ ، وأين، يجتمعان في محتوى واحد ..؟ الجواب : في “الإنسان” … ، فالمادة ، تتحول ، دون جدل ، والفكر ، الذي ، يخرج عن قواعد المنطق ، يعتبر ، هذياناً ، فلا يبقى ، إلا ، أن نبحث ، عن ، الجدل الخلاق ، في تلك الوحدة ، التي ، يجتمع فيها الفكر ، والمادة ، لا ينفصلان ، ولا يختلطان ، إنه ، الإنسان ، فأسميناه ” جدل الإنسان ” .

( 61 )

فالإنسان ، كما ، أنه ، كائن عضوي ، يتكوّن ، من لحم ، ودم ، وعظم ، وآلاف المركبات الكيميائية ، فهو ، بالإضافة إلى ذلك ، كائن ذكي ، أيضاً ، فهو ، وحدة نوعية ، من ، الذكاء والمادة ، وقد ، استطاع أن يكتشف ، كثيراً من القوانين ، التي تنظم نشاط الإنسان ، وأن ، يثبتها ، بالاختيار ، والتجربة …، وللإنسان ، قدرة على التذكر ، والإدراك ، والتصور ، والعمل .. والتذكر ، واسترجاع الماضي ، فالماضي ، الذي لا تدركه سائر الكائنات ، لا ينقضي ، بالنسبة ، للإنسان ، بل يحتفظ ، به ، ويسترجعه ، في ذاكرته ، ويستطيع ، الإنسان ، أن ، يدرك الروابط ، التي حكمته ، ويعلل وقوعه ، ثم ، يستطيع ، أن يتصور المستقبل مستخدما ذات العناصر التي استرجعها من الماضي ، وأن يعيد تركيبها ، على أساس القوانين ، التي أدركها ، وبتلك القدرة ، على ، استرجاع الماضي ، وإدراكه ، وتصور المستقبل ، يتحدد ، أي ، نمط ، من سلوك الإنسان …
ثم ، أن ، كون “الحركة الجدلية” ، تتضمن ( التذكر ، فالإدراك ، فالتصور ) ، لا يعني ، أنها ، حركة فكرية ، أو ، أن ، الجدل ، “جدل فكري” ، فالتذكر ، هو ، تذكر ، يشمل المادة ، والإدراك ، يشمل إدراك ، قوانين المادة ، والتصور ، تركيب ذهني ، للمادة ، فالمادة ، هي ، محتوى الفكر ، والفكر ، محيطها ، الذي يتحدد ، بها ، وتتحدد ، به ، وتكون ، معه ، وحدة ، لا يمكن انفصامها ، ولذلك ، قلنا ، إنه “جدل الإنسان” ، ولم ، نقل ، إنه “جدل الفكر” ، فالفكر ، ليس إلا خاصة ، من خصائص ، ذلك الكائن ، المتكون ، من ، مادة وذكاء ، الذي يسمي “الإنسان” ، ..والعمل ، هو ، الحركة الأخيرة ، في الجدل ، فالحركة الجدلية ، إذ ، تبدأ من مشكلة ، تسهم ، فيها المادة ، تنتهي ، إلى ، حل مادي ، يسهم فيه ، الفكر …

( 62 )

لو ، كانت هذه ، الحركة ، التي يقوم ، بها ، الإنسان ، والتي ، تضبط ، أي ، نمط من سلوكه ، وبالتالي ، تعتبر ، بالنسبة إليه ، قانوناً نوعياً ، “حركة جدلية” ، لكان ، حتماً ، أن ، تكون منطوية ، على نقيضين ، في محتوى واحد ، وأن ، يكون النقيضان ، في صراع دائم ، وأن يخرج ، من الصراع ، شيء ثالث ، أكثر تقدماً ، من النقيضين .
النقيضان ، في ، “جدل الإنسان” ، هما ، الماضي ، والمستقبل ، اللذان ، يتبع أحدهما ، الآخر ، ولا يلغيه ، ولا يلتقي ، به ، قط ، ومع ، هذا ، يجمعهما الإنسان ، ويضعهما ، وجهاً ، إلى ، وجه ، في ، ذاته .
والماضي – بالنسبة إلى الإنسان – مادي جامد ، غير متوقف ، عليه ، وغير قابل ، للتغيير ، وبمجرد وقوعه ، يفلت ، من ، إمكانية الإلغاء ، ولكن ، الإنسان ، إذ ، يعرف ، عن طريق استرجاعه ، للماضي ، كيف وقع ، يدرك امتداده التلقائي ، في المستقبل ، والمستقبل ، بالنسبة إلى الإنسان ، تصور ، لا يحّده ، قيد من الزمان ، أو المكان ، وأقصى مستقبل ، لأي إنسان ، أن ، تتحقق جميع احتياجاته ، وفي ، الإنسان ، يجتمع النقيضان ، وتثور المشكلة ، بالصراع ، بين ، الماضي ، ممتد ، تلقائياً ، في ، المستقبل ، وبين ، المستقبل ، الذي ، يريده الإنسان .. وتكون المشكلة ، التي تعبر ، عن الصراع ، كامنة ، في ذلك الفرق ، بين ، الواقع المسترجع ، من الماضي ، وبين ، المستقبل ، الذي يريده الإنسان ، ويعبر ، عنه ، تعبيراً سلبياً ، بالحاجة .. ، ويتم ، الصراع ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، حيث ، يلتقيان في الإنسان ، ولا نقول الحاضر ، إذ ، لا وجود ، لما ، يسمى ، الحاضر ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، إلا ، إذا ، ألغينا الزمان ، عند ، نقطة الالتقاء تلك – في الإنسان – يكون الصراع ، ويكون الحل ، الذي يتحقق ، بالعمل ، متضمناً إضافة جديدة .. فالإنسان ، في ، كل لحظة ، وفي ، كل مكان ، يخلق مستقبلاً ، متفقاً ، مع ، حاجة الإنسان ، وظروفه ، أي ، خالياً ، من جمود الماضي ، ومن خيال المستقبل ، أما ، أداة الخلق فهي ، العمل ، الذي يحل التناقض ، وتتم ، به ، الحركة الجدلية ، التي تتسق ، بفعل الماضي ، والمستقبل ، ذاتهما . إذ ، أن ، الحل ، الذي يتحقق ، بالعمل ، إضافة ، ينتهي إلى ، تناقض جديد ، لأن ، ما يتحقق ، فعلاً ، يلحق ، فور تحققه ، بالماضي ، فالزمان ، لا يتوقف ، وبذلك ، تنشأ ، نقطة التقاء جديدة ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، في الإنسان مرة أخرى ، أيّ ، صراع جديد ، ومشكلة جديدة ، ويسهم الحل الذي ، كان ، مستقبلاً ، ثم ، أصبح ، ماضياً ، بتحققه ، في ، إغناء الماضي ، الذي ، يسترجعه الإنسان ، وهو ، يواجه مستقبله الجديد .. فينشأ ، صراع جديد ، ثم ، يحل ، وهكذا … ، وفي ، تاريخ الإنسان ، انتقل هذا ، الجدل ، من البسيط ، إلى المركب ، ومن المحدود ، إلى ، الأكثر شمولاً ، وكلما ، زادت تجارب الإنسان ، اغتنت ذاكرته ، فاتسعت تصوراته ، وزادت حاجاته ، فزادت مشكلاته ، فأبدع ، لها ، مزيداً من الحلول ، ولهذا ، لم ، يستو تقدم الإنسان ، على ، نسبة واحدة ، وأصبح ، يحل ، في شهور ، ما كان ، يحله ، في قرون ، مع ، أن مشكلاته ، قد ، تضاعفت ..

( 63 )

وإذا ، كان ، الجدل ، قانوناً خاصاً ، بنوع الإنسان ، فإن ، الإنسان ، لا يفلت من القوانين الكلية ، التي ، تحكم الطبيعة ، وهو ، جزء ، منها ، يتأثر ، ويؤثر ، في حركة دائمة ، وتغير مستمر ، وتحكمه ، تلك القوانين ، كوحدة ، من ، الذكاء ، والمادة ، فهو ، لا يستطيع ، مهما كان ، ذكياً ، أن ، ينفصل ، عن الظروف ، التي تحيط به ، ولا يستطيع ، أن ، لا يتأثر ، بها ، أو ، أن يتوقف ، عن التأثير ، فيها ، ولا يستطيع الإنسان ، مهما ، كانت إرادته ، أن ، يجمّد ، نفسه ، فلا ، يتغير ، عضوياً ، وفكرياً .. لهذا ، فإن “جدل الإنسان” ، كقانون ، يتعطل ، إذا ، لم يكن الجدل ، في حركته ، مستنداً ، إلى ، المعرفة العلمية ، للطبيعة ، وقوانينها ، واستعمال ، تلك القوانين ، استعمالاً ، صحيحاً .. لهذا ، نقول ، أن ، المعرفة العلمية ، بقوانين الطبيعة ، هي ، شرط ، قانون الجدل …، ومن ، هنا ، يختلف “جدل الإنسان” ، عن ، “الجدلية المثالية” ، لأن ، التناقض ، لا يقوم ، بين ، أفكار ، ولا يحل ، بأفكار ، بعيداً عن المادة ، ولكنه ، تناقض ، بين ، ماض مادي ، وتصور مستقبلي ، للمادة ، يحل ، بتشكيل ، ذكي ، للمادة .. كذلك ، يختلف ، “جدل الإنسان” ، عن ، “الجدلية المادية” ، لأن ، “الجدل” ، لا يتم ، إلا ، في ، الإنسان ، فهو ، الجدلي الوحيد ، والمادة ، غير ، جدلية .. وعن ، طريق “جدل الإنسان” ، يقود الإنسان مصيره ، ويبدع مستقبله ، وقد استطاع ، فعلاً ، أن ، يحقق هذا ، في المجالات ، التي ، أحاطت ، بها ، المعرفة العلمية .. وبهذا ، يختلف “جدل الإنسان” ، عن ، المذاهب الميتافيزيقية ، من ، أول ، ثنائية ديكارت ، التي ، تفصل الفكرة ، عن ، المادة ، وتقيم ، منهما ، أسا سين ، للعالم ، مختلفين ، ومنفصلين ، إلى ، المثالية الشخصية ، التي قال ، بها ، بيركلي ، وأنكر ، فيها ، وجود ، قوانين طبيعية ، إلى ، المثالية الموضوعية ، التي ، قال فيها هيجل ، وأوجد ، فيها ، القوانين في عالم الفكر ، دون عالم المادة ، إلى ، الوضعية ، التي ، لا تعرف ، إلا ، المعامل منهجاً للمعرفة ، في ، حين ، أنها ، لا تستطيع ، أن ، تدخل ، الظواهر ، في معاملها التجريبية ، إلا ، إذا ، فصلتها ، عن تاريخها ، وعن ، علاقتها ، بالكون ، الذي ، تعيش ، فيه ، وهي ، لا تستطيع ، على أي حال ، أن ، تجري تجربة اجتماعية .. ، إلى ، آخر الوجودية ، التي ، لا تعرف شيئاً ، غير ، وجود الإنسان ، وتلغي الكون ، كله ، بإسقاطه ، بالعدم …
إن ، “جدل الإنسان” ، يفترق ، عن ، تلك المناهج المختلفة ، والمتباينة ، بأن ، الإنسان ، سيد قراره ، وبالتالي ، فإن ، حرية الإنسان ، شرط لازم ، ليعمل قانون الجدل ، فيتطور ، ويطور مجتمعه ، هو ، الذي يتعامل مع مختلف عناصر الطبيعة ، والكوكب ، والكون ، ويوظفها ، ويحولها ، ويكتشف قوانينها النوعية ، ويبدع هذا التطور الذي نشهده في العالم ، وليس ، الإنسان ، كما ادعّت المناهج المشار إليها ، مجرد ، أداة ، لهذا ، العنصر ، أو ، ذاك ، سواء كان ، ماديا ، أو ، غير مادي ….

( 64 )

دعونا بعد ، كل ، ما تقدم ، أن نضع “منهج جدل الإنسان” ، في ، صيغ قانونية ، للتطور الاجتماعي ، فنقول : 1 – في الكل الشامل للطبيعة ، والإنسان ، 2 – كل شيء ، مؤثر في غيره ، متأثر ، به ، 3 – كل شيء في حركة دائمة ، 4 – كل شيء في تغير مستمر ، 5 – في إطار هذه القوانين الكلية الثلاثية يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي ، 6 – وينفرد الإنسان بالجدل قانوناً نوعياً لتطوره ، 7 – في الإنسان نفسه يتناقض الماضي والمستقبل ، 8 – ويتولى الإنسان نفسه حل التناقض بالعمل ، 9- إضافة فيها من الماضي ومن المستقبل ، 10 – ولكن تتجاوزها إلى خلق جديد .
فكيف يمارس الناس ، أفراداً ، وجماعات بشرية ، الجدل ؟ ، ما هي العوامل ، التي تفعّل ، قانون “جدل الإنسان” ، وبالتالي ، يتسق ، التطور ..؟ وما هي المعوقات ، التي ، تعطل أعمال قانون “جدل الإنسان” ، وبالتالي ، تضطرب مسيرة التطور ، والإبداع الإنساني …؟؟
( يتـــــــبع … “18” … البيان … )
حبيب عيسى
Email:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء

44

 

يكتبها : حبيب عيسى

 

البيان …”18″ …

 

 

“الطليعة العربية”

جدل الإنسان

 

( تتمة … “18” … البيان … )

 

( 65 )

 

في ، الفقرات السابقة ، نقلنا “منهج جدل الإنسان” ، باختصار شديد ، قدر الإمكان ، “بتصرف” ، عن مصدره ، في الأجزاء السبعة “لنظرية الثورة العربية” ، مؤكدين ، مرة أخرى ، أن هذا النقل ، لا يغني ، عن العودة إلى الأصل ، الذي ، أبدعه ، عصمت سيف الدولة ، والذي ، أغناه ، بالدراسة ، والحوار ، مع المناهج ، والنظريات ، التي سبقته ، والتي عاصرته …

          وإذا ، كنت ، أقترح “منهج جدل الإنسان” ، ليكون ، منهجاً “للطليعة العربية” في العقد الأول ، من القرن الواحد والعشرين ، فإن ، من حقي ، أولاً ، ومن واجبي ، قبل ذلك ، أن أعلل هذا الاقتراح ، وأن أوضح ، قدر الإمكان ، الأسباب الموجبة ، وراء هذا الاقتراح … ، فأقول :

أولاً : إن ، مشكلة المنهج ، في الوطن العربي ، كانت ، تزداد إلحاحاً ، مع تطور التيار القومي العربي ، وبلغت ذروتها ، مع خمسينات القرن المنصرم ، عندما ، امتد التيار القومي العربي ، أفقياً ، إلى درجة كاسحة ، كان ، أكثر من كاف ، كان ، فائضاً عن حاجة التيار القومي العربي ، لتحقيق أهدافه ، في تقرير المصير ، لو ، امتلك ، ذلك التيار ، منهجاً ، يوحد الطاقات ، ويستثمر ، ذلك ، المد الجماهيري الجارف ، وأن ، تلك المشكلة ، مشكلة “المنهج” ، باتت ، الآن ، وفي هذا الزمن الصعب ، أكثر إلحاحاً ، لا يوازي التهرّب من حلها ، إلا ، تفاقم هذا النكوص العربي عن التطور ، والإبداع ، والتقدم ..

 

( 66 )

 

ثانياً : إن ، مشكلة المنهج ، بالإضافة إلى أنها ، مشكلة عربية ، هي ، في الوقت ذاته ، مشكلة إنسانية ، شاملة البشرية ، جمعاء ، ذلك ، أن ، هذا النظام الدولي السائد ، قام على أفكار تبلورت ، في القرن التاسع عشر ، فنشأ ، “الحلف المقدس المسيحي” ، ثم ، “عصبة الأمم المتحدة” ، في الربع الأول من القرن العشرين ، ثم ، “هيئة الأمم المتحدة” ، في منتصفه ، وتبلور الصراع ، بعد الحرب العالمية “الأوربية، الثانية ، بعالم اشتراكي ، وعالم رأسمالي ، وعالم هجين ، بينهما ، ومع تفاقم ، المشكلة المنهجية ، في الوطن العربي ، مع عقد الخمسينات ، وما ، بعد ، من القرن الماضي ، تفاقمت الأزمة المنهجية ، في ، كلا النظامين الدوليين الرئيسين ، حيث تفاقمت الأزمة المنهجية داخل المعسكر الاشتراكي ، فدمر الاستبداد المنهجي ، أنبل الأفكار الإنسانية ، لإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، بينما ، تمكنت الرأسمالية المتوحشة   في المعسكر المقابل ، من ، التهام ، أفكار التنوير والأنسنة ،والحرية ، والمساواة ، وإذا ، كانت ، الديمقراطية ، مع ، ما تتعرض له من انتقادات ، وتشوهات ، قد ، أخرّت ، حتى الآن ، انهيار النظام الرأسمالي ، الذي يصّدر أزماته ، إلى ما يسمونه ، العالم الثالث ، عبر ، النهب المنظم ، لثرواته ، وإشباع حاجات المجتمعات ، في ، أنظمتهم الرأسمالية ، على ، حساب شعوب العالم  الأخرى ، فإن ، هذا ، لن يدوم طويلا … ، ولعل بوادر انهيار النظام الرأسمالي بدأت تلوح في الأفق ..

 

( 67 )

 

ثالثاً : إن ، أزمة النظام العالمي ، والأزمات المنهجية ، التي تفجرت ، بخاصة ، داخل المعسكرين ، الاشتراكي ، والرأسمالي ، انعكست على الأزمة المنهجية ، في الوطن العربي ، وتداخلت ، مع ، الموروث الحضاري ، والفكري ، للأمة العربية ، إضافة ، إلى إشكالات الواقع العربي ، المضطرب ، في القرن العشرين .. هذا ، بمجمله جاء ، إضافة إلى الأساطيل العسكرية ، التي ، تتنزه في المياه الإقليمية العربية ، من مختلف أرجاء العالم ، وإضافة ، للقواعد العسكرية الأجنبية ، المنتشرة على الأراضي العربية ، تحت أعلام مختلفة ، وإضافة ، للشركات محددة الجنسية ، وللشركات متعددة الجنسيات ، التي ، تستثمر ، وتسمسر ، على ، الثروة العربية ، بين المحيط والخليج ، وإضافة ، إلى ، “الدول الفعلية” ، من ، إمارات ، ومستوطنات  ، وسلطنات ، وممالك ، وجمهوريات نشأت ، وأخرى ، قيد الإنشاء ، والتي تقاسمت الأرض العربية ، شبراً ، شبراً .. فبات ، المشهد العربي ، بالغ الدلالة .. ، وبات النتاج الفكري ، والمنهجي ، والنظري ، للبشرية ، كلها ، من ، أقصى الشرق ، إلى ، أقصى الغرب ، مكدّسا ، في السوق العربية ، إضافة ، إلى، نتاج التجارب الحية ، لتلك الأفكار ، نجاحاً ، وفشلاً ، أبطالاً  ، ورموزاً ، متوحشين ، ومجرمين .. وهذا كله ، كان يمكن ، أن ، يكون مصدر غنى ، لو ، تمكنت الأمة ، أن تتمثل هذا النتاج الفكري الهائل ، للإنسانية ، وأن ، تدخله في عملية “الجدل الاجتماعي” ، لينتج ، منه ، منهج التطور ، والتقدم ، والخلق ، والإبداع ، لكن ، واقع الأمة ، المتمثل ، بحالة من الاستلاب ، الحاد ، لقرون عديدة ، لم ، يسمح ، لها ، أن تتمّثل ، هذا ، كله ، فتم التعامل ، مع ، تلك الأفكار ، والمناهج ، والتجارب ، بإحدى طريقتين ، إما ، بالانبهار ، بها ، لدرجة التقديس المطلق ، وإما ، الرفض ، لها ، لدرجة التجريم ، والتكفير المطلق ..وهذا ، انعكس بدوره ، حتى ، على طريقة التعامل ، مع التراث الحضاري ، للأمة ، حيث ، تم ، تعليبه على مقاسات الجماعات ، والعصبيات الدينية ، والمذهبية ، والأثنية ، والسياسية ، البعض ، يدعّي ، أنه ، يمثل الله على الأرض ، وكل الآخرين ، إلى الجحيم ، والبعض الآخر ، ادعى ، أن الطريق ، إلى التحضر ، يمر ، عبر ، الانعتاق ، من ، ذلك التراث ، نهائياً ، ورميه جانبا ، والالتحاق ، بذلك النموذج ، شرقاً ، أو غرباً .. ، حتى ، بات ، هذا الوطن العربي ، “عالم عربي، ، كما سموه ، بعد ذلك ، وهو حقيقة “لا عربي ولا يحزنون” ، بمعنى ، أنه لم يعد وطنا ، وبمعنى ، أنه ، لم ، تعد مدرسة فكرية ، أو منهجية ، أو فنية ، أو أدبية ، أو اجتماعية ، أو اقتصادية ، أو دينية ، أو أثنية ، في العالم ، إلا ، ولها ، أتباع ، أو مظاهرين ، أو مناوئين ، في ، هذا ، الذي أسموه ، “عالماً عربياً” ، كما ، لم ، توجد تجربة ، في العالم ، إلا ، ولها ، وعليها …. من هو معها ، ومن هو ، ضدها ، كما ، لم ، يوجد زعيم ، أو قائد ، أو مفكر ، أو فيلسوف ، في العالم ، إلا ، وله ، أتباع ، وأنصار ، أو مناهضين ، ورافضين ، في هذا “العالم” ، الذي ، أسموه ، عربياً ، أولاً .. ثم ، بدأ التشكيك ، بعد هذا كله ، بإثارة السؤال ، بجدية ، عن ، الهوية ، هل ، هو ، عربياً ، فعلاً ، أم ، “شرق أوسطي”…؟ ، وبغض النظر ، عن ، الإجابات الفكرية ، والمنهجية ، التي ، تفاوتت بين الإقرار ، بوجود الأمة العربية ، وبين اعتبارها ، قيد التكوين ، وبين ، إنكار وجودها ، أصلاً ، ومآلا … ، فإن ، الواقع العربي ، بفعل ، عوامل داخلية ، وإقليمية ، ودولية ، بات ، ساحة ، للصراع ، هناك ، من يريده “شرق أوسط قديم” ، وهناك من يريده “شرق أوسط جديد” .. ، باختصار ، وبعد انحسار التيار القومي العربي ، لم يعد ، هناك ، من يريده ، عربياً ، بأي حال ، من الأحوال .. هذا ، كله ، وبمجمله ، انعكس سلباً ، على ، أزمة المنهج ، في الوطن العربي ، وبات حلها ، لا يحتمل التأجيل ، إذا ، أردنا الخروج ، من ، التغريب ، والتشريق ، والتخريب ، والتخريف … ، فالذين ، وحدهمّ ، التيار القومي العربي ، في فترة ، المد القومي ، عادوا ، في ، مرحلة ، الجزر الإقليمي ، يتناحرون ، بين ، الأصالة ، والحداثة ، وما قبل الأصالة ، ثم ، داخل الأصالة ، ذاتها ، ومن ثم ، داخل الحداثة ، ثم  في ، ما بعد الحداثة .. وبات ، الواقع العربي يعج ، بالأصوليين ، في ، شتى المجالات ، وبالفرق ، وبالمذاهب ، وبعلمانيين ، من مختلف الألوان ، فغلبت العصبية ، على ، الموضوعية ، وبات ، النسيج الاجتماعي ، في الوطن العربي ، مهدداً ، تهديداً مباشراً ..

 

( 68 )

 

رابعاً : إن ، السجالات ، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ، على ، صعيد العالم ، بين ، الماركسيين ، وبين الليبراليين ، وبين ، دعاة الخط الثالث ، وبين ، التيارات الدينية ، والأصولية …. ، كشفت ، ضعف البنية المنهجية ، لدى ، تلك  ، الاتجاهات الأربعة ، فتحولت ، تلك التجارب ، إلى محاولات تجريبية ، في الواقع ، تتلطى ، وراء مناهج ، لا تفعلهّا ، ولا ترجع ، إليها ، في الممارسة .

1 – فالماركسيون ، باتوا ، في الواقع ، لينينيين ، أو ستالينيين ، وصولاً ، إلى بروتسترويكا غرباتشوف ، وانفتاح يلتسن ، وتروتسكيين ، وماويين ، وإلى سنغ ، ومن ، الخمير الحمر ، إلى ، التوباماروس ، إلى ، كيم أيل سونغ  ، وتيتو ، وكاسترو ، وحتى ، جيفارا ، وصولاً ، إلى أحزاب شيوعية ، في أوربا ، وأمريكا اللاتينية ، وأفريقيا ، وآسيا ، لا حصر لها ، فأين “المادية الجدلية” ، من ذلك ، كله ..؟

2 – والليبراليون ، الذين تفرقوّا ، مدارس شتى ، بين ، اليمين ، ويمين الوسط ، ويسار الوسط ، وبين ، الأحزاب الدينية ، والأحزاب العلمانية ، وبين الأحزاب الاشتراكية ، والأحزاب الرأسمالية ، والأحزاب العمالية ، وبين ، الاستعمار ، والإمبريالية ، وصولاً إلى ، ما يعرف اليوم ، بالليبرالية المتوحشة .. ، كل ، هؤلاء ، أين هم اليوم ، من ، منهج الليبرالية التنويرية ، الذي ، يقوم أساساً ، على العقد الاجتماعي ، وعلى الحرية ،والمساواة ، بمعناها الواسع ، الاجتماعي ، والسياسي ، معاً ..

3 – ودعاة ، الخط الثالث ، الذين ، حاولوا التلفيق ، بين ، مناهج التيارين السابقين ، تحت شعار ، نأخذ ، ما يفيدنا من أي مصدر ، كان ، ونترك ما لا يعجبنا .. ، فانتهت ، بهم ، محاولات التلفيق ، إلى ، ما انتهوا ، إليه .. وباتوا نماذج رديئة ، للتوحش الاستبدادي ، في التاريخ البشري …فاخذوا من تلك المناهج أسوأ ما فيها ، ومن تجاربها ، ما يناسب توحش المستبدين لا أكثر .. 

4 – أما ، التيارات الدينية ، والأصولية ، فقد فاتها ، أن ، نموذج الدول الدينية ، بات ، من الماضي ، وقد تجاوزها التطور البشري … ، وبذلك ، جردوا تلك الديانات ، من جوهرها الإنساني ، والإيماني ، وتنافسوا ، في تعليبها ، بقائمة ، لا تنتهي ، من الطقوس ، حيث ، بات الاختلاف حولها ، بديلاً عن الحوار ، والجدل ، حول القضايا الإستراتيجية ، والحيوية .. وتفاقمت الأزمة ، عندما ادعى كل فريق ، أنه ، يملك الحقيقة المطلقة ، للسر الإلهي ، وأن من يخالفه الرأي ، يرجم ، بالكفر ، والزندقة ..

          تلك ، السجالات ، ألقت بظلالها ، على ، أزمة المنهج ، في الوطن العربي ، وأدت إلى تشويش الرؤيا ، والكثير ، من التداخل بين القوى ، بحيث بات الفرز ، بالغ الصعوبة ، وبالتالي ، اضطرب مشروع النهوض ، والتنوير ، والأزمة ازدادت ، وتفاقمت ، مع انحسار ، المد الجماهيري ، للتيار القومي العربي ..

 

( 69 )

 

خامساً : إن ، البشرية راكمت خلال تاريخها الممتد ، من حيث لا نعرف بداياته ، رغم تقدم العلوم والمكتشفات ، إلى ، مآل ، لم ندرك كنهه ، رغم ، أن المراكب الفضائية ، الآلية ، والمأهولة ، قد اخترقت الغلاف الجوي ، لهذا الكوكب ، وذهبت بعيداً ، في اتجاهات مختلفة …، نقول ، أن البشرية راكمت أفكاراً ، ومبادئ هامة ، ووضعت فرضيات ، ثبت ، صحة بعضها ، وخطأ بعضها الآخر ، وصاغ المبدعون ، مناهج ، لا ينقصها الحلم ، ولا تجنح بعيداً ، عن ، القوانين النوعية ، للأشياء ، والأحياء .. ،  ما يعنينا ، هنا ، هو تلك النظرة المنهجية ، للإنسان ، التي تعاقب الفلاسفة ، والعلماء ، كل ، على حدة ، ثم ، الفلاسفة العلماء ، على الاتحاد ، في تحديد الدوافع ، لهذا ، الكائن ، شديد التعقيد ، وما هو ، الأساسي ، وما هو ، غير الأساسي ، في تحديد ، ما يعرف ، بالسلوك البشري ، كفعل ، أو ، كرد فعل …؟

          باختصار شديد ، نقول ، أن التيار القومي العربي ، مع منتصف القرن العشرين ، تمتع بقوة جذب ، وإغراء ، لا حدود ، لها ، لأصحاب المناهج ، والنظريات ، التي ، كانت سائدة ، في العالم ، فهو ، هكذا كان ، تيار واسع ، ومؤثر في الساحة العربية ، وفي ، الوقت ذاته ، فإن ، التيار القومي العربي ، يتعامل مع الواقع ، بأسلوب تجريبي ، تفرضه الظروف الضاغطة ، والمعارك المتلاحقة ، وبالتالي ، فإن ، من حق أصحاب المناهج ، والنظريات ، من أقصى اليمين ، إلى أقصى اليسار ، وما بينهما ، أن يعرضوا بضاعتهم ، في هذا السوق الواسع ، والمتعطش ، وقد ، قابل القوميون العرب ، هذا ، كله ، بمواقف مختلفة ، بل ، ومتناقضة ، أحياناً ، تباينت ، بين الرفض المطلق ، والتبني المطلق ، ما يعنينا ، هنا ، أن الأثر الإيجابي الوحيد ، لهذا الحراك الفكري ، أنجب مناخاً ، من الحوار ، والجدل الحيوي ، بين مناهج ، ونظريات ، وأفكار ، وإيديولوجيات ، قلما ، تتواجه بهذه الكثافة ، في ، أي مكان من العالم ، وهكذا ، كان على القوميين العرب ، أن يجيبوا على السؤال الاستفزازي .. ما هو منهجكم ..؟ .. بسؤال استفهامي : ما هو المنهج الذي علينا اعتماده ..؟ ، هنا ، بدأ التدقيق ، في المناهج ، التي تم بالاستناد إليها ، بناء تجارب هامة ، على صعيد الإنسانية ، فأين تطابقت تلك التجارب مع المناهج التي قامت على أساسها …؟ ، وأين تم الاختراق …؟  ، وإلى أين وصلت أزمة المنهج على الصعيد الإنساني ..؟ ، هذه ، كلها أسئلة ملحة ، كان لابد من الإجابة عليها .. ، وهذا ، بالضبط ، ما تصدى ، له ، “منهج جدل الإنسان” ، بعد ، أن أصبح من الثابت ، أن المناهج التي حاولت ، أن تختصر الإنسان بدافع أحادي ، يحركه ، ويحدد سلوكه ، قد وصلت إلى الحائط المسدود ، فدوافع الإنسان ، أكثر ، من ، أن تعد وتحصى ، وكلها أساسية ، وبحسب الظروف الموضوعية ، في مكان محدد ، وفي زمان معين ، وبمواجهة ، ذات إنسانية ، في مرحلة محددة ، يتقدم ، أحد الدوافع ، على سواه ، ويتأخر دافع آخر .. هل يستطيع أحد أن ينكر للإنسان دوافع جنسية تؤثر في سلوكه ؟ ، أو أن له دوافع مادية ؟ ، أو أن له دوافع قد تدفعه للتضحية بحياته ، وهكذا …، لكن هل يستطيع أحد في هذا العالم أن يختصر دوافع الإنسان بواحد فقط من تلك الدوافع ..؟ ، إن المحاولات الفاشلة لقسر الحقائق العلمية خدمة لأوهام الإنسان ذو البعد الواحد انفلتت من عقالها ، وكان لابد من التصدي لها ، وهكذا باتت ، هذه ، الساحة العربية ، تحمل قلق الإنسانية ، للانتقال خطوة إلى الأمام ، على صعيد ، حل مشكلة المنهج ، بتحرير المسارات ، للدوافع الإنسانية ، والتوازن ، والتوازي بينها ، بحيث لا يطغى دافع ، على آخر .. وهذا ، لا يكون ، إلا ، بالبحث في القانون النوعي للإنسان .. بإطلاق حريته ، والسعي الدائم ، لإشباع حاجاته المتعددة ، المتجددة أبداً ..

 

( 70 )

 

سادساً : أختتم ، الأسباب الموجبة ، لاقتراح ( جدل الإنسان ) ، منهجاً “للطليعة العربية” ، بسبب ذاتي ، ترددت كثيراً ، في ، أن أخطه ، على الورق ..  ، لكن ، وبعد حوارات عديدة ، ومتشعبة ، ووجهت بالسؤال المباشر : لماذا ” جدل الإنسان ” ..؟ ، وبما ، أن ، التهرب من الأسئلة المباشرة ، لا يجدي ، فقد ، قررت مواجهة السؤال ، بإجابة مباشرة ، ومحددة .. ، فأقول : إن علاقتي ، بأزمة المنهج ، في التيار القومي العربي ، تجاوزت النصف قرن ، وأن علاقتي ” بجدل الإنسان ” ، تجاوزت الأربعين عاماً ، وبدون ، الدخول في التفاصيل ، فإن ، تلك السنوات الطويلة ، أتاحت ، لي ، حوارات هامة ، مع نخب ممتازة ، ماركسية ، وليبرالية ، ودينية ، وأثنية ، وتجريبية ، ومن مختلف الفرق ، والاتجاهات ، وأنني ، كنت ، في ذلك كله ، معنياً ، في ، وضع ” جدل الإنسان ” ، محلاً ، للحوار المفتوح .. ، وللجدل حول أدق التفاصيل .. ، وأدعي ، أنني ، لم ، أكن “عصبوياً” ، لكنني ، أعترف ، أن ، قناعتي ، بصحة “منهج جدل الإنسان” ، كانت تتعزز ، مع الأيام ، فحاولت أن أتمثله ، كسلوك ، وممارسة ، فصدق … وعندما ، ارتضيته منهجا ، لشخصي ، ارتضيته لإقراني ،  ولهذا ، فإنني ، أقترحه “منهجاً للطليعة العربية” ، أو ، أنني ، إذا امتد بي العمر ، إلى ، أن ، تتشكل مؤسسات “الطليعة العربية” ، وإذا ، كنت ، في أحد مراتبها ، وطرح موضوع ، اعتماد ، منهج للطليعة العربية ، فإنني ، سأكتب ، على بطاقة الاقتراع ، دون تردد ، ( منهج جدل الإنسان ) .

 

( 71 )

 

نعود ، بعد ذلك ، لملامسة الخطوط العريضة ، لمنهج “جدل الإنسان” ، بملاحظة ، حركة هذا الإنسان ، وكيف يمارس الجدل ، في المجتمع ، وإذا ، كان ، الجدل ، قانون نوعي ، للإنسان الفرد ، فإن “الجدل الاجتماعي” ، هو ، القانون النوعي ، لتطور المجتمعات ، يقول النص ، كما ورد ، في الأصل ، الذي خطه عصمت سيف الدولة : (( إن الناس ، في ،  أي مجتمع ، بحكم أنهم بشر ، “بحكم قانونهم النوعي”  ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن معاناة مشكلاتهم ، حتى ، لو ، لم يعرفوا حقيقتها ، الاجتماعية ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن محاولات اكتشاف حلولها الصحيحة ، حتى ، لو ، كانوا عاجزين ، عن اكتشافها ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن العمل الذهني ، أو المادي ، الإيجابي ، أو السلبي ، الذي ، يعتقدون ، أنه ، يحل مشكلاتهم ، حتى ، لو ، لم يكن ، هو ، العمل المناسب ، لحل ، تلك المشكلات ، اشتراك الناس ، إذن ، في محاولات تغيير الواقع الاجتماعي ، حتمية ، لا يستطيعون ، أن يكفوا أنفسهم ، عنها ، ولا يستطيع ، أحد ، أن يكفهم ، عنها ، وإنما ، المسألة ، هي ، ما إذا كان هذا النشاط ، الذي يقوم ، به ، الناس ، يؤدي إلى حل مشكلاتهم ، فعلاً ، أم ، أنه يبدد طاقاتهم ، في محاولات فاشلة ، لحلها .. إنه ، يؤدي إلى حل مشكلاتهم ، فعلاً ، بقدر ، ما يكون ، تنفيذاً ، لحلول صحيحة ، لمشكلات حقيقية ، فيتم التطور الاجتماعي ، وتطرد حركته التقدمية .. لهذا ، لا يكون “الجدل الاجتماعي” ، هو ، القانون الحتمي ، لتطور المجتمعات ، فحسب ، بل يكون – مع هذا وقبله – القانون الحتمي ، لتطور مقدرة الناس ، على تطوير مجتمعاتهم ، فلا ، يصح معه ، فرض الوصاية ، على الشعوب ، بحجة قصورها ، ولا يصح معه ، الاستغناء ، عن ، مشاركة الناس ، في تطوير مجتمعاتهم ، بما ، يستطيعه العلماء ، أو الزعماء ، ولو ، كانوا ، من العباقرة ، أو الملهمين .. إلخ .. ))

 

( 72 )

 

نتابع النقل ، عن الأصل ، كما ، صاغه مبدعه عصمت سيف الدولة ، “بتصرف” ، فجدل الإنسان ، كقانون نوعي ، خاص ، بالإنسان وحده ، تخضع فعاليته ، لقانون ، التأثر ، والتأثير ، المتبادل ، ولقوانين ، الحركة ، والتغيير ، وبالتالي ، نتعرف ، على ، شرط قانون ” جدل الإنسان ” ، في صيغته الفردية ، وعلى شرطه ، في صيغته الاجتماعية ” الجدل الاجتماعي ” ، فشرطه ، في ، الصيغة الأولى ، وجود الإنسان ، الحر ، وجود الإنسان ، بكل ، خصائصه ، كوحدة ، من المادة ، والذكاء ، متحرراً ، مما ، يؤثر فيه سلباً ، فيحول دون مقدرته ، على ، الجدل ، وعندما ، يتخلف هذا الشرط ، وبقدر ، ما يتخلف ، تضعف فعالية “جدل الإنسان” ، ولا يكف الإنسان ، عن ، الجدل ، إلا بالموت ، وشرطه في  صيغته الاجتماعية ( الجدل الاجتماعي ) ، وجود المجتمع ، الحر ، أيضاً ، وجود جماعة ، من الناس ، يعيشون ، في واقع معين ، مشترك ، وعندما ، يتخلف ، هذا الشرط ، وبمقدار ، ما يتخلف ، تضعف فعالية “الجدل الاجتماعي” ، ولا يكون ، ثمة ، مجال للجدل الاجتماعي ، بين ، أفراد من الناس ، أو ، حتى ، جماعات ، لا يعيشون ، معاً ، في واقع معين ، مشترك ، أما ، عندما ، يكون ، ثمة ، مجتمع ، قد ، قام فيه ، ما يمس وجوده ، فإن ، مشكلة الناس ، فيه ، لا تكون تطويره ، بل استرداده  ، لأنفسهم ، حتى ، يستطيعوا ، بعد هذا – وليس قبله – تطويره …

( يتبع …”19″ … البيان … ) 

*  حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء  

45  

يكتبها : حبيب عيسى

 

البيان …” 19″ …

 

“الطليعة العربية”

في ، جدل الإنسان

 

( تتمة …”19″… البيان… )

 

( 73 )

 

الآن ، إذا أردنا ، أن نتعامل مع الواقع العربي ، على ضوء “جدل الإنسان” ، فإننا ، بداية ، نستخلص الدروس التالية :

الدرس الأول : الذي نستخلصه ، من ( جدل الإنسان ) ، بصيغته الفردية ، ثم ، من ” الجدل الاجتماعي ” ، في صيغته الاجتماعية ، يمكن اختصاره ، بأن التطور الاجتماعي ، يبدأ ، من الواقع الاجتماعي ، كما هو ، بالمجتمع ، كما هو ، بالبشر ، في واقعهم المعين المشترك ، كما هم ، ويكون علينا ، أول ، ما علينا ، ونحن نحاول معرفة واقعنا ، لنطوره ، أن نعرف ، معرفة صحيحة ، ونحدد بدقة ، واقعنا الاجتماعي ، وأن نجيب على أول الأسئلة ، التي يطرحها التطور الاجتماعي ، ما هو مجتمعنا ..؟ ، وأن ، نحتفظ ، به ، كما هو ، وأن ، نحافظ عليه ، كما هو ، وأن نتعامل معه ، كما هو ، سواء ، أعجبنا ، أو كان ، منا ، من يتمنى ، لو ، لم يكن منتمياً إليه ، وهكذا ينذرنا ” جدل الإنسان ” بالفشل ، الذي تستحقه ، أية حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، جاهلة ، أو متجاهلة ، أو رافضة التعامل ، مع حقيقته الاجتماعية ، كما هي .

 

( 74 )

 

الدرس الثاني : أن ، التطور الاجتماعي ، ليس ، مجرد نمو ، خلال الإضافة ، بل ، أن كل إضافة ، ينمو ، بها ، المجتمع ، ويتطور ، هي ، حل ، لمشكلة اجتماعية ، واقعية ، فليس ، كل ، ما يحدث في الواقع الاجتماعي ، تطور ، ويكون علينا ، ونحن نحاول ، أن نفهم ، كيف تطور الواقع الاجتماعي ، مادياً ، أو فكرياً ، أو بشرياً .. إلخ ، حتى ، أصبح ، كما هو ، أن نضيف سؤالاً جديداً ، إلى الأسئلة ، التي عرفناها ، من قبل ، فبعد الجواب على ( ما هو ..؟ ) ، الذي ، نعرف من الإجابة عليه ، ماهية الحدث التاريخي ، وبعد ( أين ..؟ ) ، الذي ، نعرف من الإجابة عليه ، حده المكاني ، وبعد ( متى ..؟ ) ، الذي ، نعرف من الإجابة عليه ، حده الزماني ، نسال : لماذا ..؟ .. ، ومن الإجابة على السؤال الأخير ، نعرف ، المشكلة الاجتماعية ، التي ، نعمل ، على حلها ، فنعرف قيمة الحقيقة ، كإضافة ، في حركة التحرر الاجتماعي ، وذلك ، بمعرفة ما إذا كانت المشكلة ، قد ، حلت ، وعلى أي مدى ، ويفيدنا ، هذا ، في أن نفرق في واقعنا الاجتماعي ، بين ، ما كان ثمرة تطور تاريخي ، وبين آثار التحولات التلقائية ، أو ، ميراث الفشل السابق ، فنتمسك ، ونحافظ ، ونطور الأول ، ونصحح ، في المستقبل ، الأخطاء ، التي وقعت ، في الماضي ، وهكذا ، ينذرنا “جدل الإنسان” ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أي حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، متجاهلة ، أو جاهلة ، تطوره التاريخي ، أو ، غير قادرة ، على التعرف ، في الواقع ، على ، ما هو ، ثمرة تطويره ، وما هو ، من ، بقايا ، مراحل تخلفه ..

 

( 75 )

الدرس الثالث : أن ، التطور الاجتماعي ، هو ، حل مشكلات الناس ، في المجتمع ، لا أكثر ، ولا أقل .. ويكون علينا ، ونحن نحاول ، أن نعرف ، ما الذي يجب أن نفعله ، لنطور واقعنا الاجتماعي ، أن نعرف ، مشكلات الناس ، معرفة صحيحة ، مشكلات الناس ، بما فيهم ، نحن ، وليس مشكلاتنا ، نحن ، دون الناس ، ونحن ، نعرفها ، “المشكلات” ، بالمقارنة ، بين ، الواقع الاجتماعي ، كما هو ، وبين ، ما يريده الناس .. ، إن المشكلة ، هي ، الفرق بينهما ، في المضمون ، والمدى ، وبدون هذا ، لا يمكن ، أن نعرف المشكلات الاجتماعية ، فلا نستطيع ، أن نحلها ، وهكذا ، ينذرنا ، جدل الإنسان ، بالفشل ، الذي تستحقه أية حركة تستهدف تطوير الواقع .. ، متجاهلة ، مشكلات الناس ، أو جاهلة ، أو متجاهلة حقيقة الواقع الاجتماعي ، أو مدعية ، للناس مشكلات ، لا يشعرون ، بها ، في أنفسهم .

 

( 76 )

 

الدرس الرابع : إن ، التطور الاجتماعي ، لا يتم ، بمحاولة تحقيق ( كل ) ما يريده الناس ، بل ، بتحقيق ، ما يمكن تحقيقه ، فعلاً ، مما يريدونه ، في ، مجتمع معين ، وفي ، وقت معين ، وقمة النجاح ، هي ، تحقيق كل الممكن . ويكون ، علينا ، أن نكتشف ، هذا الممكن ، موضوعياً ، في كل وقت ، ونحن ، نحاول أن نعرف الحلول الصحيحة ، لمشكلات الناس ، في واقعنا الاجتماعي .

إن التخطيط ، لحل ، المشكلات الاجتماعية ، على مراحل واقعية ، يصبح لازماً ، لنجاحنا ، ومع هذا ، ففي ، كل الحالات ، يجب ، أن نكف أنفسنا ، عن محاولة تحقيق ، أي أمر ، في غير الوقت ، الذي يسمح الواقع الموضوعي ، تحقيقه ، ولا يجوز ، لنا ، مهما تكن الظروف ، أن ، نعد ، بأكثر مما يمكن تحقيقه ، ولا ينبغي ، لنا ، أبداً ، أن نخشى ، أن يرفض الناس ، وعودنا الواقعية ، فطال الزمن ، أو قصر ، سيتعلم الناس ، ولو من فشل الوعود الكاذبة ، كيف يقبلون ، ما هو صحيح ، وهكذا ، ينذرنا “جدل الإنسان” ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أي ، حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، جاهلة ، أو متجاهلة الحلول الصحيحة ، للمشكلات الاجتماعية ، كما ، هي ، محددة موضوعياً ، بالواقع الاجتماعي ، ذاته ، أو ، تنافق الناس ، فتعدهم ، بما ، لا تستطيع ، أن تحققه ..

 

( 77 )

 

الدرس الخامس : أن ، الناس ، أداة التطور الاجتماعي ، ولا يتم التطور الاجتماعي ، إلا ، إذا ، وبقدر ، ما ، شارك الناس ، في طرح ، المشكلات الاجتماعية ، ومناقشتها ، ومحاولة معرفة ، حلولها الصحيحة ، والمساهمة في العمل اللازم ، والمناسب ، لحلها ، ويكون علينا ، أن نشترك ، مع الناس ، ونشركهم معنا ، ونحقق ، لهم ، ولنا ، أوسع مجالات المشاركة ، في طرح ، المشكلات الاجتماعية ، ومناقشتها ، ومحاولة معرفة حلولها الصحيحة ، والعمل لحلها ، وعندما نرى الناس ، أو بعضهم عاجزين ، عن معرفة حقيقة المشكلات الاجتماعية ، أو ، عن اكتشاف ، حلولها الصحيحة ، أو ، نراهم ، مفتقدين المهارة اللازمة ، لتنفيذ ، تلك الحلول ، في الواقع ، فلا ، نعزلهم ، عنا ، ولا ننعزل عنهم ، ولا نستعلي عليهم ، بل ننتبه ، إلى أننا ، نواجه ، فيهم ، أخطر ، مشكلات التطور الاجتماعي ، التي ، يطرحها واقعنا .. فلا ، نهرب منها ، أو نستهين ، بها ، بل ، نضعها فوراً ، في المرتبة الأولى ، من ، المشكلات الاجتماعية الملحة ، التي يجب ، أن تحل ، التوعية مفيدة ، ولكنها ، لا تغني ، عن تنمية الوعي ، من ، خلال دراسة المشكلات الاجتماعية ، مهما ، اقتضت من جهد ، والإرشاد مفيد ، ولكنه ، لا يغني ، عن تنمية المعرفة ، عن طريق النشاط الفكري ، مهما صاحبها ، من أخطاء ، والرقابة مفيدة ، ولكنها ، لا تغني عن تنمية المهارة ، عن طريق الممارسة ، مهما ، تطلبت ، من وقت . وهكذا ، ينذرنا “جدل الإنسان” ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أية حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، جاهلة ، أو متجاهلة ، أن مشاركة الناس ، في تحقيق التطور ، لازمة ، فتعزل نفسها ، عن الناس ، أو تعزلهم عنها ، أو تستعلي ، على الناس ، في المجتمع ، فتفرض عليهم ، وصايتها ، بحجة أنهم ، لا يعرفون ( مصالحهم الحقيقية ) ..

 

( 78 )

 

الدرس السادس : عندما ، تقف مجموعة ، ما ، فتحول ، لأي سبب ، دون التطور الاجتماعي ، يصبح ، “الصراع الاجتماعي” ، حتمياً ، وتكون غايته ، مواجهة القوة المضادة ، للتطور ، ليستأنف ، “التطور الاجتماعي” ، مسيرته ، ويكون ، علينا ، ونحن ، نحاول أن نطور واقعنا ، أن نتمسك بقوة ، بالحلول الصحيحة ، لمشكلات التطور الاجتماعي ، وألا نتنازل عنها ، أو نساوم عليها ، مهما ، تكن القوى ، التي نواجهها ، وأن ، نحاول بكل وسيلة ممكنة ، الإقناع ، بصحة موقعنا ، وموقفنا ، ثم ، أن نكون مستعدين دائماً ، لدخول معركة ، الصراع الاجتماعي ، بكل أسلحته ، ضد كل القوى ، التي حتمّته ، بمواقفها المضادة ، للتطور الاجتماعي ، وأن ندخله ، بدون تردد ، في ، كل مجالاته .. واثقين ، من ، أنه مهما تكن موازين القوى ، في ، بداية الصراع ، أو ، في مراحله ، فإن النصر معقود لغايتنا ، في النهاية ، وهكذا ، ينذرنا “جدل الإنسان” ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أي ، حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، وتخشى أعداء تطوره ، فتتراجع ، أو تساوم ، أو ، لا تعدّ ، للصراع ، عدته ، فتشتري سلامتها الحاضرة ، بمستقبل الناس ، في المجتمع ..

 

( 79 )

 

الدرس السابع : أن ، الديمقراطية ، نظاماً للحياة ، وليست ، نظاماً للاستفتاء ، والانتخاب ، والحكم ، والديمقراطية ، نظاماً حتمياً ، للتطور ، لأن “جدل الإنسان” ، في المجتمع ، أو “الجدل الاجتماعي” ، قانون حتمي ، يضبط ، حركة تطور المجتمعات ، وعلى ضوء هذا المضمون الحي ، للديمقراطية ، يتحدد الشكل الديمقراطي ، وعلاقته ، بمضمونه ، فالمضمون الديمقراطي ، هو الأصل ، والشكل ، تعبير عنه ، لا يجوز ، أن يضغط عليه ، أو يلغيه ، وإذا ، كنا ، قد ، عرفنا الديمقراطية ، بأنها ، أسلوب المجتمعات في حل مشكلاتها ، فإن ، شكل الأسلوب ، يجب ، أن يكون مقيداً ، بحل المشكلات : أن يضمن ، حرية الرأي ، والمناقشة ، للجميع ، ويضمن ، حرية العمل ، للأغلبية ، غير ، أنه ، لا يمكن أن تكون ، ثمة ، ديمقراطية ، بدون شكل ، أو تنظيم ، لأن الشكل ، أي التعبير ، الظاهر ، المادي ، هو الدليل الوحيد ، على ، أن هناك ديمقراطية ، فبدون تنظيم ديمقراطي ، لا توجد ديمقراطية ، ولو ، كان الشعب ، كله ، من الفلاسفة الصالحين ، فإذا ، كان الأساس الأول ، للديمقراطية ، حرية تبادل المعرفة ، بالمشكلات ، فلا يمكن ، أن يتم تبادل تلك المعرفة ، أي التفاعل الجماعي ، للآراء الفردية ، إلا ، داخل نظام ، ييسر للناس ، أن يجتمعوا ، وأن يتبادلوا الرأي ، كتابة ، أو شفوياً ، وتعتبر التنظيمات الجماهيرية ، بكل ما تتضمنه ، من أجهزة ، في خدمة آراء أعضائها ، وبكل أنواعها ، واتساعها ، لكل الناس ، قمة ، الشكل الديمقراطي ، لحرية المعرفة ، كما ، تلعب ، وسائل التعبير ، والإعلام ، كالكتابة ، والخطابة ، والإذاعة ، والفنون ، دوراً أساسياً ، في ، الحياة الديمقراطية ، بقدر ما تكون ، في خدمة ، كل الآراء ، وبعد المعرفة ، بالمشكلات ، يأتي الحل ، كعنصر ، من عناصر ( أسلوب المجتمع في حل مشكلاته ) ، لهذا ، لا يمكن ، أن ، توجد ديمقراطية ، إلا ، إذا أعلنت الآراء ، والمبادئ ، وعرضت ، على الشعب ، ليتحدد الحل ، الذي ، يحل ، أغلب المشكلات ، ليتحدد ، حل الأغلبية ، لا يغني ، عن هذا ، الشكل ، أن ، يكون في جيب ، كل واحد ، منا ، برنامج كامل ، للعمل السياسي ، والاقتصادي ، والاجتماعي ، ولا يغني عنه ، أن ، يتصدى فرد ، أو أفراد قلائل ، لتخطيط الحلول ، ادعاء ، بأنهم ، أقدر على هذا ، من الشعب ، ليس ، في هذا شيء ، من الديمقراطية ، وعلى ، من يعتقد ، أن لديه ، حلاً ، لمشكلات الشعب ، أن ، يقدم الدليل على صحة اعتقاده ، والدليل ، المقبول ديمقراطياً ، أن يكون ، الحل المقترح من قبله ، حلاً ، لمشكلات الناس ، كلهم ، أو ، أغلبهم ، ولا طريق إلى معرفة ، هذا ، إلا ، بالرجوع ، إلى الشعب نفسه ..

 

( 80 )

 

الدرس الثامن : أن ، الحرية ، للإنسان وحده ، ولكل إنسان ، والديمقراطية أسلوب المجتمعات ، في التطور ، وفي حل مشكلات الإنسان ، في المجتمع ، كل ، إنسان جدلي ، وكل ، مجتمع متطور ، حتماً ، لأن ، الإنسان الفرد ، أو الإنسان ، في المجتمع ، لا يفلت من قانونه النوعي .. ، وبعد هذا ، لا تستوي المشكلات ، في حدتها ، ولا تستوي الحلول ، في صحتها ، ولا تستوي المقدرة ، على العمل ، في ، كل مجتمع ، ..كذلك ، لا يستوي الناس ، في قدرتهم ، على ممارسة ، الجدل : لا يستوون ، في الوعي ، الذي ، يدركون من خلاله ، المشكلات ، إدراكاً علمياً ، على ضوء صلاتها ، بالماضي ، والمستقبل ، وعلاقتها بالظروف ، ولا يستوون ، في معرفة ، الحلول .. أي ، لا يستوي الناس ، في قدرتهم الجدلية ، ولو ، كانوا ، كلهم جدليون .. ولما ، كانت المقدرة الجدلية السليمة ، متوقفة ، على صحة المعرفة العلمية ، لتلك المشكلات ، والمقدرة على تنفيذ تلك الحلول ، بالعمل ، تنفيذاً كاملاً ، بما يتطلبه هذا من جهد بشري ، وأدوات صناعية ، وإمكانيات طبيعية ، فإن ، مدى تطور ، أي ، مجتمع ، يتوقف على مدى حرية الأفراد ، فيه ( حرية المعرفة ، ثم حرية الرأي ، ثم حرية العمل ) ، وشمول ، هذه الحرية ، كل المشكلات ، وكل الحلول ، وكل أنواع العمل .. تلك ، هي ، الحرية ، والديمقراطية ، في “جدل الإنسان” قد ، تكون متفقة ، في كثير من جوانبها ، مع ما تعلمته البشرية ، خلال دروس الصراع المرير ، ضد العبودية ، والاستبداد ، وأنها ، لمتفقة ، كما سنرى ، من تاريخ نضال الإنسان ، في سبيل الحرية ، ولكن مميزها ، أنها ، تطبيق لمقياس واضح ، ومحدد ، وليست استنتاجاً من ملاحظات تاريخية منتقاة على ما قد يهوى المؤرخون ، قد ، نستطيع ، على ضوئها ، أن نفهم التاريخ ، وأن نحكم على النظم ، ولكن ، استنادها إلى ، قانون علمي ، يجنبنا المغالطة ، في تفسير التاريخ ، والنظم ..

 

( 81 )

 

الدرس التاسع : إذا كانت الأمة ، تكوين اجتماعي ، من ، شعب معين ، وأداة معينة ، خاصة ، به ، ومشتركة فيما ، بين أفراده ، فإن ، هذا يضيف إلى مفهوم السيادة ، مضموناً جديداً ، هو ، المشاركة التاريخية ، فيما ، بين ، الأجيال المتعاقبة ، من الشعب ، وننتهي ، إلى عدم شرعية تنازل الشعب ، أي ، جيل من الشعب ، عن السيادة ، على الأرض ، وأن شرعية الدولة ذاتها ، منوطة ، باتفاق نطاقها البشري ، والإقليمي ، مع التكوين التاريخي ، للمجتمع .. فعندما ، نكون ، في مواجهة ، أمة ، فإن وحدة الوجود القومي ، تحتم وحدة الدولة ، فيها ، بمعنى ، أن “الدولة القومية” ، التي تشمل الشعب ، والوطن ، كما ، هما ، محددان تاريخياً ، هي وحدها ، التي تجسد سيادة الشعب ، على وطنه القومي ، ومشاركته التاريخية ، فيه ، وهي ، لابد ، أن تكون شاملة البشر ، والأرض ، جميعاً ، لتكون ، دولة قومية ، مكتملة السيادة ، إذ ، عندما ، يخرج عن نطاقها ، أي جزء من الشعب ، يكون هذا الجزء ، قد حرم ، من ممارسة سيادته ، على وطنه ، وعندما ، يخرج عن نطاقها ، أي ، جزء من الوطن ، يكون الشعب ، قد ، حرم من ممارسة سيادته ، على ذلك الجزء من الوطن .. ، إن وحدة المصير القومي ، تعني ، أن ثمة وحدة موضوعية ، قد نعرفها ، وقد لا نعرفها ، بين ، كل المشكلات ، التي يطرحها واقعنا القومي ، أياً كان مضمونها ، وأنها ، بهذا المعنى ، مشكلات قومية ، لا يمكن ، أن تجد حلها الصحيح ، إلا ، بإمكانيات قومية ، وقوى قومية ، في ، نطاق ، المصير القومي ، ومؤدى هذا ، أن وحدة الدولة القومية ، شرط لازم ، لإمكان ، معرفة حقيقة المشكلات الاجتماعية ، في المجتمع القومي ، ولإمكان معرفة حلولها الصحيحة المحددة موضوعياً ، بالواقع الاجتماعي ذاته ، وتنفيذ تلك الحلول ، في الواقع ، إن هذا ، لا يعني ، أن الناس في ، “الدولة القومية” ، سيعرفون ، حتماً ، حقيقة المشكلات الاجتماعية ، وحلولها الصحيحة ، أو أنهم ، سيحلونها فعلاً ، إنما ، يعني أن كل هذا ، سيكون متاحاً ، لهم ، في “الدولة القومية” ، أما ، الباقي فيكون متوقفاً ، على مقدرتهم ، على الانتفاع ، به …

 

( 82 )

 

الدرس العاشر : أن الديمقراطية ، هي ، الحصانة ، ضد البيروقراطية ، إذ ، بإطلاق حرية الرأي ، وممارستها ، على أوسع نطاق ، وبدون خوف ، يعرّي المسروقين ، السارقين ، ولا يجد البيروقراطيون ، أحداً ، ينافقونه ، إلا الجماهير ، ذاتها ، وتلك ، أول الطريق ، لتدربيهم ، على احترام الذين يدفعون ، لهم ، أجورهم ، إن آخر شيء ، يمكن ، أن يكون مجتمعنا المتخلف ، وأي ، مجتمع متخلف ، في حاجة إليه ، هو ، حصانة موظفي الدولة ، لأن ، المشكلة في مجتمعنا المتخلف ، ليست ، كيف نحمي الموظفين من التطاول عليهم ، والمساس بهيبتهم ؟ ، ولكن ، كيف يتعلم الشعب العربي ، الجرأة ، في المطالبة ، بحقوقه ؟ ، وكيف يتعلم الموظفون ، أن يهابوا الناس ؟ ، وكيف يتعلم المثقفون احترام الشعب ؟ ، بدون هذا ، بدون ، هذا التدريب الديمقراطي الشاق ، على الممارسة الديمقراطية ، سيكون الشعب العربي معزولاً ، في دولته ، يخشى حكامه ، وينافقهم ، يتجمع ، إذا ، دعوه ، وينفض ، إذا ، أمروه ، ويدلي برأيه ، إذا طلبوا رأيه ، ولكن ، على ما يريدون ، وبما يريدون ، ويغيّر رأيه ، إذا أرادوا ، وإذا ، بدولة الوحدة ، ليست ، دولة الشعب العربي ، بل ، دولة الذين أقاموها ، ليحكموا ، بها ، وعندما ، تكون على هذا الوجه الرديء ، لا تكون ، دولة قومية ، ولو ، أسميت دولة عربية ، لأنها ، لا تكون دولة قومية ، أي ، دولة الأمة العربية ، إلا بقدر ، ما تكون أداة الشعب العربي ، في تطوير واقعه ، أي ، بقدر ما تكون ، دولة ديمقراطية ..

 

( 83 )

 

الدرس الحادي عشر : أن ، الديكتاتورية ، نظام ، غير مشروع ، لأنه فاشل ، لا في تحقيق غاية التطور الاجتماعي ، فحسب ، بل ، لأنه ، فوق هذا ، قبله ، وبعده ، فاشل ، في معرفة ، حقيقة غاية التطور ، كما هي محددة موضوعياً ، في مجتمع معين ، في مرحلة تاريخية معينة ، وفاشل في ، ما يجب أن يستهدفه النظام القانوني الوضعي ، في المجتمع ، حتى ، لا يكون القانون ، فيه ، مستهدفاً ، غاية الحاكمين ، وأول ، غاية الحاكمين ، وآخرها ، أن ، يبقوا في الحكم ..

 

( 84 )

 

نكتفي ، بما نقلناه ، عن الأصل ، كما ، صاغه عصمت سيف الدولة ، في العقد السادس ، من القرن العشرين ، وإن ، كان هذا لا يكفي ، لهذا ، فإننا نقترح ، أن يكون ، ذلك الأصل الفكري ، جزء ، لا يتجزأ ، من وثائق “الطليعة العربية” ، تأسيساً ، وبناء …

على ، أية حال ، لابد ، ونحن نؤسس ، للطليعة العربية ، في القرن الواحد والعشرين ، أن نؤكد ، أننا ، نؤسس لمشروع نهضوي عربي ، وأننا ، في الوقت ذاته ، نؤسس لمشروع إنساني شامل ، الأمة العربية جزء منه ، تؤثر ، وتتأثر وتتفاعل ، لا تعتدي ، ولا ترضخ للعدوان ، وهذا ، يرتب على “الطليعة العربية” ، موقفاً ، ورؤيا ، للكون ، وللعالم ، ولكوكب الأرض ، وما يحيط بها ، ثم ، ماذا يرتبّ ، هذا كله ، على “الطليعة العربية” ، لتنهض بالأمة العربية ، وتؤدي دورها ، كأمة رسالات حضارية ، وإنسانية .. ، وإذا ، كنا ندرك ، أن ، تلك المهمة ، فوق طاقة أي فرد ، وأن ، تلك ، المهمة مفتوحة على الماضي ، ومواكبة المستقبل ، بمعنى ، أنها ، وإن كانت ، مهمة ، محددة ، بالمكان ، والزمان ، فإنها شاملة ، وممتدة ، تضيف ، على معارف البشرية ، ولا تكف عن الإضافة ، والتصويب ، وتأخذ من معارف البشرية ، ولا تكف عن الأخذ ، والتدقيق ، وتتحالف مع قوى الحرية ، في العالم ، لمواجهة التوحش ، والتلوث ، والعدوان ، من أي مصدر ، أتى ، وتساهم ببناء نظام عالمي ، يحقق العدل ، والمساواة ، بين ، بني البشر على مختلف مشاربهم ، من الآن ، وإلى ، ما لا نهاية ، أو ، إلى نهاية لا ندركها ، على أية حال .. ، لكن ، لابد ، للطليعة العربية ، أن تمتلك ، وابتداء من لحظة التحضير ، والتأسيس ، مشروع رؤية ، محددة ، متماسكة ، خاضعة ، للحوار ، والتدقيق ، والتمحيص ، من ، مؤسسات “الطليعة العربية” ، التي ، ستتميز ، بمنهجها الديمقراطي ، والمفتوح ، بمعنى ، أن ، مؤسسات “الطليعة العربية” ، ستضع ، بين أيادي الطليعيين العرب ، كل جديد ، ولن تحجب الآراء ، مهما كانت ، بل ، ستكون ، الآراء على تنوعها ، موضوع حوارات جدية ، على كافة المستويات ، وستحدد مراجعات دورية ، لبرامج “الطليعة العربية” ، وأسسها الفكرية .. لهذا ، كله ، وبناء عليه ، سنقدم مسودة ، أو مشروع موقف ـ من بعض القضايا الهامة ، التي ، تشكل محور الاختلاف ، والخلاف ، على الصعيد القومي ، للأمة العربية ، وعلى الصعيد الإنساني ، الشامل .. وذلك ، لأننا ، نعتقد ، أنه لابد أن يكون للطليعة العربية ، هوية ، تميزها … ونقصد ، هوية تمييز ، لا هوية امتياز …

1- فما هو موقف “الطليعة العربية” ، من ، التكوين ، وتحولاته ، ومن التاريخ البشري ، وجدليته ..؟

2- ما هو موقف “الطليعة العربية” ، من الأديان السماوية ، وغير السماوية ..؟

3- ما هو موقف “الطليعة العربية” من الوجود القومي ” للأمة العربية” ، تكويناً ، ومآلاً ..؟ وموقفها ، مما ، يسمى أقليات في الوطن العربي ..؟

4- ما هو موقف “الطليعة العربية” ، من الواقع العربي الراهن ، وكيف تتعامل مع مؤسسات “الدول الفعلية” القائمة ، في الوطن العربي ..؟

5- ما هو موقف “الطليعة العربية” ، من الأوضاع الاجتماعية السائدة ، في الدول العربية ، وموقفها ، من مصادر الإنتاج ، ومن وسائل الإنتاج ..؟ ومفهومها ، لإلغاء استغلال الإنسان ، لأخيه الإنسان ؟

6- ما هو موقف “الطليعة العربية” ، من ، الأراضي العربية المحتلة ، من الغير ..؟

7- ما هو موقف “الطليعة العربية” من المؤسسات الدولية ، والنظام الدولي ، والقانون الدولي ..

أما بعد .. فإننا ندرك ، أن عشرات الأسئلة الملحة ، تتفرع عن الأسئلة المشار إليها … ، فلنبدأ ، بمحاولة الإجابة ، قدر ما يطيق هذا المكان التأسيسي ، للطليعة العربية …….

 

( يتبع …”20″ … البيان … )

 

* حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء
46
يكتبها : حبيب عيسى

البيان … “20” …

“الطليعة العربيـــــــــة”
غياب المنهج
مشكلات ، وحلول مستحيلة …

( تتمة… “20”… البيان … )

 

(85)

إن ، البحث ، في ضرورة المنهج ، ومن ، ثم ، النظرية ، ليس ترفاً فكرياً ، أو ثقافياً ، وإنما ، هو حاجة ملحة ، كما ، أن المنحى ، الذي أتخذه عصمت سيف الدولة ، في إبداع منهج “جدل الإنسان” ، لم يكن نابعاً ، من الرغبة ، في خصوصية ، ما ، سواء ، كانت ، شخصية ، أو دينية ، أو أثنية ، أو قومية …….، والقضية ، لا تتعلق،أيضاً ، بأفكار محلية ، أو مستوردة ، فالفكر الإنساني ، الذي ، يتعلق بالعلوم الإنسانية الأساسية ، عن ، الوجود ، والجيولوجيا ، أو البيولوجيا ، أو الفيزياء ، أوالكيمياء ، والكون ، أو سيكولوجيا الإنسان ، أو سيسيولوجيا المجتمعات ، لا يمكن أن تحده أية حدود ، فالعلوم الأساسية ملك للبشرية جمعاء .. ، حتى ، في الزمان الغابر ، عندما كان الاتصال ، بين البشر ، متعذراً ، كانت تلك العلوم ، وحتى الأفكار ، والرؤى ، والعقائد ، تتسلل ، وتنتشر ، بين البشر .. فكيف ، يمكن أن يتم الحديث اليوم ، عن العزلة ، في زمن ، بات العالم ، كله ، بعلومه ، ومعارفه ، متوفر ، على ، شاشة صغيرة ، في ، كل بيت ، من القصور ، إلى الأكواخ ، على ، أرض هذا الكوكب ..
نعم ، هناك ، وفي كل علم اجتماعي ، وإنساني ، خصوصية ، ما ، لكل مجتمع ، لكن ، تلك الخصوصية تتعلق ، بالعلوم الفرعية ، وبخصوصية المشكلات ، في كل مجتمع ، فهي ، تتعلق بالتاريخ والجغرافيا ،لذلك المجتمع ، في الإطار الكوني الشامل ، لكن ، العلوم الأساسية ، المتعلقة ، بالعلوم الكلية ، حول الكون ، والكائنات ، والإنسان ، فهي شاملة ، لهذا الكوكب ، وتتجاوزه إلى حيث يمكن أن تصل الرؤى ، والخيال البشري ، وإلى ، حيث تصل المجسّات ، التي يرسلها الإنسان ، متجاوزاً الغلاف الجوي ، لكوكب الأرض …
وبالتالي ، فإن الفكر البشري ، يأخذ طابعاً تراكمياً ، وهو نتاج ، لذلك الكائن النوعي ، الذي أسمه الإنسان … وتلك العلوم ، ملك البشرية ، جمعاء ، لا يمكن ، حصرها ، بقوم ، أو أمة ، أو قارة ، قد ، يسبق البعض ، البعض الآخر ، في المعرفة ، لكن المعرفة ، فور تحققها ، لا يمكن ، زجها في ، الزنازين المنفردة ، لزمن طويل ، وبقراءة سريعة ، للمراحل التاريخية ، نجد ، دون عناء ، أن الإنسان ، في كل حقبة زمنية مّر فيها ، أنتج ، أفكاراً ، ورؤى ، وحضارة ، وترك آثاراً ، وأوابد ، على الأرض ، اعتقد معها ، أنه أمتلك الحقيقة المطلقة ، ثم ، وفي حقبة لاحقة ، تكتشف الأجيال التالية ، ما يتجاوز ذلك ، إلى معارف جديدة ، وهكذا ، في تجاوز مستمر ، ومتصاعد .. وهذا ما نطلق عليه ، التطور ، وهو ، خاص بالإنسان ، وحده ، يحققه في الواقع ، من خلال التعامل الإيجابي مع المشكلات ، معرفة ، ثم اختراعاً للأدوات ، والوسائل ، ثم تهيئة للظروف المناسبة ، ثم ، حشد الإمكانيات البشرية ، والمادية الضرورية ، ثم ، الإقدام على التنفيذ ، بالعمل ، ثم ، وقبل أن يحتفل الإنسان ، بحل المشكلات القائمة ، تظهر ، على الفور ، مشكلات جديدة ، فيبدأ الإنسان ، البحث لإيجاد الحلول ، لها ، وهكذا ، في متوالية هندسية ، تتابع فصولها ، طالما ، أن الإنسان ، موجود ..!

( 86 )

في ، منتصف القرن العشرين ، كان المشهد ، في العالم كله ، شديد الاضطراب ، الفوهرر ، أدولف هتلر ، نقض ، “الحلف المسيحي المقدس” ، الذي ، كان ، قد صاغه الأوروبيون ، المنفلتون ، من عصر الدوقيات ، والإقطاع ، في أوربا ، إلى السيطرة على ثروات العالم ، والتحكم فيها ، وذلك ، في القرن التاسع عشر ، ثم ، تطور ، ذلك الحلف ، مع الربع الأول من القرن العشرين إلى عصبة الأمم ، ذلك ، أن الفوهرر ، لم يرسل جيوشه إلى الهند ، أو إلى بلاد العرب ، أو إلى بلد ، مما يسمونه العالم الثالث ، ليتقاسم “الكعكة” ، مع المستعمرين الأوروبيين الآخرين ، في الغرب ، أو المتعطشين لنشر الشيوعية ، في الشرق ، أو ، مع الرأسمالية الجائعة ، والنشطة ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، الفتية ، وإنما ، وجّه مدافعه ، وحّرك مدرعاته ، وطائراته ، وبوارجه ، باتجاه تلك العواصم الأوربية ، مباشرة ، فتكاتفوا عليه ، وهزموه ، مع من تحالف معه ، من اليابان إلى إيطاليا .. ، دعونا نتجاوز التفاصيل .. لنقول ، أن تلك المحطة ، التي أعقبت عبور الحرب العالمية ، الأوربية ، الثانية ، هي ، التي أسست للنظام العالمي ، الذي تأثرت به أمتنا العربية ، من المحيط إلى الخليج ، ومن تلك المحطة ، انطلقت الأحداث ، والأفكار ، ومنها ، وبناء ، على ما دار داخلها ، وحولها ، تم ، بناء الحياة السياسية ، والاجتماعية ، وحتى الفكرية ، والعقائدية ، في العالم ، وفي الوطن العربي ، خاصة ، لأن الوطن العربي ، للأسف الشديد ، لم يكن في موقع التأثير ، بإحداث العالم ، وإنما ، كان موضعاً ، للتأثر ، بها ، وكان وجوده ، وثرواته ، وحريته ، وسيادته ، واستقلاله ، على الطاولة ، التي تحلقّ حولها ، المنتصرون ، في الحرب ، وفي أقبية أجهزة مخابراتهم … ، الوطن العربي ، لم يكن مشاركاً ، في “يالطا” ، لكنه ، كان موضوعاً للصراع ، عليه ، وخرائط المواقع العربية بين المحيط والخليج ، كانت ، تتصدر جدران هيئات أركان جيوشهم ، ومواقع الثروات النفطية العربية ، المكتشفة ، والمحتملة ، تتصدر مكاتب الشركات الرأسمالية الكبرى.. أما الواقع ، على الأرض العربية ، فكان ، تراجيدياً ، إلى درجة كبيرة ، حيث ، تجاوزت الأحداث ، عتبة الاحتمال الإنساني ، ولم تكن نكبة 1948 ، إلا تعبيراً ، عن نكبات شملت أرض العرب ، وشّكلت كابوساً ثقيلاً ، على أبناء الأمة .. ، وهكذا ، جاءت ردة الفعل ، في عقد الخمسينات ، من القرن المنصرم ، بحجم الغضب ، والتحدي ، والمواجهة ، والمقاومة ، ورفع الصوت بــ لا ، قوية ، ومؤثرة ، صرخ بها جمال عبد الناصر فاحتضنته جماهير الأمة كلها متجاوزة كل الاعتبارات الأخرى … ، لكن البنية التحتية ، وبفعل عوامل ، لا حصر لها ، راكمتها عصور من الاستبداد ، والتخلف ، والاحتلال المباشر ، والهيمنة غير المباشرة ، والتخلف على الأصعدة ، كافة ، اجتماعية ، واقتصادية ، وثقافية ، وحضارية ، كل هذا ، جعل من ردة الفعل الهائلة تلك ، مجرد ، ردود أفعال ، بدأت تخمد بالتدريج ، حتى ، عندما وصل المشروع القومي العربي النهضوي ، التنويري ، التحرري ، إلى أوج صعوده ، وحقق ، قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة ، لم يهتد ، إلى الطريق ، الذي يثمرّ ، ذلك ، ويفعّله ، ويحّوله ، من ، ردة فعل آنية ، إلى نهج يراكم ، ويتطور ، ويطور الواقع .. باتجاه أهداف استراتيجية ، بحّت حناجر الجماهير العربية ، بالمطالبة ، بها ، لكنهّا ، ضلت الطريق ، الموصل ، إليها …!

( 87 )

هنا ، وجد التيار القومي النهضوي التنويري ، في الوطن العربي ، نفسه ، وجهاً لوجه أمام الأسئلة الصعبة ، لماذا ..؟ ، لماذا وقع الانفصال ..؟ ، لماذا لم نحصّن دولة الوحدة ، لتكون الدولة النموذج ..؟ لماذا ، تهزم الجماهير العربية ، العريضة ، من قبل قلة قليلة …؟ .. ، لماذا ، ولماذا ، وما العمل ..؟ .. وعشرات الأسئلة المصيرية ، التي تحولت ، في تلك الأيام ، إلى ما يشبه جلد الذات .. وتعددت الإجابات ، من داخل التيار القومي العربي ، ومن خارجه ، فالانكسار بدأ يلقي بظلاله ، على الواقع العربي ، ومحاولات الإنكار ، والتبرير ، لم تعد تجدي ، وبينما كان القوميون العرب ، يلملمون جراحهم ، ويسألون ، لماذا ؟ ، كانت الإجابات ، تنهمر عليهم ، من كل حدب وصوب ، وكانت ، بمجملها ، تصب على رؤوسهم ، كالسهام ، وبما يشبه القصف المركز ، لقد انهزمتم أيها القوميون العرب ، لأنكم ، لا تملكون منهجاً فكرياً .. ، لأنكم بلا نظرية .. ، لأنكم بلا تنظيم سياسي يوحد صفوفكم .. ، لأنكم عاطفيون ..؟ ، لأنكم تنساقون وراء فرد ، لأنكم علمانيون لا تفهمون الواقع ، لأنكم لستم علمانيين كفاية .. ، لأنكم مؤمنون ، بالله ، أكثر ، مما ينبغي ، لأنكم ، لستم مسلمين ، كما يجب ، فالإسلام هو الحل ..، لأنكم إصلاحيين ، ولم تحسموا موقفكم ، من ، الدين ، والغيبيات ، فالدين أفيون الشعوب ، لأنكم اشتراكيون .. لا ، لأنكم ، برجوازيون صغار ، لأنكم مؤمنين .. ، لا ، لأنكم ملحدين .. ، لأنكم مثاليين ، غيبيين ، لا ، لأنكم ، ماديين ملاحدة ، لأنكم عرباً ، لا ، لأنكم ، لستم عرباً ، من الأساس .. ، لأنكم تستمعون إلى أم كلثوم ، لا ، لأنكم من جماعة فيروز ، لأنكم مع اقتصاد السوق ، لا ، لأنكم مع وحدة قوى الشعب العاملة ، لأنكم لستم مع ديكتاتورية البروليتاريا ، لأنكم لا تتبنون نهج الاشتراكية العلمية ، لا، لأنكم لستم مع الليبرالية ، والحرية الاقتصادية ، لأنكم لستم ديمقراطيين ، لا ، لأنكم لم تحسموا موقفكم مع الديمقراطية الشعبية .. ، لأنكم إقليميين ، لا ، لأنكم لستم إقليميين ، لأنكم طوائف ، لأنكم مذاهب ، لأنكم أثنيات ، لأنكم أديان ، لا ، لأنكم تجاوزتم ، مذاهبكم ، وطوائفكم ، وإثنياتكم ، وأديانكم ، لأنكم مع نظرية داروين ، لا ، لأنكم ترفضون نظرية داروين ، ولا تحترمون جدكم القرد .. ، لأنكم مجتمع ذكوري ، لأن النساء عندكم يرتدين الحجاب ، لا ، لأنهن يخرجن سافرات ، لأنكم ترتدون الجلباب ، لا ، لأنكم تغربتم ، وترتدون البنطال ، وربطة العنق .. لأنكم تأكلون الفول ، والطعمية .. ، لا ، لأنكم تنكرتم لتاريخكم ، وتأكلون الهمبرغر ، والبيتزا ، لأنكم حلقتم ذقونكم ، لا ، لأنكم أطلقتم لحاكم ، ولم تحلقوا شواربكم أو العكس ، لأنكم ابتدعتم فكرة دول عدم الانحياز ، ولم تنحازوا للمعسكر الاشتراكي ، أو للمعسكر الليبرالي الديمقراطي الغربي …. ، لأنكم لم تقيموا الدولة الإسلامية ، لا ، لأنكم لم تتحرروا من فكرة الدولة الدينية ، لأنكم تتغنون بحضاراتكم السالفة ، لا ، لأنكم تغربتم عن الواقع ، وتجاهلتم حضارة الأجداد .. لأنكم لم تتعاملوا بواقعية مع الدول الفعلية القائمة في الوطن العربي ، لا ، لأنكم تتعاملون مع تلك الدول الإقليمية التي صنعها المستعمر ، لأنكم .. ولأنكم ..، حتى ، بات العربي ، فاقداً الرؤيا ، لأنه يتلفت إلى الوراء ، خائفاً من أتفه مخبر حقير يلاحقه … ، وكان ، على جيلنا ، في خضمّ المعارك الساخنة ، أن يجيب على كل تلك الأسئلة ، وأن يصرف النظر ، عن الفعل ، في الواقع ، وأن يتركه فريسة ، للأعداء ، يستبيحونه .. ، بينما ، في ظل صعود التيار القومي العربي ، النهضوي ، كان البحث ، عن ، التوحد في الوطن ، ووسائل التحرير ، والأمة ، والمشروع الحضاري ، وأيهما ، أولا ..؟ ، الوحدة ، أم ، الاشتراكية …؟ ، هل ، التحرير ، طريق الوحدة ، أم ، الوحدة طريق التحرير …؟ ، ماذا نختار ، الشرعية الثورية ، أم ، الشرعية الدستورية ..؟ ، تلك كانت الهواجس ، أما ، في ظل فترات ، الانحسار ، والانكسار ، الممتدة ، فإن البحث ، بات ، عن عوامل الفرقة ، والتفتيّت ، ومن ، يكفرّ ، من ، ومن يمتلك وكالة عامة ، من الله سبحانه وتعالى ، لتمثيله ، وإخضاع الناس على الأرض ، وهكذا ، بات ، على المواطن العربي ، أن ، يخفض رأسه ، ويشيح ، ببصره ، عن الواقع … ، فقط ، عليه ، أن يخضع ، لمن ، يمتلك القوة المادية ، وإذا أراد ، أن يتمرد ، فله ، أن يخضع ، لمن يدعي امتلاك القوة الألاهية ، وسد السبل أمام ، أي ، خيار ثالث ، ذلك ، هو الهاجس ، منذ انكسار مشروع النهضة العربية ، وحتى الآن ..

( 88 )

نقرّ ، بداية ، أن تلك الأسئلة ، والأجوبة ، والافتراضات ، لم تولد ، مع بداية فترة الانحسار ، والانكسار ، ولكن ، مع بداية الانحسار ، التي ترافقت ، مع انفصال الإقليم الشمالي ، عن ، الجمهورية العربية المتحدة ، انكشفت الأسئلة ، التي ، كانت ، قد تراجعت ، أمام حماسة ، واندفاع المشروع القومي العربي ، النهضوي ، ثم عادت ، تلك الأسئلة ، إلى الصف الأول ، مع بداية الانحسار ..
هكذا ، كان على جيلنا ، في خضم المعارك الساخنة ، حول الطريق إلى الوحدة العربية ، وتحرير فلسطين ، والعدالة الاجتماعية ، والتنمية ، وتحرير الأراضي العربية المحتلة ، بين ، المحيط ، والخليج ، أن يجيب ، على عشرات الأسئلة ، وأن يحدد موقفاً ، من عشرات القضايا ، التي أثيرت ، بحسن نية ، أحياناً ، وبسوء نية ، أكثر الأحيان .. ، وأعادت المشروع ، القومي العربي ، النهضوي ،التنويري ، إلى خط البداية ، باعتبار أنه ، لا يمكن ، أن يكون مشروعاً ، سياسياً ، نخبوياً ، حماسياً ، وإنما ، وبسبب من التعقيدات الكثيرة ، والمتشعّبة ، لا مفر ، من أن يكون مشروعاً ، جماهيريا ، نهضوياً ، شاملاً شتى مظاهر الحياة العربية ، ومدققا في عواملها ، وتفاصيلها ، ولا مهرب ، من الإجابة ، على جميع الأسئلة .. وقد تبرعت ، جميع القوى الفاعلة ، والمؤثرة ، في الوطن العربي ، بل ، وفي العالم ، كله ، بتقديم الإجابات ، البريئة أحيانا ، والمسمومة ، أكثر الأحيان ، إلى التيار القومي العربي ، الجماهيري ، الكاسح ، وكان عليه ، أن يختار ..

( 89 )

لكن ، وقبل الدخول ، في طبيعة الإجابات ، والاختيارات ، لابد من التوقف ، ولو للحظة واحدة ، وباختصار شديد ، أمام الظروف ، التي سادت ، بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي انعكست ، بكل ، ثقلها ، وتبعاتها ، على الواقع العربي ، فكراً ، وممارسة ، ودولاً .. ونلخصّها ، بما ، يلي :
1 – نظام عالمي جديد ، في حينها ، بات “قديماً” ، الآن ، تمّثل ، في هيئة الأمم المتحدة ، أعطى المنتصرين ، في الحرب العالمية الثانية ، حق ( الفيتو ) ، وبالتالي ، نصّبهم ، قيمّين ، على ، المجتمع الدولي ، والقانون الدولي ، والعالم ، ببشره ، وأرضه ، وثرواته ..
2 – مؤتمر يالطا ، الذي وضع العالم ، كله ، تحت ، هيمنة ثنائية قطبية ، نظمّت العلاقة ، تعايشاً ، بين القطبين ، وتركت الصراع ، مفتوحاً ، بينهما ، على ، ما أسموه ، العالم الثالث ، الذي تحول إلى ساحة ، للصراع بين القطبين ..
3 – محاولة جنينية ، من قبل ، القادة الحقيقيين ، في العالم الثالث ، للتمرد ، على عنصرية المنتصرين ، في الحرب الثانية ، وتحرير ، وتحويل ، ما سمي ، العالم الثالث ، من ساحة ، للصراع ، بين القطبين ، إلى ، قوة ثالثة ، تأخذ بعين الاعتبار ، المصالح الوطنية ، والقومية ، لشعوب العالم الثالث ، تحت أسم ، دول عدم الانحياز ، أو ، دول الحياد الإيجابي ..
4 – تم اختراق مؤسسات ، دول عدم الانحياز ، من قبل القطبين السائدين ، وارتفعت نغمة الاستقطاب الدولي ، وتم ، تنظيم الحرب الباردة ، والتعايش السلمي ، بين القطبين ، وتصدير الحروب الساخنة ، بينهما ، إلى دول العالم الثالث ، بالتزامن مع انهيار المشروع ، النهضوي ، القومي العربي ..!
ما يعنينا ، هنا ، هو ، كيف انعكس ذلك ، كله ، على الحركات ، والتوجهات الفكرية ، والسياسية ، في الوطن العربي ..؟ وما هي ، الإيديولوجيات ، والعقائد ، التي أثرّت ، وتفاعلت ، مع الواقع العربي ، وكانت معنية ، بالأسئلة ، والإجابات ، والتحديات ، التي أشرنا ، إليها ..؟ ، والتي يمكن أن نصنفها ، لضرورة البحث ، في ملفات أربعة :

( 90 )

- الملف الأول : ويتضمن “الإيديولوجيا” ، التي اعتمدها ، ما سمي المعسكر الاشتراكي ، الذي يشكل القطب الشرقي ، في ، الحرب الباردة ، وبما ، كان يعنيه ذلك ، في حينه ، من إغراء ، بالمساواة ، والأممية ، وإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، إضافة ، إلى تجارب حية ، وفاعلة ، تمكنت ، من تشكيل قطب قوي ، ينافس على الفضاء ، وينافس ، في العالم الثالث .. لكن ، في العمق ، كانت هناك مشكلات معقدة ، تعددت الاجتهادات ، في مواجهتها ، وتشكلت ، على أثرها ، مذاهب ، وطوائف ، وأئمة تدعيّ كل منها ولاية الفقيه، في الماركسية ، تتناقض مواقفهم ، من ، تروتسكي ، إلى لينين ، إلى ستالين ، إلى ماوتسي تونغ ، إلى كيم أيل سونغ ، وكاسترو ، وجيفارا ، ثم إلى خروتشوف ، وبريخيف ، وحتى ، بروتوسترايكا غورباتشوف .. وقد تحولت ، تلك ، المذاهب ، والمدارس ، إلى مؤسسات حزبية سياسية ، في الوطن العربي ، بعدد ، الأئمة ، المشار إليهم ، والذين أغفلنا ذكرهم لضيق المساحة ….. ، تقدم أفكارها ، وخدماتها … ، لحل ، مشكلة المنهج ، عند القوميين العرب ، النهضويين ، من قبل ، أول التروتسكيين ، إلى آخر الماويين .. ، والغورباتشوفيين …!

(91 )

- الملف الثاني : ويتضمن الأيديولوجية ، التي ، بني عليها ، ما سمي المعسكر الليبرالي ، الذي شّكل ، القطب الغربي ، في الحرب الباردة . بما ، كان يعنيه ، من تقدم ، وحضارة ، وحرية ، و ديمقراطية، وتجارب حية ، تشهد على تقدم المجتمعات ، في ذلك المعسكر. ينافس المعسكر الاشتراكي ، في الفضاء ، وينافس في العلم الثالث على الأرض ، لكن ، في العمق ، كانت ، هناك مشكلات معقدة ، بعد أن التهمت الرأسمالية ، أحلام الحرية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، وبدأت أصوات الاحتجاج ترتفع ، حتى في داخل ذلك المعسكر ، وباتت عشرات الأسئلة تطرح بإلحاح ، في ظل غياب إجابات مقنعة ، وتعددت الاجتهادات ، في مواجهتها ، وتشكلت ، على أثرها ، مذاهب ، وطوائف ، في ، الليبرالية ، خاصة بعد أن التهمت الرأسمالية ، الجوانب الإيجابية ، من ، منهج الليبرالية ، تتناقَض مواقفهم ، من ، أول الأحزاب المسيحية ، إلى الخضر، إلى الأحزاب الوجودية ، والبوهيمية ، و الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، والمحافظين ، والعمال ، ومن ، منهم ، مع تدخل الدولة ..؟ ، ومن ، منهم ، مع كف يدها ، تماما …؟ ، المهم ، أنه ، تم استنساخ ، تلك ، المذاهب ، والأحزاب ، والمدارس ، في الوطن العربي ، أحزاباً ، وأفكاراً تقدم خدماتها، لحل مشكلة المنهج ، عند القوميين العرب ، في الواقع العربي…

(92)

- الملف الثالث : ويتضمن ، تلك الدعوة إلى الخصوصية ، والتمسك بالموروث ، الحضاري ، أو الديني ، أو الثقافي ، الذي أنتجته هذه الأرض العربية ، بكل ، ما يعنيه ذلك ، من أغراء ، لتحصين الأمة ، وهويتها ، بمواجهة الأفكار المستوردة ، وثقافة التغريب ، والتشريق ، وجيوش الاحتلال ، من أول المستوطنين ، إلى آخر الغزاة ، لكن ، المشكلات المعقدة ، في العمق ، أفرزت ، في مواجهتها ، مذاهب ، وطوائف ، وأئمة ، تتناقض مواقفهم ، من ، أول ، الذين رفعوا راية حضارات قديمة ، بهدف بعثها من جديد ، لأن ، التاريخ ، من وجهة نظرهم ، بدأ ، بها ، وانتهى عندها ، إلى ، آخر ، الذين رفعوا راية المؤسسات ، الدينية ، والقبلية ، والإقليمية ، والطائفية ، والمذهبية ، حيث تنافسوا ، فيما ، بين بعضهم ، البعض ، إضافة إلى التنافس الحاد ، مع مكونات الملفين السابقين ، في تقديم الخدمات ، والأفكار الجاهزة ، والحلول النهائية ، لحل مشكلة المنهج عند القوميين العرب ..!
– الملف الرابع : ويتضمن دعوة توافقية ، تلفيقية ، بين ، مكونات الملفات الثلاثة ، المشار إليها ، بمعنى ، أن تقدم تلك المكونات المتناقضة في طبق واحد ، ثم ، يقال للقوميين العرب ، ببساطة ، ليس هناك ضرورة للبحث ، والتدقيق ، حيث ، لا جديد تحت الشمس ، فكل ميمكن أن يقال في موضوع المنهج قد قيل ، وانتهى ، فخذوا من تلك المناهج ما يحلوا لكم ، وما يتوافق مع خصوصيتكم التي تتمسكون بها ، وارفضوا ، ما بعد ذلك ، فلماذا كل هذا العناء … ؟ ، كفوّا عن البحث ، وسايروا العصر ، واختاروا من الوجبات الجاهزة ، والسريعة ، ففيها كل مالذ ، وطاب .

( 93 )

إن ، ما تقدم الإشارة إليه ، هو ، موضوع بحث طويل ، لا يحتمله هذا المقام ، فقط ، أشرنا إليه ، مجرد إشارة ، للدلالة ، على تأثيره ، في موضوع بحثنا ، هذا ، تحديداً ، لاعتماد ، قاعدة ثابتة ، ننطلق منها ، وهي ، أن التصدي ، لحل المشكلة المنهجية ، والنظرية ، في التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، لم ، يكن مفتعلاً ، أو ترفاً ، أو بحثا ، عن تميّز ، أو امتياز ، وإنما ، كان ذلك ، ضرورة ، وحاجة ملحة ، لاستئناف مسيرة النهوض ، بعد الانكسار ، والانحسار ، والهزائم .. ، وتلك الضرورة ، وهذه الحاجة ، تزداد إلحاحا ، مع كل يوم يمّر ، دعونا ، الآن ، نحدد ، بدقة ، الموقف ، والخيارات ، في تلك المرحلة الحاسمة ، من التاريخ العربي المعاصر ، وهذا ، في منتهى الأهمية ، وجدير ، بأكبر قدر ، من الاهتمام ، فمع قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة ، وتعثرّ بناء دولة الوحدة ، كدولة ، نموذج ، وكقاعدة ، للانطلاق ، منها ، باتجاه المحيط ، والخليج ، ثم ، بداية الانكسار ، بانفصال ، الإقليم الشمالي ، عن ، العربية المتحدة ، وجد التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، نفسه ، في حالة ، من ، البلبلة الفكرية ، والمنهجية ، والنظرية ، فرغم ، كونه ، التيار الكاسح ، والعريض ، على صعيد الأمة بين المحيط والخليج ، وجد نفسه ينحسر ، ويتلقى الهزيمة ، إثر الهزيمة ، وفي حالة ، من العجز ، عن تحقيق أهدافه ، فبرزت الحاجة الملحة ، لحل المشكلة المنهجية ، والنظرية ، وتقدم أصحاب الملفات الأربعة ، السالفة الذكر ، يعرضون بضاعتهم ، وما لديهم ، فكرياً ، ونظرياً ، ومنهجياً ، وسّهل ذلك ، أن التيار القومي العربي العريض ، كان ، متنوعاً ، وشاملاً ، لمجموعات ، وأفراد ، ينتمون ، أصلاً ، لهذا المذهب ، أو ذاك ، في ذلك الملف ، أو في أي ملف آخر .. ، فقد التحقوا بالتيار القومي العربي ، في أوج صعوده ، قادمين ، إليه ، من ، أرومات مختلفة ، ومتباينة ، وعندما بدأ الانحسار ، بدأت معه ، حالة الانكفاء ، فرديا ، وجماعيا ، إلى الأوضاع ، السابقة ، على التوهج القومي ، فكانت النتيجة كارثية ، بمعنى ، أن التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، العريض ، والكاسح ، والمتنوع ، كان بحاجة إلى منظومة فكرية ، ومنهجية ، ونظرية ، تنظم صفوفه ، وتحدّد مساره ، وتحشد قواه ، باتجاه الهدف ، فلا يضل ، ولا ينحرف ، ولا يتوه ، في البرية .. ، وإذ ، بتلك الأفكار ، والمناهج ، والنظريات المنوه ، عنها ، تفعل ، فعلاً معاكساً ، بإعادته ، إلى حالة الشرذمة ، والتفتيت ، والتناحر ، الذي كان سائداً ، من قبل ، وتحول التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، من قوة فاعلة مؤثرة ، لها هيبتها ، إلى ساحة ، يلعب فيها ، الإقليميين ، والطائفيين ، والمذهبيين ، والدينيين ، والعلمانيين ، والقبليين ، والمؤمنين ، والملاحدة ، وإذ ، بهذا التيار العريض ، والواسع ، الذي كان يبحث عن ، هوية ، ومنهج ، ومسار ، بات ، بلا ، هوية ، بلا ، منهج ، بلا ، مسار ، فنهشت منه ، القوى ، التي كان قد حشرها في الزاوية ، نهشت كوادره ، وأنصاره ، فحركة القوميين العرب ، باتت ( حركات ) ، وحزب البعث العربي الاشتراكي ، انتهى إلى أحزاب ، ثم إلى .. ، والناصريون ، تفرقوا أنصاراً ، لهذا الحاكم ، أو ذاك ، أو معارضة ، لتلك الجماعة ، أو لهذا الزعيم ، أو ذاك …، ومع كل يوم كان يمضي ، على الانحسار ، كانت الصورة المأساوية تتظهّر أكثر .. ، فأكثر .. ، فالمقاومة العربية ، لتحرير فلسطين ، انتهت ، إلى فلسطينية ، ثم ، إلى ، غزاوية ، ورام الله ، ثم ، إلى مؤمنة ، وكافرة .. والمقاومة العربية ، في جنوب لبنان ، انتهت ، إلى مقاومة وطنية لبنانية ، ثم ، إلى مقاومة مذهبية ، ثم ، إلى مقاومة فصيل ، واحد ، من المذهب .. وهكذا ..!

( 94 )

هل ، يكفي ما تقدم ، لنقرر ، أن حل المشكلة المنهجية ، كان ضرورة ، وحاجة ملحّة ، للتيار القومي العربي ، النهضوي ، ثم ، لنقرر ، أن المناهج التي قدمت لحل المشكلة ، زادتها تعقيداً ، وأن المحاولات ، لما سمي ، تطوير تلك المناهج ، أو تعديلها ، أو للأخذ منها ، ما يناسبنا ، ورفض ما سواه ، أو ، التلفيق بين مناهج متناقضة .. ، هذا ، كله ، لم ، يجد ، نفعاً ، بل ، أدى إلى تشويه ذاتي ، وموضوعي ، وسيكولوجي ، وانتهى بنا ، إلى ما نحن عليه ..
لهذا ، فإن ، الذين تصدوا ، للمشكلة ، بإبداع منهج ، لمشروع النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، كانوا يستجيبون ، لحاجة ملحة ، بهدف ، حل مشكلة منهجية ، ليس ، في الوطن العربي ، وحسب ، وإنما ، على الصعيد الإنساني الشامل ، فحلم ، الاشتراكية ، وإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، التهمته النظم الاشتراكية ، في معسكرات الاستبداد ، والنفي ، والتفرد ، وحلم الحرية ، والديمقراطية ، الليبرالية ، والمساواة ، التهمته ، النظم ، الفردية ، والرأسمالية ، والاستعمارية ، وحلم عدالة الأرض ، وعدالة السماء ، في ، الأديان السماوية ، التهمته ، مذاهب التكفير ، والتلاعن ، والتخريب .. ، والإقصاء ، والاستئصال .. ، وهكذا ..
وإذا ، كنا ، قد اقترحنا ” منهج جدل الإنسان ” ، كما أبدعه عصمت سيف الدولة ، منهجاً ، لمشروع النهوض ، والتنوير ، من جديد ، في الوطن العربي ، وبالتحديد ، منهجاً ، للطليعة العربية ، فإننا ، لا نغفل ، في الوقت ذاته ، محاولات جادة ، وهامة ، أبدعها ، مفكرون أفذاذ ، نقدرّ ، ونحترم ، ونجلّ ، على هذا الصعيد ..، لكن ، لابد في النهاية ، من الاختيار ، وعلى ، أية حال ، سيبقى ذلك ، كله ، رهناً ، بالمؤسسات الديمقراطية ، للطليعة العربية ، المخولة ، وحدها ، بالتعمق ، والبحث في مختلف المناهج ، والإبداع حيث كان ذلك ممكناً .. ، ومن ، ثم ، تحدد ، منهجها ، الذي يغدو ، منهجاً ، ملزماً للطليعيين العرب ، اعتبارا من ذلك ، التحديد …
لكننا ، ولضرورة البحث ، فإننا ، سنعتمد ، ذلك المنهج ، في الإجابة على سائر الأسئلة ، التي طرحت ، والتي ، يمكن أن تطرح … ، ولكل ، أن يطرح ، ما يشاء ، نقول هذا ، كي نؤكد ، أن الطليعيين العرب ، الجدد ، لا يتهربون ، من الإجابة على الأسئلة المطروحة ، ولا يتوانون ، عن مواجهة المشكلات ، مهما كانت معقدة ، وأن ، ما تقدم من حديث ، كان ، لوضع قاعدة منهجية ، ننطلق منها ، في مواجهة التساؤلات ، والمشكلات ، معاً …
( يتبع … “21” … البيان … )

* حبيب عيسى
e-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بســــــــاط الثــــلاثاء
47

يكتبها : حبيب عيسى

البيان …”21″ …

“الطليعة العربية”
التكوين ، وتحولاته …
التاريخ البشري ، وجدليته

 

( تتمة …”21″ … البيان … )

( 95 )

كل ما نعرفه ، وما تعرفه البشرية ، حتى الآن ، أن ، الإنسان ، ومنذ أن ترك على هذه الأرض ، ما يعرّف ، عنه ، من مستحاثات ، ومخلفاتّ بشرية ، ثم ، منذ ، أن بدأ يعرفّ عن نفسه ، ويترك في الواقع ، آثارا ، وأوابد ، وأدوات ، ورسوم ، ومن ، ثم ، كتابة ، وعمراناً ..، وصولاً ، إلى هذه المرحلة التاريخية .. لم يكفّ ، قط ، عن البحث ، والاستقصاء ، يحاول ، أن يستقصي ، بخياله ، ما وراء الواقع ، الماثل أمامه ، بحثاً ، عن أصل هذا الوجود ، كيف ؟ ، ومتى ؟ ، وبماذا ؟ ، ومن أين ؟ ، وإلى أين ..؟!! ، ثم ، ما هي النواميس ، التي تحكم الظواهر ، والكائنات ، بما ، في ذلك الإنسان ؟ ، ما هو المصدر ..؟ ، وإلى أين المآل ..؟
لقد طوّر الإنسان أدواته ، للإجابة على تلك الأسئلة الصعبة ، ابتداء ، من الأدوات البدائية ، واستخدام ، الحوّاس ، والمدارك ، والخيال ، إلى عبادة النجوم ، والكواكب ، والحيوانات ، والحجارة ، إلى التدخل في تصنيع الآلهة ، عن طريق التصوير ، والنحت ، والتشكيل ، أو ما سمّي ، بالأصنام ، إلى عبادة الإنسان ، للإنسان فظهر ، بعض المتألهين ، أو ، الوكلاء ، الذين تمدهم الآلهة بقدرات خارقة ، وتوكلهّم على الناس ، يعتصمون ، في المعابد المخصصة ، لذلك ، أو ، في قصور المستبدين ، وقلاعهم ، ثم ، وزّع الإنسان الاختصاصات ، على ، الآلهة ، إله ، للحرية ، وأخرى ، للجمال ، وآخر ، للعواصف ، وهكذا .. ، وأنثهمّ ، وذكرهّم ، وبالتزامن ، مع ذلك كله ، كان الإنسان ، يراكم العلوم ، والمعارف ، وتتوسع مقدرته ، على الاستكشاف ، فيضيء ، على الكثير ، من المجاهيل ، ويحولها إلى معارف ، ثم يبني عليها .. ، لاكتشاف ، كنه ، مجاهيل أخرى ، وهكذا .. ، ومع ، كل اكتشاف ، أو كشف ، كان العلماء ، والفلاسفة ، والمفكرين ، يبنون على ما اكتشف ، فرضيات ، عن الكوكب ، والكون ، والمصدر ، والمآل .. ، إلى ، أن تنهار ، تلك الفرضيات ، أمام ، اكتشافات جديدة ، وفرضيات جديدة ، وهكذا .. ثم ، وبقدر ما كان الإنسان يتقدم في العلوم ، والاكتشافات ، بقدر ، ما كانت مجاهيل جديدة ، تبرز أمام ناظريه ، فيمد خياله ، إلى البعيد ، مفسراً ، أو مفترضاً ، أنه ، يفسر ، ما يعجز عقله ، وأدواته المتاحة ، ومكتشفاته العلمية ، عن تفسيره ، أو إدراكه .. وعندما ، كان خيال الإنسان ، يصطدم ، بحائط مسدود ، لا يعرف ما ورائه ، ولا يعرف ما وراء ، الوراء .. ، وفي ، الوقت ذاته ، تخذله الآلهة ، التي عبدها ، أو اصطنعها ، عن تقديم إجابات ، كان يرفع يديه إلى السماء ملتمساً أن تمطر عليه المعرفة ، والنواميس ، والرسائل ، والوصايا ، والآيات .. ، ولم تكن السماء تبخل ، بذلك … فتتابعت الرسائل السماوية ، إلى ، أن تلقى ، جدنا ، الرسول العربي ، محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه وسلم ، الرسالة الختامية ، من السماء ، إيذاناً ، وبلاغاً ، بانقطاع الخطاب الإلهي المباشر ، للإنسان ، من جهة ، وتوجيهاً ، له ، بأن على الإنسان ، بعد ذلك ، أن يعمل عقله ، ليكتشف النواميس ، التي تحكم الظواهر ، ويتصرف اجتماعياً ، وإنسانياً ، على مسؤوليته ، في الدنيا ، والآخرة .
وهكذا ، فإن الإنسان محكوم ، بالسعي إلى المعرفة ، محكوم ، بالسعي إلى الحرية ، بحكم قانونه النوعي ” الجدل ” ، يراكم المعرفة ، والعلوم ، جيلاً بعد جيل .. بخط بياني صاعد ، أبداً .. ، وهذا ، هو ، التطور الذي يبدعه الإنسان ، علماً ، ومعرفة ، في ذاته ، وتراكماً ، عبر الزمن ، في ، العلم ، وفي الواقع الموضوعي ، وفي الفضاء ، بالأدوات ، والوسائل ، والمعارف ، التي توفرت ، له ، عبر المراحل التاريخية المتعاقبة ، بدءاً ، من أغصان الشجر ، إلى العظام الحيوانية ، إلى الأدوات الحجرية ، إلى فرز المعادن .. ، وحتى المجسات الفضائية ، وعلوم ، الرياضيات ، والفيزياء ، والكيمياء ، والجيولوجيا ، وعلم الأحياء .. ومن المغائر ، والكهوف ، إلى ناطحات السحاب …، ومن ، ركوب الحمير ، والجمال ، إلى ، ركوب المركبات الفضائية …
( 96 )

وإذا ، كان تاريخ هذا الكوكب ، ما قبل الكائنات الحية ، ثم ، ما قبل البشر ، ثم ، التاريخ البشري ، على الكوكب ، سلسلة ، من الحلقات المترابطة ، متداخلة ، ومتصلة ، ونامية من مرحلة ، إلى أخرى ، بمعنى ، أن النسغ ، الذي يغذي ، كل ، مرحلة تاريخية ، ويعطيها هويتها ، وتميزها ، صاعد ، إليها ، من المرحلة التاريخية ، السابقة عليها ، التي ، نمت ، وتشكلت ، بدورها ، على النسغ الصاعد إليها ، من المرحلة التاريخية التي قبلها ، والممتدة ، رجوعاً ، إلى بداية نشوء هذا الكوكب ، في ذلك الكون .. ، تلك البداية ، التي ، يتساوى بني البشر ، حتى الآن ، علماء ، وجهلة ، مؤمنين ، وكفار ، في المعرفة العلمية ، لتلك البداية ، هناك فرضيات متعددة ، لذلك .. من فرضية الأرض ، التي تتربع ، بين قرني ثور .. إلى قصة الخلق في الديانات السماوية ، إلى آخر الفرضيات ، التي وضعها العلماء ، الذين مازالوا ، حتى هذه اللحظة ، ينفون فرضية سابقة ، لصالح فرضية جديدة ، ثم ينفون الفرضية الجديدة ، لصالح فرضية ، أكثر جدة .. وهكذا .. ، امتداداً ، إلى ، ما رتبه الفلاسفة على ذلك ، كله ، وبالتتابع عبر الزمان …
وإذا كان ذلك ، هو ، حدّ ، المعرفة ، الذي وصل إليه العقل البشري ، بالعلم ، أو بالإيمان ، بالفرضيات ، أو بالخيال .. فإن ، تلك الصيرورة ، للكوكب ، في هذا الكون ، عبر الزمان ، من النشوء ، الذي لا نعرف (علمياً ) … ، إلى ، المآل ، الذي ، لا ندري ( علمياً ) ، مرّكبة ، تركيباً ، معقدا ،ً عبر مراحل تاريخية ، متعاقبة ، لا يمكن تقسيمها ، تعسفياً ، إلى مراحل منفصلة ، بعضها ، عن البعض الآخر .. ، فإن ، العلماء ، والباحثين ، ولضرورات البحث ، تحدثوا عن عصور جيولوجية ، وأخرى مناخية ، وعصور بشرية ، تتعلق بتطور الإنسان ، ثم ، إلى عصور ، بحسب اكتشافات الإنسان ، عصر البرونز ، عصر الحديد ، عصر البخار ، عصر الذرة ، وعصر الفضاء ، وفيما يتعلق ، برؤية الإنسان ، لنشوء كوكب الأرض ، وللكون ، عموماً ، فإن القص ، عن ذلك ، النشوء ، لم يتوقف ، ولضرورة البحث ، أيضاً ، يمكن تصنيف ، ذلك ، في المصنفات التالية :
1 – عصر الكوكب المشتعل والرجم العظيم .
2 – عصر الشتاء الجليدي .
3 – عصر الكائنات الحية .
4 – عصر الإنسان البدائي .
5 – عصر الحضارات القديمة والديانات القديمة .
6 – عصر الديانات السماوية .
7 – عصر البحث العلمي .
( 97 )

تلك العصور ، كانت ، ومازالت متداخلة ، بمعنى ، أننا ، لا نتحدث عن تراتبية ، لتلك العصور ، فعصر البحث العلمي الذي صنفناه ( سابعاً ) ولد ، بدائياً ، مع الإنسان البدائي في حدوده الدنيا ، وطوّر الإنسان البحث العلمي ، بما يتناسب مع كل عصر ، من العصور التالية ، تمتد جذورها ، إلى ، لحظة التدخل الإنساني ، الواعي ، الأولى ، حيث ، تحول كل فعل إنساني ، في مرحلة زمنية ، ما ، إلى ” لبنة ” في صرح التاريخ البشري ، على هذا الكوكب ، الذي امتد عبر الزمن ، إلى هذا العصر ، الذي نعيش .. ، وبالتالي ، فإن تاريخ الكوكب ، الذي عرف البشر ، البعض اليسير ، منه ، لا ينفي ، بعضه ، البعض الآخر، وإنما ، هو ، عبارة عن عملية تراكم عمودي ، وامتداد أفقي ، فقصّ الإنسان البدائي ، ونتاج الحضارات القديمة ، والديانات القديمة ، والقص الديني السماوي .. ، وكذلك ، نتاج الإنسان ، من العلوم ، والعمران ، والفلسفة ، والفنون .. الخ ، تلك العصور ، جميعها ، بما فيها من إيجابيات ، وسلبيات .. ، من توحش ، وأنسنة .. ، من علم ، وجهل .. ، من إيمان ، وكفر .. مازالت متداخلة ، مع أحداث هذا العصر ، تتفاعل مع أحدث الاكتشافات العلمية الراهنة ، بحيث ، نجد هذا التنوع الشامل ، لمراحل التاريخ البشري .. جنباً إلى جنب ، على سطح ، هذا العصر ، الذي نعيش .. والذي ، سيرّحلها ، مع الإضافات ، الممكنة ، إلى العصور التالية …

( 98 )

وإذا ، كان لكل مقام ، مقال ، فإن المقام ، هنا ، ليس ، للبحث في نشوء الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان .. ، والعلوم ، والديانات ، والفلسفات .. ، فقد ، عبرت البشرية ، بمختلف الوسائل ، بدءاً ، بالإشارات ، ثم ، بالنطق ، ثم ، بالرسوم على أوراق الشجر ، ثم بالنقش على الصخور ، ثم بالحرف ، ثم ، بكتابة مليارات الصفحات ، بمختلف اللغات ، التي تعلمها بني البشر .. ، عن آراء ، ونظريات ، وافتراضات ، لا يمكن حصرها .. ، وباعتقادنا ، أن البشرية ، ستضيف ، في كل ثانية .. إجابات جديدة .. ، وستتوالد ، أمامها ، أسئلة جديدة ، تطرحها مشكلات ، متجددة ، أبداً ، تبحث عن حلول لها … ، وهكذا …!
المقام ، هنا ، ليس لاعتماد فرضية ، دون أخرى ، من الفرضيات المطروحة ، وليس ، لنقض الفرضيات المطروحة ، لصالح فرضية جديدة ، عن نشوء الكوكب ، والكون ، أو الأكوان .. وإنما ، يقتصر الموضوع ، هنا ، حصراً على موقف ” الطليعة العربية ” ، من هذه المسألة الشائكة ، بالتداعي إلى الكلمة السواء فيما بين الطليعيين العرب ، أنفسهم ، ثم ، بينهم ، وبين سائر المكونات الثقافية ، والاجتماعية ، والدينية ، والعلمية .. في مجتمعهم العربي ، والعالم .. ، وذلك ، سداً ، لذرائع الخلاف ، وتجنباً ، للمعارك الوهمية ، حول مسائل ، يتساوى الأطراف ، في الجهل ، بمكنوناتها ، ولكل واحد ، الحق ، في أن يقتنع بفرضية ” ما ” مطروحة .. ، ولكل واحد ، الحق ، في ، أن يؤمن بما يشاء ، فهذا التنوع ، يشمل البشرية ، برمتها ، وليس لأحد أن يتباهى ، على ، أحد ، بهذا الشأن ، فإذا ، كان التسليم يؤدي إلى سكينة نفس المؤمن ، فإن الشك هو الذي يحفز العلماء لمزيد من البحث ، والتدقيق ، وإذا ، كان ادعاء علم الغيب ، كفر ، وتجديف .. ، في الخطاب الديني ، فإن ، إدعاء حتمية ، فرضية ، ما ، دون إثباتها ، علمياً ، يعتبر ضرباً من الجهل ، والخطأ ، الذي يصل إلى حد الخطيئة ، علمياً .. وإذا ، تجاوزنا القصّ ، الذي ، تداولته الشعوب ، عبر تطورها ، عن نشوء الكون ، مرورا ،ً بالحضارات القديمة ، والديانات القديمة ، والديانات السماوية … لأن ، هذا ، كله ، لا يخضع للإثبات ، والتساؤل ، وإنما ، يخضع ، للإيمان ، والتسليم ، فقد ، حملت ، لنا ، الرسالة الختامية ، للرسائل السماوية ، هذا الخيار ، وألقته ، على كاهل الإنسان ، ” فليؤمن من يؤمن ، وليكفر من يكفر ” ، وعلى مسؤوليته ، في الدنيا ، والآخرة .. أما ، البحث العلمي ، فيستند ، على قواعد الإثبات العلمية ، البحتة ، فالقوانين ، إما ، صحيحة ، وإما ، خاطئة ، والفرضيات ، والنظريات ، التي تبنى على حلقة مفقودة ، أو على معطيات مجهولة ، لا ترقى إلى درجة العلمية ، والذين ، يبنون ، على تلك ، الفرضيات ، نظريات فلسفية ، أو ميتافيزيقية ، أو منهجية ، أو فكرية ، أو سياسية ، أو ما يسمونه “خيال علمي” .. ، لهم ذلك ، لكن ، ليس لهم ، أن يتباهوا ، بأنهم ، امتلكوا الحقيقة العلمية ، المطلقة ، وليس ، لهم ، اتهام الآخر ، المختلف ، بأنه متخلف ، ومجاف ، للعلم ، والتطور .. فما ، يسمى ” الخيال العلمي ” ، لا يعني أن ، الخيال علمياً .. ، وإنما ، يعني ، أن الإنسان ، وطبقاً ، لقانونه النوعي ” الجدل ” ، يبني على الحقائق العلمية ، المكتشفة ، تصوراً ، لما ، سيصل إليه علم الإنسان ، في المستقبل .. ، وهذا التصور ، قد يتحقق ، وقد لا يتحقق ، قد ، يكون علمياً ، وقد لا يكون ، قد يتحقق الإنسان ، من صحة تصوره ، وقد ، يتحقق من أنه كان على خطأ .. ، قد يتحقق من أن ، بعض ، تصوره ، كان صحيحاً ، وبعضه كان خاطئاً … هذا كله مشروط ، بالكشف ، والاكتشاف العلمي ، على صعيد المعرفة ، والقوانين العلمية ، وبالتالي ، فإن ، معركة الإنسان ، من أجل الحرية ، وكشف المجاهيل ، مفتوحة ، منذ وجود الإنسان العاقل ، على هذه الأرض ، وحتى المآل الأخير ، لذلك الوجود الذي ، لا نعرف حدوده .

( 99 )

إن ، الإنسان ، دائماً ، يجد موقعاً جديداً ، بين واقعه الموضوعي ، كما هو ، وبين أحلامه ، للمستقبل ، كما يتصوره ، قد يكون هذا الموقع أقرب إلى الواقع الموضوعي ، أو أقرب إلى الحلم ، لكنه ، حتماً ، يقع بين الواقع الموضوعي ، وبين الحلم ، ولهذا ، نقول مع عصمت سيف الدولة ، أن الإنسان ، جدلي ، وأنه ، مصنع التطور ، بمعنى ، أن المعرفة الإنسانية ، والعلم ، والاكتشاف ، دائماً ، إلى تقدم ، باطراد ، قد يتم ذلك ، بتسارع ، بتباطؤ ، ربما .. ، لكنه ، أبداً ، لا يتوقف ، ولا يعود إلى الوراء .. وهذا ، هو الفارق ، الفصل ، بين التطور الذي يحدثه الإنسان ، وبين التحول الذي يجري في الواقع الموضوعي ، نتيجة التأثر ، والتأثير ، والتفاعل ، والتداخل ، والتباعد ، والتضاد ، بين القوانين ، والنواميس ، التي تحكم حركة الكواكب ، والنجوم ، والأشياء ، بما ، في ذلك كوكب الأرض ، الذي يستضيفنا ، في هذه المرحلة ، من كينونته ، والذي ، يهتز ، أحياناً ، بالزلازل ، وينفث الحمم ، بالبراكين ، وتثور في محيطاته ، وعلى يابسته ، العواصف ، والأعاصير .. ، ويزداد مخزونه الجليدي ، إلى حد الخطر ، أحياناً ، أو يتناقص ، إلى حد الخطر ، أيضاً .. هذا ، لا يعني ، أن الإنسان لا يقوم بتنفيذ أعمال ، غاية في السلبية ، والتدمير ، للإنسان ، وللكوكب ، على حد سواء .. فأسلحة الدمار الشامل ، والانبعاث ، الامتوازن ، للغازات ، الذي يدمر الغلاف الجوي للكوكب ، ويدمر طبقة الأوزون ، والاستنزاف غير المدروس للموارد الطبيعية ، الذي يؤدي ، إلى اختلال التوازن البيئي ، ونظم التوحش الفردي ، ونظم الاستغلال المادي .. ، كل ، هذا ، يؤدي إلى نتائج بالغة السلبية ، على مستقبل البشرية .. ، لكن ، هذا كله ، يأتي من خارج سياق الأنسنة الحضاري ، الذي يسعى إليه الإنسان ، الإنسان .. إن ، تلك الممارسات ، التي تتم على أيدي جماعات متوحشة ، أو أفراد متوحشين ، تعمل ، على إعاقة نزوع الإنسان ، إلى الحرية والأنسنة … ، وهذا ، هو الصراع الأزلي بين الأنسنة ، والتوحش ، والذي يحل عن طريق “الصراع الاجتماعي” ، لكن ، المعارف الإنسانية ، والعلوم الإنسانية ، والاكتشافات الإنسانية ، للكوكب ، للفضاء ، للأكوان .. كل ، هذا ، يتراكم عن طريق الإنسان ، عبر الزمان .. ، بمعنى ، أن ، تلك المعارف ، والعلوم ، في ازدياد ، أبداً .. وهذا ، هو ، التطور ، الذي ينتجه الإنسان ، باضطراد ، وبفعل قانونه النوعي ، ” الجدل” .

( 100 )

السؤال الملح ، الذي نحاول تقديم مشروع إجابة عليه ، هو : هل ، على الطليعيين العرب ، أن يتوحدوا ، ابتداء ، حول رؤية موحدة ، لنشوء الكون ، والكوكب ، ومصدر الكائنات الحية ، وكيف ظهر الإنسان ، على هذا الكوكب ..؟ ، ثم ، هل عليهم ، أن يتوحدوا حول رؤية موحدة ، للمآل المستقبلي ، لهذا كله ..؟
دعونا ، نحاول تقديم إجابة ، افتراضية ، على السؤال ، ثم ، نحاول تعليلها .. ، فنقول ، بدون تردد : ” لا ” ، لأنه ، من غير الممكن ، واقعياً ، أن تتوحد الإنسانية ، أو يتوحد أبناء الأمة العربية ، حول رؤية موحدة ، لنشوء الكون ، ومآله ، وبما ، أن ” الطليعة العربية ” ، تطمح ، أن تكون ” مؤسسة اعتبارية ” ، تمثل الأمة العربية ، فإنها ، كمؤسسة اعتبارية ، تحمل في تكويناتها ، الداخلية ، تلك التعددية ، التي ، تتداخل معاً ، في تكوين النسيج الاجتماعي ، والوطني ، للأمة العربية ..
لكن ، هل يعني هذا ، أن ” الطليعيون العرب ” ، يقفون على الحياد ، من تلك المسائل الشائكة ، والبالغة التعقيد ..؟!
– نقول ، وبحسم أيضاً ، ” لا ” ، ذلك ، أن ” الطليعيون العرب ” ، لا يقفون على الحياد ، من المشكلات ، والقضايا المطروحة ، على الساحة العربية ، فكيف يتسق هذا ، مع ، ذاك ..؟!

( 101 )

إن ، هذا الاتساق ، يتحقق ، باعتماد المبادئ الأساسية ، التي تستند ، على ، أن باب العلم ، و المعرفة الإنسانية ، مفتوح على مصراعيه ، باتجاه الماضي السحيق ، وأيضاً ، باتجاه المستقبل البعيد ، وأن المعرفة الإنسانية ، في هذا المجال ، مازالت في الحدود المعروفة ، وأن ، موقف ” الطليعة العربية ” ، يتلخص ، في ، اعتماد الموقف الإنساني ، من ذلك …، ويتمثل في :
أولاً : إن ” الطليعة العربية ” تعتمد العلم ، والنواميس ، التي تحكم الظواهر ، والأشياء ، والكائنات ، بما ، في ذلك الإنسان ، ويساهم ، العلماء ، الأعضاء في ” الطليعة العربية ” ، في الجهد العلمي الإنساني ، للاكتشاف ، وتوسيع المدارك الإنسانية ، باتجاه الماضي ، والمستقبل ، على حد سواء ..
ثانياً : فيما يتعلق ، بما ، وراء العلم ، وما وراء الحقائق العلمية الثابتة علمياً ، وما وراء القوانين ، والنواميس المحسومة ، علمياً ، والمتعلقة ، بالكوكب ، وما عليه ، والفضاء ، وما يحتوي .. ، إضافة ، إلى الرؤى ، والتصورات ، والعقائد ، التي ، جاءت ، بها ، الفرضيات ، والديانات ، والفلسفات .. ، ذلك متاح ، لمن ، يريد ، وبالطريقة ، التي يريد ، وبالطقوس ، التي يمارس . .، لا ولاية ، لأحد ، على أحد ، في ذلك .. ولا رقابة ، لأحد ، على أحد ، في شيء ، من هذا .. ، ولا إدعاء ، من أحد ، على أحد .. ، فالطليعة العربية ، مؤسسة اعتبارية ، تحتضن مؤسساتها ، التمثيلية ، وعلى قدم المساواة ، كافة مكونات المجتمع العربي ، في الكل ، وفي الأجزاء ، دون استثناء ، أو تجاهل ، أو إقصاء ، أو استئصال ، فالمواطنة ، والمساواة ، أمام القانون ، هي ، المعيار الوحيد .. هذا ، كله ، يقتضي ، أن ، مؤسسات “الطليعة العربية” ، التي تحتضن هذا التنوع ، تطلق ، طاقات كوادرها ، في مفاصل المجتمع ، لشد النسيج الاجتماعي ، وممارسة الاختلاف ، في جو ، من ، الحوار الديمقراطي ، المفتوح ، بين الرأي ، والرأي الآخر ، وتهذيب الخطاب ، من ، كل طرف ، باتجاه الأطراف الأخرى ، وصياغة ، عقد اجتماعي ، وسياسي ، وثقافي ، وعقائدي ، وإنساني ، بتحريم ، تحويل الاختلاف بالرأي ، والعقيدة ، إلى خلاف عنيف .. تحت ، أي ظرف ، من الظروف …!
ثالثاً : إن ، هذا التنوع ، الذي ، لا يستثني أحداً ، داخل مؤسسات “الطليعة العربية” ، لا يمكن تحقيقه ، بالشعارات ، وإعلان المبادئ ، النظرية .. ، بل ، إن المعيار ، الذي ، لابد من تحقيقه ، ابتداء ، هو ، أن يكون ، هذا التنوع ، متحقق ، موضوعياً ، في مراتب “الطليعة العربية” ، منذ ، لحظات التأسيس الأولى ، فالمبادئ ، والشعارات ، حول التحرير ، والمساواة ، والعدالة ، والوحدة ، لا يمكن ، أن تستر ، عورة ، أي ، تشكيل طائفي ، أو مذهبي ، أو أثني ، أو مناطقي ، أو طبقي .. ، أو فئوي .. ، على العكس ، من ذلك ، تماماً .. ،فعند ، أول محك حقيقي ، ستفوح رائحة ” العور ” ، أياً ، كان مصدره ، ليغطي ، على ما عداه ، مهما ، كانت الأهداف ، والمبادئ ، والشعارات المرفوعة ، براقة..!! ، فكم ، من الأحزاب القومية ، انشقت ، أثنياً ، وطائفياً ، و…، وكم ، من الأحزاب الأممية ، تفسخت مذهبياً ، ومناطقياً ، وإثنياً ، و..
( يتبع … “22” … البيان … )
* حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بساط الثلاثاء

48

 

يكتبها حبيب عيسى

 

البيان … ” 22 ” …

 

” الطليعة العربية “

حدود الاختلاف … ودواعي الخلاف …

 

” تتمة … ” 22 ” .. البيان ..”

 

( 102 )

 

          لعل الإنسان منذ أن وجد على هذا الكوكب ، أو منذ أن تكوّن في هذا الكوكب ، قد سأل نفسه عن سر الوجود ، وأسرار الكون من حوله ، ولعله ، منذ اللحظة الأولى وقف مشدوهاً أمام مشهد السماء ، والأرض ، والكواكب ، والنجوم ، والبراكين ، والبحار ، والرياح ، والعواصف ، والجبال الباسقة ، والوديان السحيقة ، والمواد ، والكائنات الحية المتنوعة ، ولعله ( من يدري ) منذ اللحظة الأولى قد استخدم خياله إلى أقصاه لتغطية عجزه عن المعرفة ، فأبدع أساطير لا حصر لها ، وركبّ ملاحم ، وقص ، وسير ، منح بطولتها ، لقوى خارقة المقدرة تتصارع فيما بين بعضها البعض ، أو تصارع قوى خفية لتتحكم بإدارة هذا الكون ، فتمنح ، وتمنع .. تهدأ ، وتثور .. تعاقب ، وتكافئ .. وإذا كان الإنسان قد جسد تلك الآلهة بكائنات تمتلك قوى فتاكة حيناً فإنه جسدها بكائنات جميلة مشعة في أطوار أخرى ، منها الخرافي ، ومنها الواقعي ، فتعددت الآلهة ، ولم يكتف الإنسان باختيارها ، بل منحها مقدرات خارقة ، باعتبارها تفوق الإنسان مقدرة ، وهي فوق الطبيعة ، بل هي التي تدير الطبيعة ، وتطلق الرياح والعواصف ، والبراكين ، والحب ، والكراهية ، والانتصارات ، والهزائم .. ، وبالتالي ما على الإنسان إلا عبادتها ، واسترضائها ، وتقديم القرابين إليها ، أو لمن يعتقد الإنسان أنها توكله بذلك من الكهنة ، والعرافيّن  وكما كان الإنسان يتطور ، ويطور واقعه مع تقدم معارفه ، كان يطوّر آلهته ، من مرحلة تاريخية ، إلى أخرى ، عبر الزمان ، وصولاً إلى مرحلة الديانات السماوية .. والخيال ” العلمي ” ، والبحث العلمي ، وإلى ما نحن عليه في عالم اليوم …

 

( 103 )

 

ما يعنينا الآن هو موقف ” الطليعة العربية ” من تلك المسألة ، كيف ولد هذا الكون ..؟ ، وما موقعه من الأكوان الأخرى ؟ ، ثم ما موقع كوكب الأرض فيه ؟ ، من أين ..؟ ، وإلى أين المصير ..؟ ، كيف ظهرت الكائنات الحية ، ما مصدرها .؟ ، ثم من هو الإنسان ..؟ ، من أين ..؟ ، وإلى أين ..؟ ، وما هي دوافعه ..؟ ، ما العلاقة بين الروح والمادة ..؟ ، ما الموقف من العلم ..؟ ، ما الموقف من الفلسفات ..؟ ، ما الموقف من الأديان .. ؟ ، وما لا يحصى من الأسئلة …

          لعل تلك الأسئلة ، إضافة إلى أسئلة لا حصر لها ، رافقت الإنسان على هذه الأرض ، منذ بداية ظهوره ، المختلف عليها ، والتي لا نعرف ، وصولاً إلى العصر الراهن ، ولعلها سترافقه إلى تلك اللحظة ، التي لا نعرف ، ميعادها ، ولا أسبابها ، ولا ما بعدها ، والتي يطلق عليها المصطلح الديني “يوم القيامة” ، ويطلق عليها العلماء نفاذ الطاقة ، أو اختلال التوازن ، أو انفجار الكوكب ، أو أن ذلك اليوم يأتي نتيجة فعل بشري أهوج يدمر الكوكب ، ومن عليه ..

          ونحن التزاماً بالموضوعية ” التي ندعيّها ” استخدمنا ذلك التعبير الذي يدل على الاحتمال ، وهو ” لعل ” ذلك ، أن أحداً في هذا العالم ، من الملاحدة ، إلى المؤمنين ، إلى العلماء ، إلى الفلاسفة ، إلى المدرحيين ، إلى الجهلة ، لم يقدم جواباً ” علمياً ” على أي من الأسئلة المشار إليها ، فالخطاب الديني اعتمد رسالات السماء ، وهي منزهّة عن الشك ، والنفي ، والإثبات ، أما العلماء فيجهدون أنفسهم في وضع الفرضيات ، وينخرطون في محاولات إثباتها ، وما أن يرفعون الصوت ، بأنهم اقتربوا من الحقيقة حتى تنهار فرضياتهم تمهيداً لولادة فرضيات جديدة ، بينما الفلاسفة ، والمفكرين يلاحقون العلماء ، وما أن تنهار الفرضيات “العلمية” ، التي أسسوا عليها فلسفاتهم ، حتى تنهار مناهجهم ، تمهيداً لولادة فلسفات جديدة ، وهكذا ..

          إذن ، لا أحد في هذا العالم يمكن أن يجيب على السؤال : متى بالتحديد ، بدأ الإنسان يطرح على نفسه ، وعلى الآخر ، تلك الأسئلة ، ولا متى بالضبط تمكنّ من التعبير بالصوت ، ثم بالإشارة ، ثم بالكلام ، ثم بالكتابة .. ذلك أن ملايين السنين مرت قبل أن يبدأ الإنسان بالتأثير الواعي في الطبيعة حوله عبر أدوات بسيطة ، كان يطورها عبر الزمان ، إلى أدوات أكثر تقدماً ، حيث بدأ يترك في الواقع ما يدل عليه ، وعلى مدى تطوره ، أكثر من المستحاثات ، والهياكل العظمية ، مثل الكهوف ، ثم المغائر في الصخور ، ثم العمران البسيط ، والرسوم البسيطة ، واللوحات ، والنحت في الصخور ، ثم التعبير بالرسوم ، ومن ثم بالرموز ، والأبجديات ، وإلى آخره ..

 

( 104 )

 

باختصار شديد ، نستطيع القول ، أن التاريخ البشري باتجاه الماضي مازال مفتوحاً أمام المعرفة ، والعلم ، وأن جميع المحاولات البشرية ، لإغلاقه عند نقطة بداية مفترضة ، قد باءت بالفشل ، فالمسألة مازالت تتعلق بمجاهيل من الناحية العلمية ، والمسألة من جانب الخطاب الديني تتعلق “بعلم الغيب” الذي لا يعرفه إلا الله ، وأسطورياً تتعدد الروايات ، والقص ، والملاحم ، وإذا كان المجال هنا لا يتسع لمتابعة ، وحصر ما قيل عن بداية الكون ، وتشكل كوكب الأرض ، وتحديد بداية ظهور الكائنات الحية عليه ، وظهور الإنسان .. فإن هذا الذي قيل متاح لمن يريد ، في الأوابد ، والآثار ، ومجلدات العرافيّن ، والسحرة ، والفلاسفة ، والكهنة ، والملاحم ، والأساطير ، ومتاح في الفرضيات ” العلمية ” المتتالية ، وفي الخيال ” العلمي ” الذي لا يكف عن الإبداع ، وفي الاكتشافات العلمية المتسارعة على الأرض ، وفي ما تبثه المحطات الفضائية عن الكون من الفضاء ، ومتاح في الكتب السماوية حيث القص أكثر ثباتاً ، واستقراراً لأنه يعتمد على الإيمان ، الذي يعتمد بدوره على مبدأ التسليم ..

          ونحن لا نعرف ، بالضبط ، متى بدأ الإنسان بوضع فرضيات لنشوء الكون ، وما وراء ذلك ، فقد يكون بدأ ذلك منذ أن وجد على هذا الكوكب ، أو بعد ذلك بمراحل تاريخية ، قد تكون طالت أو قصرت ( من يدري ) ، لكن تلك الفرضيات في الفترة الممتدة من وجود الإنسان على هذا الكوكب ، وحتى المرحلة التي بدأ يترك فيها أدلة وأوابد لم تصل إلينا ، ولا يمكن أن نتعرف عليها لأن الإنسان قضى على هذا الكوكب آلاف وربما ملايين من السنوات دون أن يترك أثراً يدل عليه باستثناء مستحاثات لهياكل عظمية يتم اكتشافها في هذا المكان ، أو ذاك من هذا العالم فيسارعون إلى نقلها إلى المخابر لتقدير أعمارها ، وأبعادها .. وحتى هذه مازالت مفتوحة فقد تم الإعلان عشرات المرات عن اكتشاف الهيكل العظمي للإنسان الأول ، ثم ، وبعد حين يتم اكتشاف هياكل عظمية أخرى لإنسان أسبق في الزمان ، بالأمس فقط تم العثور على مستحاثة لإنسان تم تقدير عمرها بما ينفي كافة الفرضيات السابقة … وهكذا ..

          في مرحلة لاحقة ، لتلك المراحل المجهولة ، بدأ الإنسان يترك آثاراً ، وإشارات ، وأدوات ، ورسوم ، ولوحات ، ورموز ، لا تدل عليه ، فقط ، وإنما تدل على تطوره من جهة ، وعلى طريقة تفكيره ، وعلى محاولاته ، للإجابة على الأسئلة المستعصية ، وتدل على آلهته ، وممالكه ، وفنه ، وثقافته ، وهذا يعود فقط إلى بضعة آلاف من السنين قبل الميلاد ..

          وبما أن مقدرة الإنسان على النطق ، سبقت بقرون عديدة مقدرته على التعبير بالصور ، ثم بالترميز ، ثم بالحرف ، فإنه عندما بدأ يكتب بدأ أول ما بدأ بالتعبير عن أفكاره السائدة في عصره ، ثم حاول أن يسجل ما تناقلته الأجيال السابقة ، وما حفظته الذاكرة ، من قص ، وسير عن الأيام الخوالي .. وقد يكون ذلك كله مجرد خيال .. وقد يكون خليط من الخيال والواقع ( من يدري ) ، لا أحد على هذا الكوكب يملك الجواب الشافي على ذلك .. المهم ، أن الإنسان أطلق على ذلك القص مصطلح “أساطير” ، ورثها من العصور المجهولة ، أو أساطير ، وضعها في عصور معلومة ، بعد ذلك .

والأسطورة من أشد حقول المعرفة غموضاً ، وضبابية على وجه العموم ، كونها تدور حول آلهة ، وكائنات غرائبية ، وأحداث ، ومعارك ، وملاحم ، تشارك فيها قوى غرائبية خفية ، وهذا ما عبّر عنه ” سنت أوغسطين : ” بالقول ” إنني أعرف جيداً ما هي الأسطورة ، بشرط ألا يسألني أحد عنها ، ولكن إن سئلت ، وأردت الجواب ، فسوف يعتريني التلكؤ..” ، أما ” فولتير ” فقد حسم أمره ، وقال : ” إنما يقوم بدراسة الأساطير الحمقى ..”

 

( 105 )

 

نحن ، هنا ، نتحدث عن الأساطير الأولى التي تضمنت أحداث غرائبية ، وكائنات ، وشخصيات ، وآلهة ، وأشباح ، لا وجود لها في الواقع ، أو لم تترك ما يدل على أنها قد وجدت على هذا الكوكب ، أو ظهرت في سماءه ، يوماً من الأيام .. ، ثم ، وفي مرحلة تالية ظهرت أساطير حول شخصيات ، وآلهة ، وأحداث شكلت تداخلاً بين الغرائبي ، والواقعي ، لكن الأسطورة منحتها قدرات ، وإمكانيات خارقة ، في حبكة تداخلت فيها الدراما ، بالتراجيديا إلى حد بعيد ، وقد عبّر عن ذلك “نيكولا ماكيافيلي” بعد تحليله المنازعات على السلطة عند الإغريق بالقول : ” إن الناس يصنعون التاريخ بصنعهم الأساطير ، أولاً ..” ، بينما قال ” بوهيمرس ” في نصيحة إلى صديق له يعبد الأوثان : ” إن الآلهة التي تعبدونها كانت بشراً يوماً ما ..”

أما ” روجيه غارودي ” فقال : ” من الجائز أن نميز في تاريخ البشرية مراحل أساسية ثلاثاً ، مرحلة أولى تتجاوز فيها قدرة الطبيعة قدرة الإنسان ، وحيث من ثم على الإنسان أن يقاتل ، وينافح لمجرد البقاء ، ومرحلة ثانية تتجاوز فيها قدرة الإنسان قدرة الطبيعة ، وأخيراً مرحلة ثالثة نعيشها منذ منتصف القرن العشرين وفيها تتجاوز قدرة الإنسان ، طاقة الإنسان ..”

أما ” هربت سبنسر ” فقال : ” إن عبادة السلف أصل كل دين ” ..

          وإذا كان في بعض الأساطير ، شيء من التاريخ ، فإن “مايكل كرانت” تحدث عن   ما أسماه / شبيه التاريخ / ، الذي لا يسجل ” ما حدث ” بل ما حسبه الناس ، أو اعتقدوا في أوقات مختلفة ، “أنه قد حدث ” … ، “فلكي تتكون لدينا فكرة عن حضارة ، ما ، يلزمنا تاريخ ، وشبيه للتاريخ ، أيضاً ..!! ، هكذا / مثلاً نرى تتابع الشهور عند سبنسر في ” الأنشودة المتغيرة ” حيث يدخل مارس ” آذار ” على الثور ، يتبعه أبريل ” نيسان ” على الثور ذاته ، الذي قاد أوروبا طافية على أمواج “آراغول” .. وكذلك إشارة  “أوفيد” ” إلى ارتكاب فينوس الزنا مع مارس باعتباره اتحاد مارس ( الحار ) بفينوس ذات ( الرطوبة المعتدلة ) .. وبينما يرى “يعقوب بريانت” أن عبادة الشمس مفتاح كل الأساطير الوثنية ، يرى ” دوبوي ” أن البروج هي الرحم التي حملت بجميع الأساطير .. ، أما ” الريجومي ” فقد رأى أن الألوهيات المختلفة ترمز إلى عناصر طبيعية مختلفة ، فآله البحر ( بوسايدون ) هو الماء ، و(أبولو ) هو النار ، و( هيرا ) آلهة الهواء ، ثم تطور الأمر على يد أمبيدو حيث ظلت “هيرا” آلهة الهواء ، ولكن       ( زوس المضيء ) بات آله النار ، وايدونيوس للأرض ، أما الماء فتمثله حورية مجهولة باكية تدعى / نستيس / أما في الأساطير الأسكندنافية حيث الطقس السيئ  ، فقد كان المركز الأول لإله العاصفة ( وودن ) ، وإله الرعد (دونار ) ، أما الكيميائيين الأوائل فقد دونوا تجاربهم الكيميائية بلغة المصطلحات الأسطورية ، وصنعوا ( حجر الفلاسفة ) عن طريق مزج ” دافني ” أو الغار الرطب الطيار مع ( فيبوس ) الحار الجاف حتى يجمد المزيج ثم يضاف إليه قليلاً من الماء العذب ، ويغسل بلبن العذراء ..

          هكذا .. من الأساطير .. إلى الملاحم في أوروبا ، ومن الإلياذة إلى الأوديسة .. ، ومن إسبارطة ، إلى أثينا ، إلى روما ، إلى العصر الحديث . حيث تمّكن واحد من حواريي العربي عيسى بن مريم “عليه السلام” .. أن يمنح أوروبا دينها .. ومازالت حتى الآن تدير خلافاتها حول كنائس تتباين اجتهاداتها حول طبيعة السيد المسيح .. لكنها لا تختلف عليه ..

 

( 106 )

 

أما في آسيا ، فقد امتزجت الأساطير ، بالملاحم عبر تسجيل الأعمال البطولية الخارقة التي صدرت عن بعض الأبطال الحقيقيين ، أو الأسطوريين ، والتي تمتزج فيها أفعال البشر ، وتصرفات بعض الكائنات الأعجازية ، الخفية ، كالآلهة ، والشياطين ، والوحوش المخيفة ، إضافة إلى بعض القوى الكونية ، والظواهر الطبيعية .. وهنا نجد ملحمتين في الهند تقابلان الأوديسة ، والإلياذة ، الأوروبيتين ، وهما ” الرمايانا ” ،    و ” المهابهاراتا ” ، واللتان تشكلان الأسس ، والمثل التي تعتمدها الديانات الهندية القديمة ، وحتى الآن .. الأولى تتعلق بالدور الذي تلعبه شعائر التطهير في الديانة الهندوكية ، والاعتماد على الماء ، والنار لرفع الدناسة ، وتطهير الجسد ، والروح ، ولعل هذا ما يبدو واضحاً عند البراهمة ، الذين يعتقدون أن أدران الروح تنتقل إلى الجسم ، كما أن دناسة الجسم ، ونجاسته تؤثر في صفاء الروح ، وأنها تنتقل من شخص إلى آخر ، عن طريق الملامسة ، أو حتى تناول الطعام ، لهذا ، فإنهم يأنفون من مصافحة غيرهم ، أو تناول طعامهم إلا حسب شعائر ، وطقوس ، ومراسيم معينة .. ، وإذا كانت أول كلمة في الإلياذة هي الغضب ، وفي الأوديسا هي الرجل ، فإنها في   ” الريامانا ” هي التطهر ، وفي ” المهابهاراتا ” هي الحرب ، كنواة ملحمية …

وإلى الغرب من الهند في بلاد فارس ظهرت ” الشاهنامة ” التي تحوي الكثير من الموضوعات ، والعناصر الأسطورية ، والحماسية ، وإلى الشرق من الهند ، في الصين ، واليابان ، وجنوب شرق آسيا انطلقت البوذية ، وانتشرت انتشاراً واسعاً ، لتشيع بأن كل حياة ، ألم ، وان الرغبات ، واللذات مسؤولة عن ذلك ، وأنه لابد من أجل القضاء على الألم من كسر دارة انبعاثه المتجدد دوماً ، وهي دارة تربطنا بعجلة الوجود ، وأن الإنسان الذي يحجم عن الرغبة ، وعن اللذة ، سيعرف الخلاص ، عندما يذوب في السرمدية ، مثلما تصير كأس من الماء سكبت في البحر ..

 

          إن هوية ( كل ) الطبيعة تتوحد بأسمى حقائق البوذية ، بحسب تعاليم (زن ) ، وتتلخص هذه الوحدة على حد سواء ، إما في صلاة ، أو في حديقة ، أو زهرة ، أو منظر ، إن الشلالات ، والأرض ، والجبال تجليات ما يسميه ( بوزيو) ” زن ” باسم : ” الجسد الإلهي للقانون ” .. فالريح ، وحركة الغيوم ، والضباب ، وقوة الجبال ، وانسياب المياه في الشلال .. فتلك الطاقة الموجودة في كل مكان ، والتي يرمز لها بالتنين في الفنون الصينية ، واليابانية ، توحي بحركة الحياة الكونية ، وإيقاعاتها .. لقد شملت تلك الأوضاع آسيا ، إلى أن دخلها دعاة النبي العربي محمد بن عبد الله “صلى الله عليه وسلم” ، فنشروا الدين الإسلامي في أرجاء من آسيا ، تفاعلاً مع التعاليم السائدة ، فأثر ، وتأثر ، ومازال الآسيويون المسلمون ، حتى الآن ، يديرون خلافاتهم  ، فيما بينهم ، حول التعاليم التي جاء بها الرسول العربي ، لكنهم أبداً لم يختلفوا عليه .. ، وفي الوقت ذاته ، يديرون حوارات معمقة ، مع الأفكار ، والديانات التي مازالت سائدة ، حتى الآن …

 

( 107 )

 

          قد يكون الدخول إلى قلب أفريقيا تاريخياً أكثر صعوبة ، فقديماً تم تشبيه القارة الإفريقية بجرن هائل الضخامة ، مرتفع الضفاف ، وقد بقي تاريخ داخل القارة الإفريقية غير معروف إلا بما تتناقله حكايات سكان البلاد الأصليين ، الذين كانوا يقطنون مناطق العمالقة ، والأقزام ، والغيلان التي تأكل بعضها ، البعض ، والنساء الطيور .. ، لكن التنقيبات الحديثة كشفت عن ممالك منظمة ، تحدثت عنها روايات تشبه الأساطير ، تروي تاريخ إمبراطوريات قوية ، وقد تم جمع ملاحم كاملة من أفواه منشدي الملاحم الإفريقية ، والمتغنين بالتقاليد التاريخية ، التي تعيش فيهم ، وقد تم الكشف عن مناجم تشهد بوجود عريق للإنسان في تلك المناطق الإفريقية الداخلية ، وربما سنعرف يوماً ، ما ، الحقيقة التاريخية لإفريقيا .. ويمكن الحديث تاريخياً عن مجتمعات قديمة هي من الجنوب إلى الشمال : البوشيمان ، والهوتانتو ، والبيغميون ، ومجتمعات الشرق ، والجنوب ، والاستواء ، والغرب ، ثم مجتمعات الصحراء والشمال العربي ، والسودان ، والحبشة ، والصومال .. وكانت إفريقيا تقسم إلى إفريقيا السوداء في الجنوب ، وأفريقيا البيضاء في الشمال ، ويمكن تقسيم سكان أفريقيا السوداء إلى جماعات ، حيث يمكن تميّيز : الزولو ، وسوتو ، وتسوانا ، وتونغا ، وفاندا ، وهيريرو .. وتعتبر حزات الجراح الجسدية شارات شرف ، ويعيشون في أكواخ تسمى ” كراغول ” ويضم كل واحد منها أسرة واحدة ، والأبقار الضخمة عنوان الثروة ، ولا يأكلون لحمها ، “نجد ذلك أيضاً عند الهندوس في الهند” ، وصفة الرئاسة خاصة بالكهان ، وتنتقل من الأخ الأكبر ، إلى الأخ الذي يليه ، ونداء رجل “بصفة ممدوح” ، تلزمه بعض المحرمات ، فلا يشرب حليباً ، إلا مع رجال يحملون لقبه عند الزولو ، أما عند السوتو فإن لقب ممدوح يرتب عدم أكل اللحم ، ولا يقتلون أبداً ، إلا الحيوانات المؤذية ، وإذا قتلوا ، عليهم أن يتطهروا ، وعبادة الأجداد ، قاعدة ترتكز عليها الحياة الدينية ، وإله الزولو ، هو إله خالق يسمونه ( الكلي العظمة ) ، وهذا الإله غير “إله الأجواء” الذي يستطيع بعض السحرة مراقبته بعد أن يتطهروا ، والإله (الكلي العظيمة)  ليس معبوداً ، لأنه لا ممثلين له على الأرض … ، إلى أن دخل النخاسين الأوروبيين الذين أرعبوا الناس واختطفوا ، وتاجروا بهم ، فظهرت عبادة ( الفيتيش ) وهي نوع من عبادة البشر أحدثها البرتغاليون ، فكان الزنجي يعبد غلاظ القلوب من مستعبديه الأوربيين ، وهذه الحالة المنتهكة كرامة الإنسان ، بقيت مستمرة حتى أوائل القرن العشرين ..

          إن التاريخ الأفريقي ، تتناقله الأجيال ، لأنه في الغالب غير مكتوب ، لذلك يقول أحد حكماء أفريقيا : “كلما توفي عجوز أفريقي كانت وفاته احتراق مكتبة ” ، كما أن افتقاد الأحجار أدى إلى أن معظم آثار الفن الأفريقي مصنوعة من الخشب ، وهو قليل المقاومة . والآثار الوحيدة التي بقيت منذ ما قبل القرن الثامن عشر هي الآثار ذات الصفة الدينية والموضوعة في كوى كلسية ، والتي حفظها رشح الماء الذي كان يترسب فوقها والذي شكل قوقعة كلسية تحمي الخشب حماية داخلية ، وخارجية ، ولم يبق من الفن الأفريقي الغابر سوى برونز ( نبين ) ، وبعض آثار حضارات نوك ، وأيفة .. ، ولا يمكن إنهاء الحديث عن أفريقيا ،  دون الحديث عن “القناع الأفريقي” الذي يعتبرونه بالدرجة الأولى تكثيف للطاقة ، وهذه القوة التي يحتويها القناع ، ويطلقها إنما تصدر من ينابيع الطبيعة ، والجدود ، والآلهة ، وعندما يرقص الأفريقيون بأقنعتهم ، فإنهم يستمدون تلك الطاقة من القناع ، لتشع في المجتمع كله ، فالرقص عندهم ، هو انبساط القلب الأسود ، وانقباضه ، إن الأفريقيين يعرفون طاقة وحيدة تعمّر الطبيعة على درجات متفاوتة من الشدة ، طاقة تستجيب للهموم ، والرغائب ، والآمال ، والمشكلة الأساسية عندهم هي أسر تلك القوى المتفرقة ، واتخاذها نواة ، لتشكيل واقع مكثف ، وبهذا الاعتبار يعمل القناع عمل حامل مرئي ، لقوى لا مرئية .. لهذا فإن القناع عندهم مشحون بقوة تجعله يصعق من يرتديه دون جدارة .. ، باختصار شديد ، إن المبدع الأفريقي ، ينطلق من تجربته الحية ، ويضفي شكلاً مشخّصاً على طلاسمه ، على عكس الإغريقي الذي ينطلق من الفردي ، ليستخلص منه ، الخطوط الأساسية ..

 

( 108 )

 

          إذا انتقلنا إلى القارات الحديثة ، ولا نقصد الحديثة تاريخياً ، ولكن نقصد الحديثة الاكتشاف ، من قبل الجماعات البشرية في القارات ، المعروفة بالعالم القديم ، فإن الإنسان في تلك القارات ، التي اكتشفت حديثاً ، ترك حضارات مازالت قيد الاكتشاف ، ففي القارة الأمريكية شمالها ، وجنوبها ، نجد في الشمال الأزتيك ، وهم بدو رحل ، ارتحلوا جنوباً مع بداية الألف الثانية الميلادية ، واستوطنوا ما يعرف اليوم ببلاد المكسيك حيث بنوا عاصمهم تينوشتيتلان التي أصبحت عاصمة المكسيك الحالية ، وبنوا الأهرامات وتركوا الكثير من المنحوتات ، والخزفيات الملونة ، وقد سبقتهم إلى تلك البلاد ، قبائل المايا ، أما الإنكا ، فقد أسسوا إمبراطوريتهم في ما يعرف اليوم بأمريكا الجنوبية بين البيرو ، وتشيلي ، بالتزامن مع حضارة الأزتيك وجعلوا عاصمتهم في كوزكو حيث كانت مبانيهم المهمة مغطاة بصفائح الذهب ، وحيث بنوا الجسور ، وقنوات المياه ، أما في استراليا ، فإنهم يتحدثون عن إنسان اوسترالوبيتكوس قبل خمسة ملايين سنة ، ربما بالتوازي مع ما يعتقد أنه الإنسان الأول الإفريقي الذي أطلقوا عليه الإنسان الاوسترالوستين ، والإنسان النيندرتالي ، وإنسان بروكن هيل ، وناس الأومو- سابيان .. وهكذا .. ثم يتحدثون عن الهجرات الكبرى قبل حوالي 200 ألف سنة مع نهاية العصر الجليدي ، باتجاه أوروبا ، والأمريكتيتين ، وبما أن المصطلحات الأوروبية هي الطاغية على كتب التاريخ البشري في العصر الحديث ، وبما أنهم أطلقوا على الهجرات القادمة من الشرق باتجاه أوربا ، بأنها ، “هندوأوروبية” دون تمييز ، فقد أطلقوا على الهجرات باتجاه الأمريكيتين “هندوأمريكيين” ، ووصفوا سكان أمريكا الأصليين بأنهم “هنود حمر”  ، وتلك الهجرات القديمة باتجاه الأمريكتين واستراليا  كانت باتجاه واحد أي أنها كانت هجرات ، بلا عودة ، وبالتالي لا نعرف بالضبط مصدرها ، ولا أماكن تموضعها ، فأطلق عليها المؤرخون الأوروبيون ، الهنود الأمريكيون ، أو الهنود الحمر .. ذلك أن القراصنة الأوروبيين المعاصرين ، الذين ما أن وطئت أقدامهم اليابسة الأمريكية حتى ارتكبوا الجرائم ، والمذابح بحق الإنسان الأصلي لتلك البلاد ، فهذا / هرمان كوتريز / يفخر بأنه أباد ثقافة ( الأزتك ) ، وأنه أجهز على ثقافة ( المايا ) ، وذاك ديجو دولاندا ، وهو أسقف – للأسف – يتحدث بنشوة عن المحرقة التي أقامها على جميع كتابات ( المايا) ليسّهل دخول المسيحية .. وهكذا .. ، ولعل الأوضاع في قارتي استراليا ، ونيوزيلاندة كانت مشابهة لذلك ، وإن كان ذلك ، بنسب مختلفة …

 

( 109 )

 

هل كنا قاصدين ، أن نتحدث عن الإنسان ، وتواجده على هذا الكوكب في الشرق ، والغرب ، في الشمال ، والجنوب متجاوزين المركز ، الذي يعرف الآن ، بالوطن العربي ، والذي تختص فيه جماعة بشرية ، تدعى الأمة العربية .. نقول ، نعم ، وذلك حتى ، لا يتهمنا أحد بالعنصرية ، لكن هذا لم ، ولن يمنعنا من أن نطلق على هذا الوطن العربي ، مصطلح ” المركز ” ليس ادعاء ، ولا استعلاء ، وإنما استناداً إلى ما تكشف عن حضارة الإنسان ، ووجوده على هذا الكوكب ، حتى الآن ، ونحن نقول ، حتى الآن ، لأننا نلتزم بما قلناه ، من ، أن تاريخ هذا الكوكب ، وتكوّن الكائنات الحية عليه ، والتاريخ البشري ، ذلك كله مازال مفتوحاً أمام علماء : الجيولوجيا ، والأحياء ، والبيولوجيا ، والفضاء ….، إضافة إلى المؤرخين ، وإلى آخرهم ، وأن أي اكتشاف جديد سيترتب عليه اندثار أفكار ، وفرضيات ، وعقائد ، وولادة أفكار ، وعقائد ، وفرضيات جديدة ، وهكذا .. لذلك ، فإننا ، واستناداً إلى ما اكتشف حتى الآن من التاريخ البشري نطلق على هذه المنطقة الممتدة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي صفة “المركز” ، فقط ، بما يخص تاريخ الحضارات البشرية القديمة …

ونحن هنا ، وباختصار شديد ، لن ندخل في تفاصيل تلك الحضارات العربية القديمة التي تحتاج إلى مجلدات ، وكادر أكاديمي متخصص ستسعى ” الطليعة العربية ” عبر مؤسساتها المتخصصة ، وعبر بحث علمي صرف ، وعبر تعاون مع المؤسسات الأكاديمية التاريخية ، والجغرافية ، وحتى الجيولوجية ، وعبر لجان ، ومؤسسات مفتوحة لذوي الاختصاص تساهم ” الطليعة العربية ” في تأسيسها .. إلى صياغة موضوعية ، تضع حداً ، لهذا العبث ، بتاريخنا ، وبوجودنا ..

          فقط ، في هذا البيان التأسيسي ، للمشروع النهضوي “للطليعة العربية” ، نسعى إلى وضع حد لذلك الجلد المستمر للذات العربية ، الذي تجاوز كل الحدود .. ، والذي وصل إلى حد التشكيك ، بإمكانية أن نكون بشراً أسوياء .. فتاريخنا ، كما يدعي البعض ، مهازل ، وفتن ، ودماء ، وخيانات ، وطغاة ، وقتلة ، ومتوحشين .. لا .. هذا هراء .. لقد مر بعض أولئك بتاريخنا ، هذا صحيح ، وبعضهم مازال بيننا ، لكن أن يقال أن تاريخنا كله كان كذلك ، فهذا افتراء ، وتجنّ ، وعدوان ،  وإذا كنا نفهم لحظات اليأس ، والإحباط ، والهزائم ، فإن “الطليعة العربية” ستقاوم سائر أشكال العدوان على الأمة ، أياً كان مصدرها ، ومهما كان مضمونها … وستقاوم محاولات الاستسلام إلى منطق اليأس ،  وأنه لا جدوى .. ، فكل هذا السوء مجرد لحظات عابرة في تاريخ أمتنا .. ، وأنها محنة ، وستمضي …

          دعونا نستخلص العبر ، من التاريخ القريب ، لأكثر شعوب الأرض تحضراً ، في هذا العصر ..ونحن هنا لا نتحدث عن أساطير ، وقصص خيالية ، وإنما نتحدث عن أحداث موثقة ، منذ بضعة قرون ، فقط ، وعلى لسان مؤرخ لا شك في مصداقيته هو ” ول ديورانت ” الذي يقول في الصفحة 19 ، من الجزء الأول ، من قصته للحضارة ، ما يلي بالحرف الواحد : ( لقد أضاف الإنسان إلى صنوف الطعام ، صنفاً آخر- كان ألذها ، وأشهاها – وهو زميله الإنسان ، ذلك أن أكل اللحوم البشرية ، كان يوماً ، شائعاً بين الناس ، فقد وجدناه في كل القبائل البدائية تقريباً ، كما وجدناه بين الشعوب المتأخرة تاريخياً ، مثل سكان إيرلندة ، وإيبيريا، وجماعة البكت ، بل ، بين أهل الدانماركه ، في القرن الحادي عشر ، كان اللحم البشري من لوازم العيش .. وأما في جزيرة بريطانيا الجديدة ، فقد كان اللحم البشري ، يباع في الدكاكين ، كما يبيع القصابون اللحم الحيواني ، اليوم … ، حتى أن ـ مونتيني ـ رأى أن تعذيب الإنسان حتى يسلم الروح ، تحت قناع من الورع ، والتقوى ، أفظع وحشية من طهيه ، وأكله بعد موته .. ”

               على أية حال .. لقد انتقل الإنسان ، عبر الزمان ، من الوحشة ، والوحشية ، والتوحش ، إلى الأنسنة النسبية .. ، وليس معيباً ، أن يكون قد مر في تلك المراحل المتعاقبة .. ، لكن المعيب .. أن لا يقاوم قوى التوحش والطغيان ، المعيب أن لا يتطور ، عبر الزمان ، باتجاه الأنسنة ..متجاوزاً كل الصعاب ،  ليحقق في ذاته ، المزيد منها ، باضطراد ، عبر البعد الرابع ، الزمان . …

(يتبع ” 23 ” .. البيان )

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

على بساط الثلاثاء

 

49

 

يكتبها حبيب عيسى

 

البيان ” 23 ” ..

 

” الطليعة العربية “

( حضارات …وديانات قديمة )

 

(تتمة ….”البيان”….”23″…..)

 

(110)

 

يقول د. جواد علي في مقدمة “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ” : ( .. مما يثير الأسف ، والله ، في النفوس ، أن نرى الغربيين يعنون بتاريخ “الجاهلية” ويجّدون في البحث عنه ، والكشف عن مخلفاته ، وتركاته في باطن الأرض ، ونشره بلغاتهم ، ولا نرى حكوماتنا العربية .. إلا منصرفة عنه .. وقد يكون عذر تلك الحكومات أن الناس هناك ينظرون إلى التماثيل نظرتهم إلى الأصنام ، والأوثان ، وإلى استخراج الآثار ، والتنقيب عن العاديات ، نظرتهم إلى بعث الوثنية ، وإحياء معالم الشرك …. ” ، والدكتور جواد علي من أبرز المؤرخين العرب جدية ، ومصداقية ، ورغم ذلك ، فإنه يعترف أنه اضطر إلى الاعتماد على المصادر الأجنبية في أبحاثه ..

          وبما ، أننا نتحدث عن التاريخ العربي لابد من الإشارة إلى مشكلة تتعلق بكتابة التاريخ ، تؤرق المؤرخين الجادين ، وتتمثل في اندثار الكثير من أوابد الحضارات العربية القديمة التي يطلق عليها “حضارات بائدة” ، أو العرب البائدة ، وأن ما تبقى منها قد تعرض للعبث من مصدرين ، المصدر الأول ، هو ، نحن ، ورثة تلك الحضارات الذين تخلفوا عن ركب التطور ، وبالتالي تخلفوا حتى عن الاهتمام بتاريخهم ، والمصدر الثاني ، هو انتقال أوروبة من قارة يقصدها المهاجرين ، الذين يتصارعون للسيطرة عليها ، إلى قارة تصّدر الغزاة للسيطرة على العالم ، والغزاة الجدد تفننّوا في إبداع أساليب متنوعة ، لإحكام سيطرتهم هذه .. وهذا حديث ذو شجون .. ما يعنينا منه ، الآن ، هو علاقة الأوربيين ، بالحضارات البشرية ، وفي مقدمتها الحضارات العربية ، وقد تعاملوا معها على مستويات عدة :

-        المستوى الأول : كان على صعيد علماء الآثار ، والمؤرخين الأوروبيين “المستشرقين” الذين احتكروا السيطرة على بعثات التنقيب ، ونهب كل ما يمكن من الأوابد ، والوثائق ، حتى أتخمت متاحفهم ، وساحاتهم العامة ، بآثار العرب ، وأوابدهم ، والأخطر من ذلك ، أنهم صنّفوا تلك الحضارات ، وقرأوا نقوشها ، وصورها ، ورموزها ، وأبجدياتها ، بلغاتهم الأوروبية ، وقد ترتب على ذلك أنه بات على شعوب العالم الأخرى ، وفي مقدمتها الشعب العربي أن يقرأ تاريخه مترجماً عن اللغات الأوروبية .. ، أي أن يقرأ تاريخه ، “كشعوب”، وأن يغفل تطوره إلى شعب أمة واحدة ، وهذا يفقد الوثائق التاريخية نسبة ، لا بأس بها ، من دقة المعنى .. في ظل تخلف المؤسسات التعليمية ، في ما يسمى اليوم العالم الثالث ، ومنه ما يسمونه “العالم العربي” ، أو “الشرق الأوسط”  ، إضافة لاعتماد تلك المؤسسات التعليمية “الوطنية” أساساً على المؤسسات التعليمية الأوربية ، وبالتالي تبنّي المصطلحات الأوربية ، كما هي .. هذا كله ، في ظل تهميش دور بعثات التنقيب الوطنية ، بل ، وإلحاقها ، ببعثات التنقيب الأجنبية ، واقتصار دورها على تسهيل مهام المنقبّين الأجانب ، وحسب .

-        المستوى الثاني : تسخير العلوم ، وقراءة التاريخ ، لإثبات انتقال “المركز” إلى القارة الأوروبية ، وأن تاريخ الحضارات ، والفلسفة ، والعلوم ، يبدأ من الإغريق ، وأن العالم ، غير الأوروبي ، يصنف بحسب موقعه من ” المركز الأوروبي ” فهو شرق أدنى من أوروبة ، وشرق أقصى عن أوروبة ، وبينهما شرق أوسط بالنسبة لأوروبة ، ثم غرب أمريكي ، وهكذا ..

-        المستوى الثالث : شن حروب إبادة اتجاه بعض الشعوب ، والجماعات البشرية ، وتدمير ثقافاتها واستعباد ، بعضها الآخر ، والأمثلة الصارخة على ذلك إبادة الشعوب في الأمريكيتين ، واستعباد الشعوب الأفريقية …

-        المستوى الرابع : احتكار عمليات التنقيب ، وإبعاد البعثات الوطنية قدر الإمكان عن المعرفة ، وفي الوقت ذاته قراءة تلك الحضارات القديمة ، من منظور غربي أوروبي استعماري بحيث ، تم وضع تلك الاكتشافات في سياق الحملات العسكرية ، والمعاهدات ، والمخططات الاستعمارية الأوربية ، للسيطرة على العالم ..وقد تكشف أن معظم المنقبين الأوربيين إما جواسيس مباشرين للاستخبارات الغربية ، وإما متعاونين معها بطريقة غير مباشرة ..

 

( 111 )

 

          لكن هذا التعسف في قراءة التاريخ البشري ، لا يمكن أن يستمر ، فقد ارتفعت الأصوات في الغرب الأوربي ذاته ، لتصحيح هذا المسار ، ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى ما قاله ” ول . ديورانت ” في مقدمة مغامرته لكتابة ” قصة الحضارة ” حيث يقول بالحرف الواحد : ( … إن قصتنا تبدأ بالشرق ، لا لأن آسيا كانت مسرحاً لأقدم مدنية معروفة ، وحسب ، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونّت البطانة ، والأساس ، للثقافة اليونانية ، والرومانية التي ظن ” سير هنري مين ” ، خطأ ، أنها المصدر الوحيد الذي استقى منه العقل الحديث الثقافة ، والعلوم ، فسيدهشنا ، أن نعلم ، كم مخترعاً ، من ألزم مخترعاتنا ، لحياتنا ، وكم من نظامنا الاقتصادي ، والسياسي ، ومما لدينا من علوم ، وآداب ، وما لنا من فلسفة ، ودين ، يرتد إلى مصر ، والشرق ، وفي هذه اللحظة التاريخية .. نرى أن التعصب الإقليمي الذي ساد كتابتنا التقليدية للتاريخ ، التي تبدأ رواية التاريخ من اليونان وتلخص آسيا كلها ، في سطر واحد ، لم يعد مجرد غلطة علمية ، بل ربما كان إخفاقاً ذريعاً في تصوير الوقائع ، ونقصاً فاضحاً في ذكائنا ..”

إن هذا الموقف التاريخي من المؤرخ ” ول ديورانت ” ليس وحيداً في أوروبا بل أنه تنامى ، واتسعت دوائره .. يكفي الآن أن نشير إلى ما قاله مؤخراً ” روجيه غارودي ” في ” حوار الحضارات ” حيث قال : ( ..إن عصر النهضة ” في أوروبا ” وهو ليس حركة ثقافية ، وحسب ، بل ولادة مواكبة ، أنجبت الرأسمالية ، والاستعمار ، قد هدم حضارات أسمى من حضارات الغرب ، باعتبار علاقات الإنسان فيها ، بالطبيعة ، وبالمجتمع ، وبالإلهي .. ، والتاريخ الحقيقي ، قد يكون تاريخ   ” فرص ” أضاعتها الإنسانية ، بسبب التفوق الغربي الذي لا يرجع إلى تفوق ثقافة ، بل إلى استخدام تقنيات السلاح ، والبحر لأهداف عسكرية ، وعدوانية .. ومن أجل ابتكار مستقبل حقيقي ، يقتضي العثور مجدداً على جميع أبعاد الإنسان التي نمت في الحضارات ، وفي الثقافات ، اللاغربية .. إن ما اصطلح الباحثون على تسميته باسم ” الغرب ” إنما ولد في ” ما بين النهرين ”  ، و في ” مصر ” .. وإذا نظرنا إلى الغرب ، باعتباره حالة فكرية متجهة نحو السيطرة على الطبيعة ، والناس ، وجدنا أن مثل هذه النظرة إلى العالم ترقى إلى الحضارة الأولى المعروفة التي ظهرت في دلتا دجلة ، والفرات .. وتجد تعبيرها في ملحمة ” جلجامش ” ، وقد سبقت الإلياذة بألف وخمسمائة عام .. وثمة ينبوع آخر لحضارتنا نجد جذوره تتراوح بين فينيقية .. ومصر .. لقد كان الفلاسفة والمؤرخين اليونان يعجبون بمصر إعجاباً عظيماً ، وتدين آراء ” أفلاطون” الثنائية لها بالشيء الكثير ..)

 

( 112 )

 

وإذا كان المقام ، هنا ، ليس لكتابة التاريخ ، وهو بالتأكيد ليس لاستعراضه ، فإن ما نريد تثبيته الآن ، هو أن ما تم اكتشافه من الحضارات القديمة على صعيد كوكب الأرض ، حتى الآن ، يدل على أن الإنسان خلفّ في هذه الأرض العربية ، من الآثار ، والأوابد ، والشواهد ، واللوحات ، والملاحم ، والأبجديات ما يوحي بأن الحضارة العربية بأسمائها الفرعية ، السومرية ، والآرامية ، والفرعونية ، والآشورية ، و البابلية ، واليمنية ، والعمانية ، والكلدانية ، والفاسية ، والسريانية ، والنبطية ، والقبطية ، والفينيقية ، والكنعانية ، والحضرمية ، والنوبية ، والبربرية ، والكردية ، وإلى آخرها .. كانت من أقدم الحضارات في التاريخ البشري ، إلى أن يثبت العكس .. فهذا حمورابي في بلاد الرافدين العربية ، يقول : ( في هذا الوقت نادتني الآلهة ، أنا حمورابي الخادم .. والذي كان عوناً لشعبه في الشدائد … والذي أفاء عليه بالثروة ، والوفرة .. أن أمنع الأقوياء ، أن يظلموا الضعفاء ، وأنثر النور في الأرض ، وأرعى مصالح الخلق ..)

أما السومريون فقد تركوا قصصاً عبر الشعراء عن بداية الخلق ، وعن جنة بدائية ، وعن طوفان غمر هذه الجنة ، وخربّها عقاباً لأهلها على ذنب ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين ، وأرجع المؤرخون الأسر السومرية المالكة ، التي حكمت قبل الطوفان ، إلى آلاف السنين ، ومنهم جلجامش بطل أعظم ملحمة في التاريخ البابلي بعد ذلك .. وتموز الذي أصبح فيما بعد أدونيس اليونان .. ثم يأتي سرجون العظيم ليقيم أول إمبراطورية في التاريخ ، ويسمي نفسه ( الملك صاحب السلطان العالمي ) .. والسومريون أول من كتب في التاريخ من اليمين إلى اليسار قبل 3600 عام ، والبابليون أول من كتب في التاريخ من اليسار إلى اليمين ..

يقول ” ول . ديورانت ” : ( إن الحضارة في العهود القديمة غير المدونة ظهرت في بلاد اليمن ، وبلاد العرب القديمة ، ثم انتشرت إلى ما بين النهرين ، وما بعد ، وإلى مصر ، وما بعد .. لكنه ، يضع ذلك كله في نطاق الفرضية لأن العلم بتاريخ العرب القديم قليل جداً ..) ، ويضيف : ( أن عناصر بعينها من الثقافة المصرية مستمدة من بلاد السومريين ، والبابليين .. ويبدو أن الكتابة التصويرية التي كان المصريون يستخدمونها قبل عصر الأسر الحاكمة قد انتقلت إلى مصر من بلاد السومريين ، والخاتم الأسطواني – وأصله بلا شك من بلاد الجزيرة العربية – يظهر في أقدم العهود المعروفة من تاريخ مصر ..) ، ونحن نضيف أن عناصر بعينها من ثقافة بلاد ما بين النهرين ، وفينيقية ، وأوغاريت مستمدة من بلاد وادي النيل .. وأن تلك الحضارات لم تكن معزولة عن بعضها ـ كما يزور المزورون ـ ففي العصور القديمة قامت في مصر مملكات شمالية ، وجنوبية ، إلى أن وحد بينهما مينا ( منيس ) وهو شخصية لا يزال يكتنفها الغموض ، وأعلن قانوناً عاماً أوحى به الإله تحوت ، وأقام أول الأسر المالكة في التاريخ ، وأشاد عاصمة جديدة لملكه في منف ( منفيس ) .. ثم توالت الأسر الحاكمة بعد ذلك ..

 

( 113 )

 

وإذا كان الغرب قد افتتن بأهرامات مصر ، وأبراج بابل ، ومنحوتات البتراء ، وحضارة ماري ، وأبجدية أوغاريت ، وهيروغلوفية طيبة ، وناطحات السحاب في حضرموت ، وأوابد قرطاج ، وفاس ، ومكناس ، ولوبيا ، ووهران ، فإن ما يعنينا هو ذلك الإرث الحضاري المستمر نسغه فينا عبر الأجيال المتعاقبة ، فهنا لم تكن الأهرام إلا قصائد حقيقية  ” خيام ” مدهشة من الحجر الصوان كما قال غارودي ، ذلك الحجر الذي جاء من بلاد العرب كما قال ” ول . ديورانت ” .. يدل على ذلك أن الفخر ، هنا ، في حضارة العرب لم يكن بالقوة ، والجبروت ، والطغيان ، وإنما بمواجهة الطغيان ، والظلم عبر قيم أخلاقية نبيلة ، وهذا ما نقرأه على أحد الأضرحة في مناطق الأهرام :  “لم أجعل أحداً يبكي ، لم أسبب إيلام إنسان  ..” ، أما في كتاب الموتى ، في وادي الملوك ، فنقرأ ..( أعطى الجياع خبزاً ، والعطاش ماءاً وكسا العراة ، إن الصالحين العادلين يتمتعون بنشوة الأرض ، وأن الخلود ليرتبط بالأخلاق ..) .. كذلك يمكن أن نقرأ نقوشاً على تلك الأحجار تحمل لنا ، ربما ، أول رسالة غرام مكتوبة في التاريخ توجهها حبيبة إلى حبيبها : (يا حبيبي ما أعذب أن أذهب إلى الغدير لأستحم ، وأنت تنظر إليّ ، فأكشف لك عن مفاتن جمالي عندما يلتصق ثوبي الكتاني بجسدي ، ويبرز أشكال جسمي : تعال ، وارمقني ..) ..

إن متاحف العالم ، تكتظ بالآثار ، والأوابد المنهوبة من بلادنا ، ورغم ذلك ، فإن الدلائل تشير إلى أن كل ما عرف ، حتى الآن ، سواء المنهوب ، أو المهمل في الوطن ، ليس إلا قمة جبل الجليد ، الذي مازال بعيداً عن الرؤيا ، والذي ينتظر مشروعاً نهضوياً عربياً شاملاً ، يعيد الأمور إلى نصابها ، لنقرأ تاريخنا بلغتنا .. فمن المشين ، والشائن ، أن نقرأ تاريخنا ، مترجماً عن اللغات الأخرى ، ومن المشين أن نترك تاريخنا سائباً بين الأيادي الأجنبية ، محرّماً على العقول ، والأيادي الوطنية ، وإذا كان ، من المهم حقاً ، أن نستفيد من الخبرات العالمية ، والتطور التقني ، لكن هذا يجب أن يتم بشروط صارمة ، وفي مقدمتها ، أن يتم ذلك تحت إشراف وطني صارم ، فهذا تاريخنا نحن ، وتلك قيمنا ، وجذورنا ، وحضارتنا ..، وثقافتنا …

 

( 114 )

 

على أية حال ، فإن المؤرخين العرب الجادين ، بذلوا جهوداً مضنية ، لتأريخ الحضارات العربية القديمة ، لكن مراجعهم الوطنية كانت محدودة جداً ، وقد اضطروا للاعتماد على المصادر الأجنبية التي تعمدت أحياناً ، وزوّرت ، وأهملت أحياناً أخرى ، تلك العلاقة العضوية بين تلك الحضارات العربية ، من حيث المكان ، أولاً ، ثم من حيث الزمان ، ثانياً … اختلاقاً ، لجذور ، التجزئة المشينة ، للأمة العربية ….

إن القوميين العرب ، في القرن العشرين ، ارتكبوا خطأ جسيماً ، عندما تطرفوا ، إلى درجة المغالاة ، في نفي حضاراتهم ، القديمة ، والحديثة ، اعتقاداً منهم ، أنهم بذلك يواجهون الأفكار الرجعية ، التقسيمية ، التي انتزعت حضارات بعينها من سياقها التاريخي ، لنفي الوجود القومي ، للأمة العربية ، ولمواجهة أحزاب ، وقوى سياسية ، تأسست تحت وهم إمكانية إلغاء التاريخ العربي ، قبل تلك الحضارات ، وشطب التاريخ العربي بعدها… وكأن تلك الحضارات جاءت من المجهول ، وأن ما حدث بعدها ، هو عدوان عربي ، يمكن إلغاء آثاره ، وبالتالي إعادة بعث تلك الحضارات ، من جديد ، كل واحدة على حدة ، وبمواجهة الحضارات العربية الأخرى ، وفي الحدود التي يختارونها .. نفياً للهوية العربية …..

وإذا كان أولئك قد ارتكبوا خطأ تاريخياً ، وما زالوا … ، فإن التنكر القومي العربي ، لتلك الحضارات ، (واعتبار أن مجرد الحديث عنها ، هو استفزاز للمشاعر القومية العربية .. أو بعث للشرك …)  ، هو خطيئة تاريخية ، أمرّ ، وأدهى ..

الآن ، نقول بوضوح ، لا لبس فيه ، أن الحضارات العربية المعروفة لدينا ، والمندثرة في تراب هذه الأرض العربية ، هي حضاراتنا .. ونحن القوميون العرب معنيون ، قبل أي أحد آخر ، في البحث ، والتدقيق ، والتوثيق ، لقراءة التاريخ العربي .. وقراءة تلك الحضارات ، في ذلك السياق التاريخي ، عبر الزمان .. ما قبلها ، وفيها ، وما بعدها ، وصولاً إلى أمة عربية معتدى عليها حاضراً ، ومستقبلاً .. بعد أن تم الاعتداء ، أولاً ، على تاريخها ، وحضارتها ..

إذن ، وبالاستناد على ما تكشف حتى الآن من الحضارة البشرية ، فإن هذه الأرض العربية كانت مهداً للحضارات ، والديانات القديمة ، والبحث ، عن بداية هذا الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان ، مازال جارياً ، وليس لأحد ، كائناً من كان ، أن يغلق الطريق على هذا البحث ، وإذا كان من حق ، من يريد ، في هذا الوطن العربي أن يفتتن بالحضارات السومرية ، أوالفرعونية ، أوالفينيقية ، أوالآشورية ، أوالكنعانية ، أوالحميرية ، أوالكلدانية ، أوالقرطاجية ، وإلى آخرها .. وإذا كان ، من حق من يريد ، أن يعتّز بأصوله القبلية ، والعشائرية ، والنبطية ، والكردية ، والقبطية ، والسريانية ، والبربرية ، والكنعانية ، والطوارقية ، والنوبية ، والآرامية ، وإلى آخرها .. وإذا كان من حق من يريد ، أن يعتز بشجرة عائلته .. ، وبمعتقداته الدينية ، وغير الدينية ، فإن هناك حقاً ، يتضمن هذه الحقوق ، ولا يلغيها ، هو حق الأمة ، الأمة العربية ، كمؤسسة اعتبارية ، وهوية ، تتضمن ذلك كله …. فنحن القوميون العرب نعتز بذلك كله جملة وتفصيلاً ، على الاتحاد والانفراد ، ونعتبر أن من حق أمتنا أن تنسج بين تلك المكونات أياً كان مصدرها ، ومآلها .. نسيجها الوطني ، ذلك أن تلك المكونات تشكلت عبر سياق زمني طويل ، تفاعلت من خلاله جميع تلك المكونات ، أثرّت ، وتأثرت ، واختصت بالأرض ، وانتقلت عبر تراث هائل ، من الحضارات ، والحروب ، والأنسنة ، والتوحش ، والعدل ، والطغيان … ، من مجموعات بشرية متنازعة ، إلى أمة عربية واحدة مكتملة التكوين .. متكاملة المقومات .. وهذا العدوان الجاسم على صدرها ، هذه الأيام ، تقسيماً ، وطغياناً ، واستبداداً ، واحتلالاً ، واستغلالاً ، لا يغير من هذه الحقيقة  ، ولا يمس جوهرها …، وأنها محنة ، وستمضي ….

وإذا كان ، من حق أي أحد ، أن يعتز ، ويتفاخر ، بمكوّن واحد ، من مكونات هذه الأمة ، أو أحد عناصرها المتداخلة ، والمتفاعلة ، فإنه ، ليس من حق أحد ، أن يغفل المكونات الأخرى ، للأمة .. أو يفتعل صراعات ، وفتناً مضى عليها الزمن ، كان لها ظروفها ، ومقوماتها ، وأسبابها .. وهذا يعني ، أنه لابد ، من فك الحصار عن هذا الجيل العربي الراهن ، والأجيال القادمة ، وتحريرهم من شرك ، وقواقع التخلف ، وتجنيبهم السقوط في أتون فتنها ، الذي أطفأ سعاره التاريخ ، ومواجهة ، ذلك البعض ، الذي يحاول ، واهماً ، جر الأجيال العربية إلى معارك الثأر الدامية للعيش بين أشلائها ، فيستباح الحاضر ، والمستقبل ، من قبل الغير ، ويتقدمون بما ينجزون ، ويستنزفون من ثرواتنا ، وتتخلف الأجيال العربية ، بما تنخرط فيه من الفتن ، والأوهام ، ولعله  ، من المفيد هنا ، أن نشير إلى أن سائر القوانين الوضعية على اختلاف مدارسها تأخذ بمبدأ تقادم الجرائم ، ومدد التقادم تلك تتراوح بين سنة ، وفي الحد الأقصى ، عقدين من السنين ، وبالتالي ، فإننا نقول لمسيري الفتن في الوطن العربي ، أن الجرائم التي يدعوّنها ، ويحاولون جرجرة الأجيال العربية إلى أتونها ، قد مضى عليها قرون طويلة ….، وقد آن لهذه الأمة أن تواجه الواقع ، والمستقبل ، وأن تعلن بصوت واحد ، أن جرائم الأزمنة الغابرة ، قد سقطت بالتقادم المسقط ….هذا لا يعني العزوف عن تصحيح قراءة التاريخ ، على العكس من ذلك ، لكنه يعني التحرر من الأوهام بأنه يمكن الفعل في التاريخ فالإيجاب قد حدث ، والسلب كذلك ، والمجال الوحيد للفعل الإنساني هو الحاضر ، والمستقبل ….

 

( 115 )

 

نعود إلى صلب الموضوع ، ففيما يتعلق بالحديث عن الحضارات القديمة نجد أنه لا يمكن فهمه ، إلا بقراءة الديانات القديمة ، وهنا ، في هذه الأرض العربية ، نجد أساساً ، لتلك الديانات التجريدية ، التي حاولت البحث عن الآلهة ، التي ترى ، ولا يراها أحد ، بعد عبادات ، لقوى ، وكائنات ، وظواهر مخيفة ، مجسّدة ، تقدم لها النذور ، والأضاحي .. وهنا ، في هذه الأرض العربية ، بدأ البحث عن آلهة غير موجودة على الكوكب ، وإنما فيما وراءه ، في القمر .. والنجوم ، والشمس .. ثم ، فيما وراء ذلك كله .. وهي العبادات التي نجدها ، بشكل ، أو بآخر ، بعد ذلك ، في مختلف شعوب الأرض . من أخذها ، عن ، من ..؟ .. هذا سؤال مفتوح بين يدي المستكشفين .. لكن أقدم الأدلة على ذلك في العالم نجده ، هنا ، في وادي الملوك ، وأور ، وبابل ، وماري ، وأوغاريت ، وتدمر ، والبتراء ، وسبأ ، وحضرموت ، وسيوه ، وقرطاج ، وفاس ، وتدمر ، وأفاميا ، وإلى آخره .. تلك الأوابد التي مازالت شواهد ، لا يمكن تجاهلها ….

إن ” أوزيريس ”  ، إله ، مزقه خصومه ، البداة ، لكن أخته ” إيزيس ” تتمكن من جمع أشلائه المبعثرة فينبعث من جديد ، إنه ، إله ، يولد من جديد في كل صباح ، كالشمس ، بعد أن يجتاز مملكة الأموات .. إنه إله يتخذ انبعاثه قانوناً كلياً للحياة ، وللطبيعة  ، وللتاريخ ..

ثم جاء أخناتون ، بعد ذلك ، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وقاد حملة ضد الخصومات القبلية ، وفرض ديناً واحداً ، وإلهاً واحداً .

وإذا كانت ملحمة جلجامش قد سبقت الإلياذة بألف وخمسمائة سنة ، فإن إخناتون سابق على زرادشت في دعوته إلى التوحيد ، في الديانة المزدكية ، بألف عام .

في الملحمة الهندية ( راماينا ) ، نجد ( راما ) يتحدى المحيط ، وبيده قوسه ، ويهدده بالجفاف ، بثقبه بسهم من أسهمه النارية .. أما ( شيفا ) الإله الراقص ، فهو يخلق العالم بينما يرقص ، ويهب العالم إيقاعه ، وصيرورته ، فيميته ، ويجعله يولد من جديد ، إنه الإله الخالد الذي يتجلى ، في التنوع ، في الحركة ، ويلهم نيتشه أحلامه ( لا يسعني الإيمان إلا بإله يجيد الرقص ) ، بينما ينشد الإله كريشنا ( إنني مبدأ الأشياء كلها ، إنني الكائن الجاثم في صميم الكائنات كافة ، أنا البدء ، والوسط والنهاية من كل كائن ، وأنا الصاعقة في وسط الأسلحة ، وأنا الكلمات التي تتمتمها الشفاه عند تقديم الأضاحي ) وحتى عندما يختطف رئيس الشياطين ( سيتا ) فإنها تقبل أن تتعرض لامتحان التعرض للنار وتتمكن بحماية ( اكني ) إله النار ، أن تجتاز اللهب بسلام ، حتى أن باقة زهور اللوتس ، التي تحملها بيدها ، لا تذبل عندما تخرج من المحرقة .. فهل تخفي الرمزية هنا ، وعلاقتها بقصة إبراهيم ، عليه السلام ، أما أهل ( بالي ) فينشدون ( إلهنا إله راقص تشع قدرته في الفكر وتقوده إلى حلبة الرقص مثلما تحرق حرارة النار الحطب ) ..وكما نجد أصول عبادة الشمس في أبراج بابل ، ووادي الملوك ، وأهرامات مصر .. نجد آلهة الرقص العربي عشتار ، وفرقتها ، تلهم الراقصين ، الإله ( شيفا ) في الهند ، والآلهة الراقصون في قبائل الصين ، واليابان ، وأمريكا ، وأوروبا ، واستراليا ، أو أنهم هم الذين ألهموها ..   لا ندري .. فقط نقول أن الحضارة الإنسانية المعروفة ، ومنذ خطوتها الأولى ، تتألف من شبكة انتشار واسعة ..

          إن حضارة الإنسان القديم في بلاد العرب ، وأفريقيا ، وآسيا ، والأمريكيتين  ، واستراليا، وحتى أوروبا القديمة ، منحت الإنسان طريقاً روحية إلى الخلود .. بينما الغرب الصناعي الحديث منح الإنسان ، مذهبية تقنية ، وعلمية ، هي اليوم كارثة ..

يقول حكيم أفريقي هو ( بوبو هاما ) : ” لقد عرف الناس حتى الآن إنسانين أحدهما روحي . والآخر مادي ..” ويتساءل غارودي : هل تستطيع ضروب الحكمة الإفريقية تحقيق تركيب يؤلف هذا التداول للمادة ، مع ثقافة الروح هذه ..؟

هنا ، نعثر على أبرز الفلاسفة القلقين في أوروبا الحديثة يبحث عن الحل .. وهو لذلك يقترب إلى درجة مذهلة من ( جدل الإنسان ) .

يقول روجيه غارودي ، بالحرف الواحد : ( .. في إمكاننا تصور معرفة لا تكون وحيدة الاتجاه ، حيث يستطيع الشرق ، أن يسهم في تقديم معنى عن الإنسان ، وعن جملة البشر ، وهو المعنى الذي يفتقر إليه الغرب اليوم افتقاراً رهيباً .. وقد ، غدا الإله في الرأسمالية ، هو المال ، العجل الذهبي …، وغدت “المادية الجدلية” ، في الاشتراكية ، نوعاً من دين ، ذي عقيدة مقدسة ، وصار الحزب بديلاً عن الله ، في نوع من لاهوت علماني ، وهو أسوأ أنواع اللاهوت .. إن الأمر ، ليس بالرجوع إلى ما لا أعرف ، من أنواع ، ما قد يظن أنه أفريقية السرمدية ، ولكن في وسع الحكمة الأقريقية ، وفي شكل لن يظل إسطورياً ، وبالامتناع عن أية ثنائية ، في وسعها ، بآن واحد ، أن تمتح حياة ، من فكر ” الهند القديمة ” ، ومن تقنية ” الغرب الصناعي ، أي أن تؤلف بين جميع طاقات الفكر ، والمادة ، وفي ذلك وعد الإنسان الشامل ..)

الإنسان الشامل ، نعم ، يا روجيه غارودي من أوروبا ، ونعم ، يا بوبوهاما من أفريقيا ، ونعم يا كل الفلاسفة ، والمفكرين والعلماء الجادين ، في كل مكان من هذا العالم ، لكن نقول لكم ، وبدون تواضع هذه المرة ، أن الحكمة العربية ، ربما تكون قد أجابت على تلك الأسئلة .. باكتشاف “القانون النوعي للإنسان الشامل” ،  وهو   ” جدل الإنسان ” الذي صاغه حكيم عربي ، من هذه الأمة العربية ، في هذا الزمان …..

 

( 116 )

 

وإذا كانت بعض الأبحاث العلمية ، تشير إلى وجود الإنسان ، منذ خمسة ملايين سنة على الأقل .. وأنه منذ / 200 / ألف سنة ، أي نهاية العصر الجليدي الأخير ، بدأت هجرة الإنسان باتجاه أوروبا ، والأمريكتين التي يفترض أنهما كانتا فارغتان من البشر ، فإن شعب الأنكى في أمريكا ، كان يعتقد أنه متحدر من الشمس ، حيث ضمت إمبراطورية الأنكا / 800 / مقاطعة ، وكانت المحاصيل تقسم إلى ثلاثة أقسام ، ثلث للكنهة ، وثلث للمزارع ، وثلث للدولة ، وكان كل عشرة رجال يخصصون واحداً منهم ، للحرب ، وكذلك امرأة من عشرة ، لخدمة النبلاء ، وكان الإمبراطور ابن الشمس ، وحاكماً لأرض الأقطار الأربعة ، وأن إله الشمس زوده بالوحي لتوحيد شعوب العالم ، ونشر العدل ، وأن الأرض مقدسة ، والمعبد الأساسي ، هو معبد الشمس ، وعبادة الشمس التي نجد أسسها الأولى في أهرامات مصر ، وأبراج بابل ، كما قلنا ، نجدها في مختلف أنحاء العالم ، ومازال بعض الحكام حتى الآن في أرجاء آسيا يعتبرون أنفسهم مفوضين من إله الشمس ، أما الأوروبيين فيقولون أن ” المسينيون ” هم أول من أنشأ حضارة في اليونان عام 1900 ق.م وهم الذين خلدهم هوميروس في ملحمتيه  “الإلياذة” ، و”الأوديسة” إلى أن هزمهم من أسموهم ” البربر ” عام 1200 ق.م ، وبعد سقوط مسينا بحوالي 200 سنة نشأت سلسلة المدن الجديدة في اليونان إلى أن وحدها فيليبس المقدوني والد الاسكندر عام 338 ق.م ، بينما أنشئت روما عام 753 ق.م وأقام الرومان إمبراطوريتهم التي دامت 500سنة ، أما – الأنغلوساكسون – ( الإنكليز ، والسكسون ، والجوت ) ، إضافة إلى الفايكنغ ، والنورمان ، فيعود تاريخهم إلى القرن الخامس الميلادي ، وما بعد ، أما الحضارة الصينية ، فقد تكونت من عدة دول صغيرة ، توحدت بعد ذلك ، وكان كل حاكم لها ، يعتقد انه مرسل من الآلهة ، ويعرف بأبن السماء ، وفي عام 551 ق.م ، ولد كونفيشوس ..

إننا ننقل تلك الأحداث ، والتواريخ ، بتحفظ شديد ، ذلك أننا نؤكد على ما قلناه ، بأن التاريخ البشري ، من جهة المصدر مازال مفتوحاً .. على المعرفة الإنسانية ، لتعريف الكثير من المجاهيل ، وحسم أمر الكثير من الافتراضات ، التي تحتمل الصح ، والخطأ ..

ونحن ، إذ نحاول رسم تلك الصورة البانورامية ، بخطوطها العريضة ، فإننا نفعل ذلك ، كمقدمة لقراءة حضارة العرب ، وكيف أثرّوا ، وتأثروا ، بذلك كله  ، وموقعهم في الحضارة الإنسانية ….

( يتبع .. البيان ” 24 ” ..)

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بساط الثلاثاء

50

يكتبها حبيب عيسى

البيان ..” 24 ” …

” الطليعة العربية “

العرب

حضارات ، وديانات قديمة

 

( تتمة …”24″ …البيان….)

( 117 )

” إن الآريين لم يشيدّوا صرح الحضارة ، بل أخذوها عن بابل ، ومصر ، وأن اليونان لم ينشئوا الحضارة ، إنشاء ، لأن ما ورثوه منها أكثر مما ابتدعوه ، وكانوا الوارث المدلل المتلاف لذخيرة من الفن ، والعلم مضى عليها ثلاثة آلاف من السنين ، وجاءت إلى مدائنهم مع مغانم التجارة ، والحرب ، فإذا درسنا “الشرق الأدنى” وعظمّنا شأنه ، فإنّا بذلك نعترف بما علينا من دين لمن شادوا بحّق صرح الحضارة الأوربية الأمريكية ، وهو دين كان يجب أن يؤدى منذ زمن بعيد ..”

قبل أن يتسرع أحد باتهامنا بالشوفنينة ، والعنصرية نسارع إلى التأكيد أن هذا القول ليس لنا ، وليس لأحد من بلاد العرب ، فهذا ما اكتشفه ( ول . ديورانت ) في مغامرته للبحث عن قصة الحضارة ، ويضيف : ( إن أقدم الرموز التصويرية المعروفة لدينا .. مما كشف عنه في مقابر ما قبل التاريخ في مصر ، والشرق الأدنى ، وأسبانيا .. مما يرجع في التاريخ إلى سنة 5000 قبل الميلاد .. ويقيناً أنه ما جاءت سنة 3600 ق.م – وقد يكون قبل ذلك بزمن طويل – حتى كان الناس في سومر ، ومصر قد طوروا مجموعة من الصور التي يعبرّون بها عن أفكارهم ، وأطلقوا عليها اسم ” الكتابة الهيروغليفية ” .. وبالتالي فإن الفينقيين لم يخلقوا أحرف الهجاء ، ولكنهم اتخذوا منها سلعة للبيع ، والشراء .. ثم صدرّوها إلى كل مدينة من مدن البحر الأبيض المتوسط ..”

وإذا كان هذا ما قاله ” ول . ديورانت ” ، فإن المؤرخين يكادون أن يجمعوا ـ بعد الحديث عن العصور الجليدية التي يقدروّنها بـ 500000 ق. م ، والإنسان البدائي الذي يطلقون عليه أسماء مختلفة ، ومتدرجة عبر الزمان .. ـ أن ” الرقم ” التي كشف عنها في أوغاريت ، وأور ، وبابل ، وسبأ ، وطيبة ، وتل العمارنة .. وغيرها من مدائن العرب تدل على أن تلك الحضارات التي هي الأقدم في التاريخ البشري المعروف حتى الآن ، ليست هي الأقدم في حضارات العرب .. بل هي الحضارات التالية لما أسماه القص العربي القديم ” حضارات العرب البائدة ” .. التي مازالت مجهولة .. تترقب أياد عربية خبيرة للكشف عنها .. وقد تم الكشف مؤخراً في أحد المواقع الأثرية في بلاد الشام على ما يعتقد أنها أقدم لوحة فنية في التاريخ تعود إلى / 8000 / سنة قبل الميلاد ، وان البحث مازال مستمراً في الموقع المذكور ..لأن هناك كنوز مازالت مخبّأة هناك   كما أن آخر الاكتشافات في أوغاريت دلتّ إلى جانب الأبجدية التي يعتقد أنها الأقدم في التاريخ البشري ، وإلى جانب الكتابة من اليمين إلى اليسار ، أو الكتابة من اليسار إلى اليمين ، على وجود كتابة عمودية من الأعلى إلى الأسفل . .. وهي التي مازالت معتمدة في دول شرق آسيا ، والصين ، واليابان ..

( 118 )

وإذا كان المؤرخون قد تحدثوا عن حمورابي ، كأول مشرّع في التاريخ البشري ، فإن الاكتشافات في ( أور مدينة الكلدان ) دلتّ على أن ملكها ( أور – أنجور ) قد سبق ذلك ، وأعلن في جميع الدولة السومرية ، أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم ، حيث يقول : (لقد أقمت إلى أبد الدهر صرح العدالة المستندة إلى قوانين شمش الصالحة العادلة ) .. وقد نشر ( أور – أنجور ) شرائعه في البلاد باسم الإله الأعظم شمش ، بعد أن رأى ما في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية ، فتضاعف عدد الآلهة مراراً حتى بات لكل مدينة ، ولكل ولاية ، ولكل نوع من النشاط البشري إله موح مدبّر ، وكانت الشمس هي ( نور الآلهة ) الذي كان يقضي الليل في الأعماق الشمالية حتى يفتح له الفجر أبوابه فيصعد في السماء كاللهب ، ويضرب بعربته في أعماق القبة الزرقاء ، ولم تكن الشمس إلا عجلة في مركبته النارية .. وقد عثر في المدائن السومرية على لوحة نقشت عليها بعض الصلوات وجاء فيها : ( إن الضأن فداء للحم الآدميين به افتدى الإنسان حياته )” وقد أثرى الكهنة من تلك القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً ، وأعظمها قوة في المدن السومرية ، وحتى كانوا هم الحكام المتصرفين في الشؤون …

( 119 )

إذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى من الوطن العربي ، واتجهنا إلى الكرنك على النيل نقرأ هذه الرسالة التي نقشتها على أحد المسلتين ، اللتين تتصدران المعبد ، الملكة حتشبسوت : (إن هاتين المسلتين قد صنعتا من الحجر الأعبل الصلد الذي جيء به من محاجر الجنوب ، وأن رأسيهما من الذهب الإبريز .. ويمكن مشاهدتهما على النهر من بعيد ، ونورهما الساطع يشع في الأرضين ، وإذا ما لاح قرص الشمس بينهما بدا كأنه يبزغ حقاً في أفق السماء .. وأنتم يا من ترون هذين الأثرين بعد زمن طويل ، ويا من تتحدّثون من بعدي عما فعلت ستقولون : إنا لا ندري كيف أقاموا جبلاً كله من الذهب .. لقد أنفقت في تذهيبهما ذهباً كنت أكيله ، كيلاً كأنه أكياس الحب .. ذلك أني أعرف أن الكرنك أفق الأرض السماوي..)

كانت السماء بداية الخلق عند أهل مصر ، ولم تكن الأجرام السماوية العجيبة إلا الصور الخارجية لأرواح عظيمة ، وكانت السماء قبة تقف في فضائها الواسع بقرة عظيمة هي الآلهة حتحور ، والأرض من تحت أقدامها ، وبطنها يكسوه جمال عشرة آلاف نجم ، وأن السماء هي الإله ” سيبو ” النائم في لطف على الأرض ، الأرض التي هي بدورها الإلهة ” نويت ” ومن تزاوج هذين الربين المهولين ، ولدت كل الأشياء ، ومن عقائدهم أيضاً ، أن الأبراج ، والنجوم قد تكون آلهة ، وأن ساحو وسيديت ، كانا إلهين مهولين ، وأن ساحو كان يأكل الآلهة ثلاث مرات في اليوم بانتظام ، وكان يحدث في بعض الأحيان أن إلهاً من هذه الآلهة المهولة يأكل القمر ، ولكن ذلك لن يدوم إلا قليلاً ، لأن دعاء الناس ، وغضب الآلهة الأخرى لا يلبثان أن يضطراه إلى أن يتقيأ القمر مرة أخرى ، ويعود للظهور ، وعلى هذا النحو كان عامة المصريين يفسرون خسوف القمر الذي كان إلهاً ، ولعله أقدم ما عبد من الآلهة في مصر ، ولكن الشمس في الدين الرسمي كانت أعظم الآلهة ، وكانت تعبد على أنها الإله الأعلى ” رع ” ، الذي لقحّ الأم “الأرض” ، بأشعة الحرارة .. وكانت تصّور على أنها عجل مقدس يولد مرة في فجر كل يوم ، ويمخر عباب السماء في قارب سماوي ، ثم ينحدر إلى الغرب في كل مساء ، أو أن الشمس هي الإله “حورس” مصوراً في صورة باشق رشيق يطير في السموات بعظمة ، وجلال يوماً بعد يوم .. ولكن الاعتقاد الذي ترسّخ هو أن ” رع ” ، أو الشمس ، هي ، أو هو الخالق على الدوام ، ولما أشرق أول مرة ، ورأى الأرض صحراء جرداء غمرها بأشعته ، فبعث فيها النشاط ، وخرجت من عيونه كل الكائنات الحية من نبات ، وحيوان ، وإنسان ، مختلطة بعضها ببعض ، ولما كان أول من خلق من الرجال ، والنساء أبناء ” رع ” كانوا سعداء ، ولكن أبناءهم انحّطوا شيئاً ، فشيئاً إلى طريق الضلال ، فخسروا ما كانوا عليه من سعادة ، وكمال ، فغضب ” رع ” من أجل ذلك على خلقه ، وأهلك عدداً كبيراً من الجنس البشري … وهكذا فإن المصريين لم يعبدوا مصدر الحياة ، وحسب ، وإنما عبدوا مع هذا المصدر كل صورة من صور الحياة ، فكانت بعض النباتات مقدّسة لديهم .. وكذلك كان لديهم آلهة من الحيوان ، وكانت أكثر ذيوعاً بينهم .. ثم صار الآلهة بشراً ، وكان الفرعون هو الرئيس الديني الأعلى ، ومن أجل هذا كان الكهنة في مصر دعامة للعرش كما كانوا هم الشرطة السرية ..”المخبرين” ، وقد تطلب هذا الدين الكثير التعقيد ، وأن تقوم عليه طبقة بارعة في فنون السحر ، والطقوس الدينية .. وكان أهم ما يميز الدين في مصر القديمة تأكيده على فكرة الخلود ، فالمصريون يعتقدون أنه إذا أمكن أن يحيا النيل ، ويحيا النبات بعد موتهما ، فإن في مقدور الإنسان أيضاً أن يعود إلى الحياة بعد موته ، ولهذا كان الجهد منصباً على بقاء أجسام الموتى سليمة ..

( 120 )

قبل أن نختتم هذا الحديث عن الديانات المصرية القديمة لابد من الوقوف عند تجربة أخناتون ، الذي أطلق عليه البعض لقب الشاعر المارق الذي أجج نيران الثورة الدينية ، بينما يراه البعض الآخر أول داعية للتوحيد في التاريخ …

” أمنحوتب الرابع ” هو الذي عرف باسم ” إخناتون ” والذي لم يكد يتولى الملك حتى ثار على دين ” آمون ” وعلى الأساليب التي يتبعها كهنته ، فقد كان في الهيكل العظيم بالكرنك طائفة كثيرة العدد من النساء يتخذن سراري لآمون الإله ، في الظاهر ، بينما كنّ ، ليستمتع بهن الكهنة في الحقيقة ، وكان الملك الشاب “أخناتون” في حياته الخاصة مثالاً للأمانة ، فلم يرضه هذا ” العهر المقدس ” وكانت رائحة دم الأكباش التي تقدم قرباناً لآمون كريهة نتنة في خياشيمه ، كما كان اتجّار الكهنة في السحر ، والرقى ، واستخدامهم نبوءات آمون ، للضغط على الأفكار بإسم الدين ، ولنشر الفساد السياسي مما تعافه نفسه ، فثار ، على ذلك كله ، ثورة عنيفة ، وقال مقولته الشهيرة : ( إن أقوال الكهنة لأشد إثماً من كل ما سمعت ..) وثارت روحه على الفساد الذي تدهور إليه دين شعبه ، وكره المال الحرام ، والمراسم المترفة التي كانت تملأ الهياكل ، وثار على ما كان لطائفة الكهنة المرتزقة من سيطرة على حياة الشعب .. فأعلن ، بشجاعة نادرة ، أن تلك الآلهة ، وجميع ما في ذلك الدين من احتفالات ، وطقوس كلها وثنية ، منحطة ، وأن ليس للعالم إلا إله واحد ، وحيد ، هو ” الإله أتون ” .. ورأى أخناتون ، أن الإلوهية أكبر ما تكون في الشمس كمصدر الضوء ، وكمصدر لكل ما على الأرض من حياة .. واستعان أخناتون ببعض الترانيم القديمة ، وبعض قصائد التوحيد ، فألفّ أغان حماسية .. وقصائد ، ننقل هذه الأبيات من أحد قصائده :

/ يا خالق الجرثومة في المرأة / ويا صانع النطفة من الرجل / ويا واهب الحياة للابن في جسم أمه / ألا ما أكثر أعمالك الخافية علينا / أيها الإله الأوحد الذي ليس لغيره سلطان كسلطانه / يا من خلقت الأرض كما يهوى قلبك / حين كنت وحيداً / إن الناس ، والأنعام كبيرها وصغيرها / وكل ما على الأرض من دابة / وكل ما يمشي على قدمين / وكل ما هو في العلا / ويطير بجناحيه / والبلاد من سورية إلى كوش وأرض مصر / إنك تضع كل إنسان في موضعه / ألا ما أعظم تدبيرك / يا رب الأبدية / أنت أوجدت العالم / وأقمت كل ما فيه لأبنك / إخناتون ذي العمر المديد / ولزوجه المليكة الكبرى محبوبته / سيدة القطرين / نفر – تفرو – أتون – نفرتيتي / الباقية المزدهرة أبد الآبدين / ..

          إن تلك القصيدة ليست من أوائل قصائد التاريخ الكبرى فحسب ، بل هي فوق ذلك أول شرح بليغ لعقيدة التوحيد ..

          لقد كان حلم أخناتون أن تسمو الوحدانية بالبشرية . لكنه ، وبقراءة نقدية ، لم يترك لما في دينه الجديد ، آنذاك ، من صفات نبيلة ، ليسري في قلوب الناس ويستميلها إليه على مهل ، دون قسر ، بل عجز أن يفكر في الحقائق التي جاء بها تفكيراً يتناسب مع الواقع ، فخّيل إليه ( وهنا تغّلب الفرعون على الشاعر) أنه يتمكن من فرض عقائده ، فرضاً على الناس ، فأعلن ، أن كل دين ، وكل عبادة عدا عقيدته ، وعبادته (عقيدة وعبادة اخناتون) ، فحش ، وضلال لا يطاق ، فأصدر أمره على حين غفلة ، بأن تمحى من جميع النقوش العامة أسماء الآلهة ، إلا أسم الإله ” آتون ” وأغفل اسم أبيه ، بأن محا كلمة ” آمون ” من مئات الآثار ، وحرّم كل دين ، غير دينه ، هو ، وأمر بأن تغلق جميع الهياكل القديمة ، وغادر طيبة لأنها مدينة نجسة ، وأنشأ له عاصمة جديدة في ” أخناتون ” مدينة “أفق أتون” ، وحرّم على الفنانين أن يرسموا صوراً “لأتون” لأن الإله الحق ، في اعتقاده ، لا صورة له ، ثم ترك الفن بعدئذ حراً طليقاً ، عدا شيئاً واحداً آخر ، وهو أن يمّثلوا الأشياء كما يرونها ، وأن يغفلوا العرف الذي جرى عليه الكهنة ، وصدع الفنانون بأمره ، وصوروه هو نفسه ، في صورة شاب ذي وجه ظريف رقيق ، رقة تكاد تبلغ حد الوجل ، وصوروا الكائنات الحية نباتية ، أو حيوانية في تفصيل ينم عن حب ، وعطف عظيمين ، ودقة ، لا تسمو عليها دقة في أي مكان ، أو زمان …..

إن قراءة متعمقة لتلك التجربة الإنسانية الضاربة في القدم لا تحتمل “لو” ، وإلا لقلنا مع “ول . ديورانت” : “لو أن أخناتون كان ذا عقل ناضج لأدرك أن ما يريده من  خروج على تعدد الآلهة ، القديم المتأصل ، في عادات الناس ، وحاجاتهم إلى وحدانية فطرية تخضع الخيال للعقل ، لأدرك أن هذا تغيير لا يمكن أن يتم في زمن قصير ، وإذن لسار في عمله على مهل ، وخففّ من حدة الانتقال ، بأن جعله على مراحل تدريجية ،ولكنه كان شاعراً لا فيلسوفاً ، فاستمسك بالحقيقة المطلقة …. وضرب ضربة واحدة جرد بها طائفة غنية قوية من تراثها …، وحرّم عبادة الآلهة … فقام الكهنة من وراء الستار يتآمرون ، ويتأهبون ، وظل الناس في دورهم ، وعزلتهم يعبدون آلهتهم القديمة المتعددة … واعتبروا ما يقوم به أخناتون زيغ ، وضلال ، ورغم ذلك كان يعيش حياة البساطة ، والاطمئنان مع زوجه نفرتيتي ، وبناته السبع ، ومع أن القانون كان يجيز له أن يطلب وارثاً ذكراً من زوجة ثانية ، فإنه لم يقدم على هذا الحل ، وآثر أن يظل وفياً لنفرتيتي … فقامت الثورات عليه ، وتوفي قبل أن يتم الثلاثين من عمره 1362 ق.م محطمّ القلب ، وهو على يقين أن شعبه غير جدير به … وبعد عامين من وفاته جلس على العرش صهره ، زوج ابنته ،”توت عنخ آتون” ، حبيب الكهنة ، الذي ما لبث أن بدل اسمه إلى “توت عنخ آمون” ، وأعاد عاصمة الملك إلى طيبة ، وتصالح مع السلطات الكهنوتية ، وأعلن للشعب عودته إلى عبادة الآلهة القديمة ، وأزيلت من جميع الآثار القديمة كلمتا أتون ، وأخناتون ، وحرّم الكهنة على الشعب أن ينطقوا باسم ” الملك المارق أخناتون ” ونقشت على الآثار الأسماء التي محاها أخناتون ، وأعيدت أيام الأعياد التي ألغاها ، وهكذا عاد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل .. وفيما عدا هذا حكم توت غنج آمون حكماً لا ميزة له ، ولا فضل ، ولولا ما كشف في قبره من كنوز لا عهد للناس بها من قبل ، لما سمع العالم به .. وللذين يبحثون عن أدلة على ترابط الحضارات في الوطن العربي نشير إلى أنه أعلن هذه الأيام عن العثور على تمثال “توت غنج أمون” خلال عمليات التنقيب التي جرت في بابل العراق مؤخراً ..!

          وحسبنا أخيراً رغم ما آلت إليه تلك الحضارة العظيمة في مصر أن نشير إلى أن روح مصر لا تزال باقية فيما ورثه الجنس البشري من علم ، واختراعات ، وأنظمة ، وعقائد ، فالنهوض بالزراعة ، والتعدين ، واختراع الزجاج ، وأنظمة البريد ، والتعليم ، والارتقاء بالكتابة ، والنهوض بالآداب ، والطب ، والدساتير ، والعدالة الاجتماعية ، وفنون العمارة ، والنحت  أضحت من التراث الثقافي للجنس البشري ، وأن ما قامت به مصر من الأعمال في فجر التاريخ لا تزال آثاره أو ذكرياته مخلدة عند كل أمة ، وفي كل جيل من الأجيال المتعاقبة على امتداد هذا العالم ..

( 121 )

إذا عدنا إلى بلاد ما بين النهرين ، وفي زمن معاصر تقريباً للحضارة المصرية القديمة ، نجد نسخة تكاد تكون مطابقة لأخناتون ، هو حمورابي الذي يتلقى القوانين أيضاً من ذات المصدر ، وهو شمش إله الشمس حيث جاء في مقدمة القوانين الحمورابية : ” ولما عهد ” أنو ” الأعلى ، و ” بل ” رب السماء ، والأرض الذي يقرر مصير العالم ، لما أن عهدا حكم بني الإنسان كلهم إلى ” مردوك ” ، ولما أن نطقا باسم بابل الأعلى ، وأذاعا شرعتهما في جميع أنحاء العالم ، وأقاما في وسطه مملكة خالدة أبد الدهر ، قواعدها ثابتة ، بثبات السماء ، والأرض ، وفي ذات الوقت ناداني ” أنو ” و” بل ” أنا حمورابي الأمير الأعلى ، لكي أنشر العدالة في العالم وأقضي على الأشرار ، والآثمين ، وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء .. وأنشر النور في الأرض ، وأرعى مصالح الخلق ، أنا حمورابي الذي اختاره ” بل ” حاكماً والذي جاء بالخير ، والوفرة .. والذي أعان شعبه في وقت المحنة ، وأمّن الناس على أملاكهم في بابل ، حاكم الشعب الخادم الذي تسر أعماله أنونيت ..”

          ويختتم حمواربي قوانينه الـ 285 بالقول : ” إن الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك الحكيم حمورابي ، والتي أقام بها في الأرض دعائم ثابتة ، وحكومة طاهرة صالحة ..أنا الحاكم الحفيظ الأمين عليها ، في قلبي حملت أهل أرض سومر وأكاد .. وبحكمتي قيدّتهم حتى لا يظلم الأقوياء الضعفاء ، وحتى ينال العدالة اليتيم ، والأرملة .. فليأت أي إنسان مظلوم له قضية أمام صورتي ، أنا ملك العدالة ، وليقرأ النقش الذي على أثري ، وليلق باله إلى كلماتي الخطيرة ، ولعل أثري هذا يكون هادياً له في قضيته ، ولعله يفهم منه حالته ، ولعله يريح قلبه فينادي : حقاً أن حمورابي حاكم كالوالد الحق لشعبه .. لقد جاء بالرخاء إلى شعبه مدى الدهر كله ، وأقام في الأرض حكومة طاهرة صالحة ، ولعل الملك الذي يكون في الأرض فيما بعد ، وفي السمتقبل يرعى ألفاظ العدالة التي نقشتها على أثري ..”

وقد كشف مؤخراً في تل العمارنة عن رسائل متبادلة بين البابليين ، وأمنحوتب الثالث ، وأخناتون ، للتعاون في مواجهة الغزاة ..

( 122 )

دعونا نقف عند الخطبة التي افتتح فيها نبوخذ نصّر حكمه ، وهو يخاطب (مردوك)  كبير آلهة بابل حيث يقول : ” إني أحب طلعتك السامية ، كما أحب حياتي الثمينة ، إني لم اختر لنفسي بيتاً في المواطن كلها الواقعة خارج مدينة بابل .. ليت البيت الذي شدته يدوم إلى الأبد أيها الإله الرحيم ، ولعلي أتمتع ببهائه ، وجلاله ، وأبلغ فيه الشيخوخة ، ويكثر ولدي ، وتأتي إلي فيه الجزية من ملوك الأرض كلها ، ومن بني الإنسان أجمعين ..”

هنا نجد ذلك الطموح المبكر للسيطرة على العالم كله .. وهنا يشاهد القادم إلى مدينة بابل صرح شامخ كالجبل يعلوه برج مدرج من سبع طبقات ، جدرانه من القرميد المنقوش البّراق ، يبلغ ارتفاعه / 650 / قدماً ، فوقه ضريح يحتوي على مائدة كبيرة من الذهب المصّمت ، وعلى سرير مزخرف تنام عليه كل ليلة إحدى النساء في انتظار ..

وهذا الصرح الشامخ الذي تجاوز أهرام مصر علوّاً ، وأعلى من جميع مباني العالم في كل العصور القديمة المعروفة .. هو ( برج بابل ) .. وعلى ربوة بالقرب من البرج أشاد نبوخذ نصّر قصره .. وبالقرب منه حدائق بابل المعلقة التي بناها نبوخذ نصّر تكريماً لزوجته ابنة ملك الميديين ، وذلك كي يخفف عنها آثار الجو الحار في بابل ..

وأقدم آلهة البابليين ، آلهة السماء ، وما فيها : ” أنو ” السماء الثابتة ، وشمش “للشمس” و “ننار” للقمر ، و “بعل” الأرض التي يعود كل البابليين إلى صدرها بعد مماتهم ، وكان لكل أسرة آلهتها المنزلية تقام إليها الصلاة ، وتصّب إليها الخمور في كل صباح ، ومساء ، وكان لكل فرد رب يحميه ، ويرّد عنه الأذى ، والشرور ، ورغم أننا لا نجد عند البابليين شواهد على التوحيد ، كذلك الذي شاهدناه عند أخناتون ، لكن اتساع رقعة دولتهم عقب الحروب أخضع آلهتهم المحلية لسلطات إله واحد ، وهنا لابد من الإشارة إلى عشتار الشبيهة بإيزيس آلهة المصريين ..، وعلى نموذجها صاغ اليونان الآلهة أفروديت ، وكذلك الرومان ، فينوس .. وعشتار لم تكن آلهة جمال الجسم ، فحسب ، بل كانت فوق هذا كله الآلهة الرحيمة التي تعطف على الأمومة الولود ، والموحية الخفية ، بخصب الأرض .. وكانت تصّور أحياناً في صورة امرأة عارية تقدم ثدييها للرضاع .. وكان عبادّها يخاطبونها بقولهم :    ” العذراء ” ، و ” العذراء المقدسة ” ، و” الأم العذراء ” ، ومع ذلك فإن جلجامش رفض الزواج بها حين عرضت عليه الزواج ، وحجته في ذلك أنه لا يثق بها ..

وللبابليين قصصهم ، وأساطيرهم عن الخلق ، والوجود .. فبعد أن فتق الإله مردوك السماء ، والأرض ، ووضعهما في مكانيهما ، شرع يعجن الأرض بدمائه ، ويصنع الناس لخدمة الآلهة … أما جلجامش فقد كان حاكماً أسطورياً لأوروك ، وهو نجا من الطوفان ، ولم يمت قط ، ثلثاه إله ، وثلثه آدمي ، لا يماثله أحد في صورة جسمه ، يرى جميع الأشياء ، ولو كانت في أطراف العالم ، كابد كل شيء ، وعرف كل شيء ..

( 123 )

 إلى شمال بابل ظهرت حضارة جديدة ، لكنها كانت حضارة عسكرية شديدة القسوة هي الحضارة الآشورية التي امتدت إلى فارس ، وسومر ، وأكاد ، وبابل ، ودمشق ، ومصر ، وعاصمتها آشور حيث خلع عليها الإله آشور أسمه ، وعمّمه على البلاد كلها ، وقد ظل ملوك آشور يتباهون بلقب ( الملك صاحب الحكم الشامل ) ، واستولى ” آشور ناصر بال ” على اثنتي عشرة دولة صغيرة ، ومّد : “سلما نصّر الثالث ” هذه الفتوح حتى دمشق ، ثم ثار ابنه عليه ، وخلعه ، وحكمت ” سمور امات ” أم الملك ثلاث سنوات ، وكان حكمها هو الأساس التاريخي لأسطورة  “سميرأميس ” التي تجعل منها نصف آلهة ، ونصف ملكة ، أمّا “تفلث ناصر الثالث” ، فقد جيّش جيوشاً ، وحكم أرمينيا ، وسورية ، وبابل ، ودمشق ، والسامرة ، وامتد حكمه من جبال القفقاس إلى مصر ، وخلفه سرجون الثاني الذي امتد حكمه إلى قبرص ، واليونان ، وقضى ابنه “سنحاريب” على الفتن ، واشتد غضبه على بابل ، فأشعل فيها النيران ، ولم يكد يبقي على أحد من أهلها .. ، وتم تحطيم آلهة بابل صاحبة السلطان الأعظم ، وسيقت الآلهة البابلية أسيرة إلى نينوى ، وأصبح مردوك الإله الأكبر للبابليين خادماً ذليلاً للرب آشور .. وعندما جاء دور ” آشور بانيبال ” قام باحتلال بلاد فارس ، وجيء برأس ملك فارس ، فتم تعليقه على باب نينوى ، وسلخ جلد “دنانو” القائد الفارسي ، حياً ..

في هذا الجو الحربي لا يزدهر من العلوم إلا علم الحروب ، وبالتالي فإن العلوم التي سادت في دولة آشور ، هي العلوم البابلية ، ذاتها ، في الطب ، والفلك ، والفلسفة .. بيد أن    ( الملك العظيم ، الملك القادر ، ملك العالم ، ملك آشور ) قال في آخر أيامه : ( لقد فعلت الخير لله ، والناس ، للموتى ، والأحياء ، فلما إذن أصابني المرض ، وحل بي الشقاء ؟ ، إني عاجز عن إخماد الفتن التي في بلدي ، وعن حسم النزاع القائم في أسرتي ، وإن الفضائح المزعجة لتضايقني على الدوام ، وهاأنذا أقضي آخر أيامي أصرخ من شدة الويل .. المنية تنشب فيّ أظفارها ، وتنحدر بي نحو آخرتي ..)

مات آشور بانيبال عام / 626  / ق.م وبعد أربعة عشر عاماً اجتاح البلاد جيش من البابليين بقيادة نبوخذ نصّر ..

( 124 )

لقد حاول المؤرخين الأوروبيين ، ومنهم للأسف ( ول . ديورانت ) أن يطلقوا على جميع الشعوب التي ملأت أوروبا بالبشر بدءاً من الشرق ، وعلى جميع الشعوب القريبة من شرق أوروبا ، اسم الشعوب ( الهندوأوربية ) ، لكنهم ، ما أن يدققوا في تاريخ تلك الشعوب حتى يخامرهم الشك في صحة ما ذهبوا إليه ، فرغم أن ” ول . ديورانت ” يقول ، أو يحاول أن يقول أن معظم الشعوب التي كانت تسكن في الأجزاء الشمالية من الإقليم ( العربي ) ، هي شعوب ( هندوربية ) ، وأن ، التي تقطن الأجزاء الوسطى ، والجنوبية منه ، والممتدة من آشور إلى جزيرة العرب هي شعوب سامية فإنه يعود ليقول : ” إن الحقائق ليست واضحة المعالم إلى هذا الحد ، وأن الفوارق بين الأجناس ليست بهذه الصورة التي ترسمها التفرقة بينها تيسيراً للبحث .. ، ومن واجبنا أن ننظر إلى هذه الرقعة الواسعة على أنها بيئة تدفقت على أجناسها المختلفة طوائف من هذا الجنس ، أو ذاك ، فمن مهد الجنس السامي ، ومرباه جزيرة العرب ، انطلق العرب من هذا الصقع الجدب حيث ينمو الإنسان شديداً ، عنيفاً ، وحيث لا يكاد ينمو نبات على الإطلاق ، وتدفقت موجة في إثر موجة في هجرات متتابعة من خلائق أقوياء شديدي البأس ، لا يهابون الردى ، فكان لابد لهم أن يفتتحوا بسواعدهم مكاناً خصباً ، ظليلاً يعولهم ، ويقوم بأودهم .. وشادوا في قلب جزيرتهم العربية العريضة ، المدن ، والهياكل ، ولكن لم يكونوا يشجّعون الأجانب على المجيء إليها ، ولقد بقي هؤلاء الأقوام آلاف السنين يحيون عاداتهم ، وأخلاقهم متمسكين بآرائهم ، ولا يزالون إلى اليوم ، كما كانوا في أيام جوديا ، ولقد شهدوا مئات الممالك تقوم ، وتفنى من حولهم ، ولا تزال أرضهم ملكاً لهم ، يعضّون عليها بالنواجذ ، ويحمونها من أن تطأها الأقدام الدنسة ، أو تنظر إليها الأعين الغريبة ..) ، أما الفينيقيين الذين كانوا صلة الوصل ، مع الأوروبيين في العصور الحديثة نسبياً ، فيقول عنهم ( ول . ديورانت ) : “لسنا نعرف من أين جاء الفينيقيون ، أو متى جاءوا ، ولسنا واثقين من أنهم ساميين ، أما تاريخ قدومهم إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ، فليس في وسعنا أن نكذبّ ما قاله علماء صور لهيرودوت ، وهو أن أجدادهم قدموا من الخليج العربي ( طبعاً الأوروبيين يسمونه الخليج الفارسي ) وأنهم شادوا تلك المدينة “صور” في العهد الذي نسميه نحن القرن الثامن والعشرين قبل ميلاد المسيح .. وكان للفينيقيين آلهة عديدة ، وكان لكل مدينة ” بعلها ” الخاص أي سيدها ، أو إلهها الخاص بها ، وهو جد ملوكها ، ومخصّب أرضها ، وكان لكل ” بعل ” خصوصية في أمر ، ما ، والفينيقيون هم الذين علمّوا الشعوب القديمة ، والأوروبية الحروف الهجائية المصرية .. وكانت سورية تمتد خلف فينيقية ، وتتجمع فيها قبائلها ، تحت حكم تلك الحاضرة التي لا تزال تفخر على العالم بأنها أقدم مدنه ، والتي لا تزال تأوي السوريين المتعطشين إلى الحرية ، دمشق ..”

( 125 )

وإذا كان أغلب ما قلناه عن الحضارات العربية القديمة ، يكاد يكون منقولاً عن المؤرخين الغربيين ، فإن لنا نحن رأياً ، وموقفاً آخر ، سيأتي في حينه ..لكن بعد الإشارة إلى قضيتين أساسيتين :

القضية الأولى : أن الحضارات العربية القديمة أكثر اتساعاً من النطاق الجغرافي الذي تحدثنا عنه في بلاد ما بين النهرين ، ومصر ، فالحديث عن الحضارات العربية القديمة ” غير البائدة ” لا يكتمل إلا بالعودة إلى الحضارات النبطية والقبطية والسبأية ، والحضرمية ، والنوبية ، والعمانية ، والقرطاجية ، واللوبية ، والوهرانية ، والفاسية ، وحضارات التخوم .. وإلى آخرها .. وهذا حديث برسم الأكاديميين والمؤرخين العرب الجادين ، والمتحررين من تأثير السياسات التقسيمية التي لا تكتفي بتفتيت الحاضر العربي ، وإنما تسعى لاختلاق جذر مصطنع للتجزئة الراهنة في الوطن العربي ، عبر تجزئة التاريخ العربي ، وهذا يفرض تدخل مؤسساتي مجتمعي عربي ، وهذا ما سيساهم “الطليعيون العرب” في إنجازه ، وسيكون في أولى أولوياتهم…

القضية الثانية : وتتمثل في البحث الجاد عن أثر الديانات السماوية ، ورؤيتها ، والرسالات التي حملتها من السماء إلى العرب ، وإلى العالم كله ، من خلالهم ..

فماذا قالت السماء ، ولماذا..؟

( يتبع … البيان … ” 25 ” …. )

حبيب عيسى

على بساط الثلاثاء

51

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ….” 25 ” …

 

” الطليعة العربية “

العرب

والديانات السماوية

 

(تتمة … البيان … “25” … )

( 126 )

إن الإحاطة بقضية الخلق في الديانات السماوية ، بدءاً من ” سفر التكوين ” في التوراة ، إلى الإنجيل ، إلى قضية الخلق في القرآن ، يحتاج إلى مجلدات لا يمكن حصرها ، ذلك أن الإنسان لم يكتف بما جاء في الكتب السماوية حول هذا الأمر ، وإنما ضغط على الأنبياء ، والرسل ، ومن ثم ، الكهنة ، والشيوخ ، والعرافين ، والفلاسفة ، والعلماء ، بأسئلة لا حدود لها : كيف ..؟ ، ومتى ..؟ ، وأين ..؟ ، وبماذا ..؟ ، ولماذا ..؟ ، ومن أين ..؟ ، وإلى أين ..؟ ، ورغم أن المدقق في السيرة النبوية لحامل رسالة السماء الختامية للبشر محمد ابن عبد الله “ص” ، يلحظ إصرارً وجهوداً مضنية بذلها خاتم النبيين ، لحصار تلك الأسئلة ، بل ، وحتى للكف عنها ، والانشغال بما على الأرض ، وبما ينفع الناس ، ويرفع الظلم ، وينمّي المواهب ، ويثمّر الإمكانيات ، فيطوّر الناس واقعهم بما يعرفون ، ويسعون للعلم ، والمعرفة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، ثم يقرّون بأن ما لا تصل إليه معارفهم ، هو علم أيضاً ، لكنه مجهول بالنسبة إليهم ، فكل ما لا يمكن معرفته يبقى ” بعلم الغيب ” ، وهو خاصية لله سبحانه وتعالى ، لم يكشف أسراره حتى للأنبياء ، وإن أي إدعاء غير ذلك ، هو كفر ، وتجديف .. وأن الناس متساوون في الجهل بذلك “وفوق كل ذي علم عليم” ، وبالتالي لا كهانة في الإسلام ، ولا رجال دين ، وليس لأحد كائناً من كان أن يدعي معرفة ” علم الغيب ” .. ، ورغم ذلك كله .. فإنه ما أن توفي الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حتى انفلتت الروايات ، والقص من عقالها ، وبما أنه لا يمكن ترويجها إلا بنسبتها للرسول ، واعتبارها أحاديث نبوية .. فإن الرواة لم يتوانوا عن ” عنعنتها ” وإرجاعها إلى خاتم النبيين ، وقد تنبه إلى مخاطر ذلك الخليفة عمر بن الخطاب ، فجلد من وقع بين يديه من الرواة ، وحظر على صحابة رسول الله مغادرة المدينة حتى لا تنسب إليهم روايات منحولة عن الرسول ، وحتى يشكل بهم ما يشبه مجلس شورى في حالة انعقاد دائم لمناقشة كافة المسائل المطروحة ، وهذا أدى إلى اعتماد معايير هامة لأصول الفقه ، بالإجماع ، والقياس ، وشرع من قبلنا ، ولا تنتهي بالمصالح المرسلة … تمهيداً لوضع قواعد جنينية لأصول مبكرة للحكم ، والشورى ، والخلافة ، لكن هذا كله ذهب أدراج الرياح بعد انقضاء دولة عمر .. حيث انفرط عقد الصحابة ، وتفرقوا في الأمصار ، وتفرغ الرواة لوضع الأحاديث المنحولة .. ونسبتها إلى الرسول .. تمهيداً للإمبراطوريات الوراثية ، والاستبداد الموروث ، والمورث ، وإلى آخره .. من فتن وانهيارات ..

( 127 )

لقد تعددت الروايات ، إذن ، حول الأيام الستة التي خلق الله فيها ، الكون ، وما فيه قبل أن يستوي على العرش في اليوم السابع ، ونحن لسنا في وارد ملاحقة تلك الروايات المتناقضة حول ترتيب الخلق ، وماذا خلق أولاً ، وكيف ..؟ ، وكيف يحسب الزمان ، وتحسب الأيام .. تقول إحدى تلك الروايات منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل خلق مدينتين أحداهما في المشرق ، والأخرى بالمغرب ، أهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد ، من نسل مؤمنيهم ، وأهل التي بالمغرب من بقايا ثمود ، من نسل الذين آمنوا بصالح ، أسم التي بالمشرق بالسريانية (مرقيسيا ) ، وبالعربية ( جابق ) ، واسم التي بالمغرب ، بالسريانية :  ( برجيسيا ) ، وبالعربية (جابرس ) .. ومن ورائهم ثلاث أمم : منسك ، وتافيل ، وتاريس ، ومن دونهم يأجوج ، ومأجوج .. وأن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء فيهم الأحمر ، والأسود ، والأبيض ، وبين ذلك ، وكذلك ، السهل ، والحزن ، والخبيث ، والطيب ، ثم بلت طينته حتى صارت طيناً لازباً ، ثم تركت حتى صارت حماً مسنوناً ، ثم تركت حتى صارت صلصالاً – ثم نفخ فيه من روحه ، وسجدت له الملائكة ، إلا إبليس فطرد من الجنة ، وأسكن فيها آدم ، بعد أن علمّه الله الأسماء كلها ، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ، ولأم مكانها لحماً ، وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله تعالى من ضلعه تلك حواء ، قالت الملائكة : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء ، قالوا : لماذا سميّت حواء ، قال : لأنها خلقت من شيء حي .. ثم .. إلى آخر الرواية .. بترتيب بعثة آدم ، وحواء إلى الأرض بعد أن تاب عليهما الله واستخلفهما على الأرض . لمواجهة إبليس المتمرد ، حيث هبط آدم على قمة أعلى جبل في الأرض ، وهو جبل ( بوذ ) في الهند ، وهبطت حواء بأرض مكة ، أما إبليس ، فهبط بميسان ، والحية هبطت بأصفهان ..نثبّت ، هنا ، رأينا ، أن الله سبحانه وتعالى لم يطرد آدم ، وحواء من الجنة ، وهو غاضب عليهما ، كما هو شائع ، وإنما استخلفهما في الأرض بعد أن قبل توبتهما ، ووضعهما في امتحان بمواجهة إبليس …. ، وذكر أن آدم حينما هبط على الجبل كانت رجلاه على قمة الجبل ورأسه في السماء ، يسمع دعاء الملائكة ، وتسبيحهم ، فكان آدم يأنس بذلك ، ويتدخل أحياناً في عمل الملائكة ، وكانت الملائكة تهابه ، وتخشى أن يفسد نظام عملها ، فشكت أمره إلى الله تعالى الذي أنقص طوله إلى ستين ذراعاً ، فحزن آدم لذلك ، وشكى أمره إلى الله تعالى فقال له : يا آدم إني أنزلت ياقوتة من ياقوت الجنة لتكون موضع البيت في مكة ، فارحل إليه ، تطوف به ، كما يطاف حول عرشي ، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي ، وهناك تجد حواء .. فانطلق آدم إلى مكة ، وجاء في طلب حواء التي كانت تسعى بين الصفا ، والمروة حتى اجتمعا ، فازدلفت إليه حواء فلذلك سميت “المزدلفة” ، وتعارفا بعرفات فلذلك سميت “عرفات” ، واجتمعا بجمع ، فلذلك سميت “جمعاً” ، ثم بنى البيت على الياقوتة بحجارة من خمسة جبال : من طور سيناء ، ومن طور زيتون ، ومن جبل اللكّام ، ومن جبل الجودي ، و بنى قواعده من حجارة جبل حرّاء …..، ثم قتل قابيل أخاه هابيل ليتزوج أخته ( قليما ) .. وليكن ذلك أول دم يسفك بين الناس ، ومن أجل امرأة حسناء ، ثم تتوالى الروايات إلى شيث ، وأدريس ، وصحائفه . فإلى نوح ، والطوفان .. الذي بدأ بفوران تنور حواء في بطاح مكة ، عقاباً على طغيان العلاقات غير الشرعية بين رجال بني شيث ، وحسناوات بني قابيل ، ومن ثم انطلاق سفينة نوح بحمولتها وأولاده الثلاثة سام  ، وحام ، ويافث ، إلى جبل الجودي في أقصى بلاد العرب شمالاً ، بعد أن طافت البلاد طولاً ، وعرضاً .. ثم طفت الياقوتة بعد الطوفان في مكان الكعبة .. ليجدد إبراهيم بناء البيت الحرام عليها .. في مكة ، بعد أن كان جدّه نوح قد قسم الأرض بين أولاده أثلاثاً : فجعل لسام وسط الأرض ، وفيها بيت المقدس ، والنيل ، والفرات ، ودجلة ، وسيحان ، وجيجون ، وفيشون ، وذلك ما بين فيشون ، إلى شرق دجلة ، وما بين منخر ريح الجنوب ، إلى منخر ريح الشمال .. ، وجعل لحام ، قسمة غربي النيل ، فما وراءه إلى منخر ريح الدبور .. وجعل ليافث ، قسمة ، من فيشون فما وراءه ، إلى منخر ريح الصبا .. فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ، وموسى ، إلى مبعث عيسى بن مريم إلى مبعث خاتم النبيين محمد بن عبد الله .. وقال ابن عباس ، أن سام كان في ولده بياض ، وأدمة ، وحام كان في ولده سواد ، وبياض قليل ، ويافث كان في أولاده شقرة ، وحمرة .. وتختلف الروايات حول قوم نوح وتقول أبرزها أنهم كانوا من جماعة الضحاك ، ويقول أهل اليمن أن الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج ، كان يعتقد أنه ملك الدنيا كلها ، وأنه نصّب على مصر أخاه سنان بن عبيد بن عويج ، وهو أول الفراعنة ، وأنه كان فرعون مصر حين قدمها إبراهيم الخليل ، وأما الفرس فيطلقون عليه ( بيوراسب ) وكان ينتقل بين اليمن ، وبلاد ما بين النهرين .. وتقول الروايات أن سام بن نوح هو أبو العرب ، وفارس ، والروم ، وأن حام هو أبو السودان ، وأن يافث أبو الترك ، ويأجوج ، ومأجوج ..ويسلسل النسّابة العرب أولاد سام بن نوح ، منهم من تيامن إلى اليمن فسميت اليمن ، ومنهم من تشاءم إلى الشام ، وسميت الشام ، ثم أولاد حام بن نوح في مصر ، والنوبة ، والسودان ، وبلاد المغرب العربي الأقصى .. ، وقد أهلك الله العرب العاربة ، وهم قوم عاد ، وقوم ثمود ، ويطلق عليهم العرب البائدة .. وتضيف الروايات أن الملك باليمن صار بعد بلقيس ، إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي لقبّ ” ياسر أنعم ” لإنفاقه عليهم بما قوى ملكهم ، وأن ياسر هذا سار بجيشه نحو المغرب العربي ، حيث أقام عند أقاربه في فلسطين ، وتزوج منهم امرأة كانت تدغم الحروف ببعضها البعض فقال لها كفي ّ عن البربرة ، فذهب عليها هذا اللقب ،    ثم اصطحبها معه في رحلته إلى المغرب ، ويقال أنها أم البربر وأنهم كنّوا بلقبها ،ثم توغّل في بلاد المغرب حتى بلغ وادي الرمل ( ويعتقد أنها الصحراء الأفريقية الكبرى ) ، ولم يبلغه أحد قبله ، فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازاً ، لكثرة الرمل ، فبينما هو مقيم عليه ، إذ انكشف الرمل ، فأمر رجلاً من أهل بيته يقال له – عمرو – أن يعبر ، هو ، وأصحابه ، فعبروا ، ولم يرجعوا ، فلما رأى ذلك أمر بنصب من النحاس ، ثم نصبه على صخرة على شفير الوادي ، وكتب في صدره بالخط المسند : ” هذا النصب لياسر أنعم الحميّري ، وليس ورائه مذهب ، فلا يتكلفنّ ذلك أحد ، فيعطب ” ، وقد خلفه ” تبّع ” على الملك في اليمن ، فاتجه شمالاً ، وشرقاً باتجاه الأنبار ، وعندما احتار أين يتجه ، أقام ، وسمي المكان بالحيرة ، ثم توجه إلى الموصل ومن ثم إلى أذربيجان ، وقدمت له الهدايا من الهند ، ثم حمل حملته الثانية باتجاه الصين ، ويقال ، أنه ترك في ” التيبت ” أثني عشر فارس من حمّير ، فهم أهل التيبت اليوم ، وهم ينسبون أنفسهم إلى العرب ..

( 128 )

بغض النظر عن مدى دقة تلك الروايات ، فإن المؤكد ، أن الموجات البشرية كانت دائمة الحركة في الاتجاهات كلها ، بعضها معروف لدينا ، وبعضها الآخر مازال مجهولاً .. على أية حال ، فإن هذه الأرض العربية كانت موطناً للأنبياء ، والرسل ، والجماعات البشرية المذكورة في الكتب السماوية ، وبالتالي ، فإن تاريخ تلك الرسالات ، والجماعات البشرية ، وتحركاتها ، وتطور عقائدها ، ومجال نشاطها . هذا كله جزء لا يتجزأ من تاريخ العرب .. ولعل هذا ما يميز علاقة العرب بالديانات السماوية ، عن علاقة الأمم ، والشعوب الأخرى ، بالديانات السماوية ، فالعلاقة هناك هي علاقة إضافة عقائدية ، دينية ، إيمانية لتلك الشعوب ، أما هنا ، في الوطن العربي ، فإن العلاقة ذات شقين متكاملين ، ومتلازمين عبر الزمان . الأول ، أن الأنبياء ، ورسالاتهم ، والجماعات البشرية التي ينتمون إليها ، سواء منها التي صدّقت ، وآمنت ، أو التي كذبّت ، وحاربت ، ورفضت .. هؤلاء جميعاً يشكلون التاريخ الاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي ، والثقافي ، والإثني ، للأمة العربية ، حيث تداخلت جميع تلك التكوينات في التكوين الحضاري ، والإنساني للأمة العربية ، إلى درجة لا يمكن معها فصل ما هو تاريخ الأديان ، عن التاريخ الشامل للجماعات البشرية التي تكونت منها في النهاية الجماعة البشرية العربية .. أما الثاني ، فهو أن الانتماء للأديان يتميز عن الانتماء الوطني ، والقومي ، بأنه انتماء عقائدي غير محدود من حيث المكان ، والأوطان ، وهو عابر للقوميات ، وللجماعات البشرية ، وهذا ، بما يتعلق بالديانات السماوية التي انطلقت من الوطن العربي ، إلى العالم ، قد ينعكس على الواقع العربي إيجاباً ، أو سلباً حسب واقع الحال ، في المركز العربي مصّدراً للرسالات السماوية ، والحضارات ، أو متلقياً للغزو الخارجي تحت رايات تلك الرسالات السماوية ذاتها بعد تهجينها ، وإلا ما علاقة المسيحية ، بالغزو الصليبي ، والاستعمار الأوروبي ؟ ، وما علاقة الإسلام بالغزو التتري ، والمغولي ، والصفوي ، والعثماني ؟ ، وما علاقة اليهودية بالحركة الصهيونية التي أسستها الرأسمالية الأوروبية للسيطرة على الوطن العربي ..؟ ، ثم أن الأمر لم يقتصر على الغزو الخارجي ، وإنما تم اختراق تلك الرسالات السماوية بطقوس ، وأفكار ، وعقائد لا تمت إلى جوهر تلك الرسالات بصلة .. بل أدت إلى استنساخ التوحش في أحيان كثيرة ، للتعامل بين البشر ، ذلك التوحش الذي جاءت الرسالات السماوية ، في الجوهر ، لتخليص البشر من شروره الشيطانية أصلاً ..

( 129 )

لقد تحدثنا عن الحضارات القديمة ، والديانات القديمة في الجماعات البشرية التي تقطن الوطن العربي ، سواء مستقرة ، أو متنقلة ، وأشرنا إلى الهياكل ، والآلهة التي تم تجسيدها بالنباتات ، أو بالحيوانات ، أو بالتماثيل ، والصروح الضخمة ، فمن أين جاءت فكرة تجسيد تلك الآلهة على الأرض..؟ ، وكيف بدأت تلك الصروح الضخمة المنتشرة في أرجاء الأرض شرقاً ، وغرباً ..تحاكي السماء وتتضرع إليها طلباً للرزق ، والمغفرة ، ويقدم إليها البشر القرابين ، والأضحيات ..

          لعل أقدم ما وصل إلينا ، عن هذه المسألة ، هو ما تركه الصابئة ، من قصّ ، وعبادات ، تعود إلى ما قبل الحضارات المعروفة في التاريخ البشري العام ، أو ما يطلق عليه في التاريخ العربي الخاص ، العرب البائدة ، والحديث عن الصابئة حديث ناقص ، وغير محسوم بطبيعة الحال ، لأسباب تتعلق بالسرية ، والكتمان الشديدين ، بحيث يمكن القول أنهم ربما كانوا أقدم تنظيم سري في التاريخ البشري ، لأنهم يكتمون دينهم ، أشد الكتمان ، ولا يرون دخول الناس فيه ، وإنما هم على مذهب ” جرى القلم وأغلق الباب ” ، وهم يقولون أن مدبّر هذا الكون ، وخالقه ، هو المتمثل ، بالكواكب السبعة ، والنجوم ، عند ظهورها ، ولما أرادوا أن يعبدوها عند غروبها ، لم يكن لهم بد من أن يتصوروا الكواكب ، ويجسدونها فصنعوا لها التماثيل ، والأصنام التي ترمز إليها ، وانصرفوا لعبادتها ، حين أفول النجوم ، ومن هنا جاءت عبادة الأصنام ، والهياكل .. ولما بعث إبراهيم الخليل حطمّ أصنامهم وقال كما جاء في قوله تعالى : ” لا أحب الآفلين ” فانقسموا إلى جماعات عدة ، وعنهم أخذت الجماعات البشرية ، والحضارات المعروفة ، عبادة الأصنام ، وتصنيع الآلهة ، ومن الصابئة من اعتقد بعبادة الكواكب لدورانها ، وهم القائلون بالأكوار ، والأدوار ، فالمعبود واحد ، وكثير ؟، أما الواحد والوحدانية ففي الذات والأزل ، وأمّا الكثرة ـ فلأنه يكثر بالأشخاص ، ومنهم ، من أقرّ بنبوة إبراهيم الخليل ، ومنهم من قال أن الحق بين شريعة إدريس ، وشريعة نوح ، وشريعة إبراهيم ، ومنهم من التحق بشريعة المسيح ، ومنهم الدعاة إلى شريعة النبي محمد بن عبد الله ، ومنهم ، من بقي على معتقداته السابقة .. لكن لابد من الاعتراف أن رموزاً هامة من بينهم كانوا أبداً باحثين وحواريين يجولون العالم بحثاً عن ما يعتقدون انه الحقيقة الإلهية ، وقد دخل الكثيرون منهم في المسيحية ، والإسلام حتى أنه يطلق الصابئون على من ينتقلون من دين إلى آخر ، أو يصبأون من دين إلى آخر ، وقد ذكر الصابئة في القرآن الكريم في ثلاثة مواقع :

-        ” إن الذين آمنوا ، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ”

-        ” إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ”

-        ” إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ”

ويعتقد الصابئة ” المندائية ” أن الخالق واحد ، أزلي ، أبدي ، لا أول لوجوده ، ولا نهاية له ، منّزه عن عالم المادة ، والطبيعة ، لا تناله الحواس ، ولا يفضي إليه مخلوق ، وأنه لم يلد ، ولم يولد ، وهو علة وجود الأشياء ، ومكونها ، ويلي الإله في المنزلة 360 شخصاً خلقوا ، ليفعلوا أفعال الإله ، إلا أنهم ليسوا آلهة ، ولكل منهم مملكة في عالم الأنوار .. ناداهم الله فخلقوا ، وتزوجوا بنساء من صنفهم ، وأصبح لهم أولاد ، وبنات ، ولكن نسلهم هذا ليس ثمرة زواجهم ، لأن الواحد منهم كان يلفظ كلمة معينة ، فتحمل امرأته فوراً ، وتضع واحداً منهم .. وهكذا .. ثم يعتقدون أن المخلوق الأول الذي خلقه الله كان شخصاً روحانياً ، يدعى الحي القديم ، وقد خلقه الله ، وخلق معه عوالم كثيرة ، مملؤة بالنفوس المقدسة ، ثم خلق الحي الثاني ، والثالث .. وتلك النفوس تنقسم حسب رتبهم بين عوام ” لا يعرفون شيئاً ” ، وملوك ” يملكون السر العظيم ” ، ثم خلق سبعة عوالم ظلام تستمد نورها من الشمس ، والأرض من جملة تلك العوالم السبعة ، أما هيئة الأرض فهي عندهم مدورة ، ثابتة غير متحركة ، ولها حركة خاصة ، وهي مقامة على هوائين ، خارجي ، وداخلي ، وتحت الأرض ماء انبسطت عليه ، فلما أتم الله خلق الأرض أنزلت الملائكة من عالم الأنوار بذوراً ، وأشجاراً ، وفتحت طريقاً للهواء ، ولماء الحياة .. وتتكون السماء من سبع طبقات تقع الشمس في الطبقة الرابعة ، والقمر في السابعة ، والأرض ، والسماء مركبتان من مادتين هما : الماء ، والنار ، وكذلك جميع المخلوقات الحيّة ، أمّا آدم ، فهو أول الرجال ، خلقه الله على صورته حيث أنزل جبرائيل إلى الأرض ، فخلقه من التراب ، وخلق من ضلعه الأيسر ، زوجته حواء ، ثم أنزل الروح القدس في جسمي آدم ، وحواء وأمر الملائكة أن يعلمّوا آدم كل ما في الدنيا من صنائع ، وحرف ، ومهن ، وأجراء المياه ، ووضع عدد السنين ، والأشهر ، والأيام ، والأوقات ، وغير ذلك ، وأنزلت عليه الكتب المقدسة ، التي فيها فروض العبادة ، ثم أمر الله ، ملائكة النار ، بالسجود لآدم فسجدوا ، إلا إبليس ، فلعنه الله ، وطرده من الجنة ، ثم جرى التناسل بين آدم ، وولده ..

          ولنشوء فكرة السر ، والعلن بين الصابئة ، أثر كبير ، فهم يرون أن لكل كائن ، وجودين : علني ، وسري ، وللكون ، أيضاً ، وجودان ، كون سري ، وكون علني ، هو الأرض ، وقد اعتمدوا على ذلك ، للتخلص من قضية زواج الأخوة في بدء الخليقة ، فقالوا بوجود آدم سري ، وآدم علني ، وأن لكل منهما ولد ، وبنت ، فجمع حبرائيل في العالم المنظور بينهما ، وزوج كل من الولدين بأخت الآخر ، ليتم التناسل البشري  بطريقة مشروعة ، والصابئة تدعّي أنهم من أولاد آدم غير المنظور ، وابنة آدم المنظور …

          وقد مر الصابئة بأدوار متعاقبة من ” عبادة الأجرام ” إلى ” عبادة الأصنام” ، والرموز ، والأوابد ، إلى ” التحليل ، والتعليل ، والفلسفة ، ” إلى ” يوحنا المعمدان وما بعده ” ، ثم تفرقوّا بين أصحاب الروحانيات ، أو الهياكل ، أو الأشخاص ، أو الحيلولة ، على ما بينهم من فروق .. ، وصبأوا من دين إلى آخر .. حتى أن العرب أطلقت الصابئي على كل من اعتنق دين جديد ، بما في ذلك الذين انتقلوا إلى الدين الإسلامي الحفيف ..

( 130 )

          كان لابد من هذا الحديث عن الصابئة ، كمدخل للحديث عن الديانات السماوية الثلاث الأخيرة ، ذلك أن الديانات السماوية كانت ضمن السياق التاريخي لتطور الجماعات البشرية في الوطن العربي ، وتطور أفكارها ، وعقائدها ، ودياناتها ، وتلبية لحاجات التطور ، والتجاوز ، “الله أعلم حيث يجعل رسالته” ، فالجنة كانت على الأرض ، كما اعتقد العرب القدماء ، ومكانها تحديداً كان الخليج العربي قبل الطوفان ، حيث كان يجري فيه نهري دجلة والفرات ، وكانت المنطقة جنة غناء من عدن إلى أور ، وقد شهدت هذه المنطقة لقاء آدم ، وحواء ، وصراع قابيل ، وهابيل ، وهجرة أولادهما شمالاً ، وجنوباً ، وكذلك سلسلة الأنبياء إلى طوفان نوح ، ومن ثم إلى إبراهيم الخليل الذي حطم أصنام قومه ، وعبر بأسرته من أور في العراق ، إلى فلسطين ، إلى مصر ، ثم إلى فلسطين ، ثم إلى مكة ، مع ما رافق ذلك من صراعات ، وأحداث .. وهي ذات الموطن للجماعات البشرية العربية ، عشائر ، وقبائل ، وشعوب ، وحضر ، ومدر ، ووبر ، وبدو .. ونحن لسنا في مجال التفصيل ، أو الدخول في مماحكات مع أحد حول التفسير ، والتأويل ، فذلك القصّ متاح من مصادره لمن يريد ، كما أننا لن ندخل في الخلافات التي ينسبها المحدثون لأولاده من الأنبياء ، إسماعيل ، ويعقوب ، إلى يوسف ، وموسى ، إلى عيسى ، ومحمد عليهم السلام جميعاً .. فنحن نرى في تلك الرسالات التي حملوها إلينا كل متكامل جاءت في سياق واحد من التطور البشري وكل منها يتناسب مع واقع الحال في المرحلة التاريخية الخاصة ، به . ففي كل من تلك الرسالات ، فصل يتعلق بالمرحلة التاريخية المحددة ، لكل واحد منهم ، وفصل آخر يتعلق بالرؤية الاستراتيجية العقائدية ، ولهذا نقول أن ما يتعلق بالصراعات المرحلية ، قد انقضى بانقضاء أسبابها ، وظروفها ، وبانقضاء أجل أطرافها .. فالخصومة تنقطع بالوفاة ؟، أما ، ما يتعلق بالرؤية الاستراتيجية العقائدية ، فهذا ما يبقى للعمل به ، وهذا تحديداً ما يستدعي الحوار المعمق حوله ، والتنادي إلى كلمة سواء حوله ، والخلاف لا يفسد للود قضية . فقط ، نؤكد هنا أن الديانات السماوية التي حملها الرسل تنطلق من مبدأ أساسي متفق عليه ، وهو مقاومة الظلم ، فقصص الأنبياء جميعاً تبدأ ، وتنتهي بمقاومة الظلم ، والظالمين ، وبالتالي ، فإن المعيار الأساس للاتساق مع تلك الرسالات ، هو تحريم الظلم للآخر ، تحت أي اعتبار ، أو ظرف ، والتبرؤ من الظالمين من أي طرف ، ولأي طرف كان الانتماء ، وهذا يستدعي صياغة عقد إنساني لا يحرم الظلم بين بني البشر ، وحسب ، وإنما ينص صراحة على أن الظلم لا يبرر الظلم المضاد ، فالظلم يواجه بالعدل وإحقاق الحق .. ، وليس بالدعوة للثأر الهمجي ، ونؤكد ثانياً ، أن تلك الرسالات ، من حيث المكان ، والزمان متسلسلة نامية باتجاه العدالة الإنسانية ، والمساواة بين البشر ، وقد نصت الرسالة الختامية في القرآن الكريم على ذلك ” الله اعلم حيث يجعل رسالته ” وأكد ذلك الرسول الخاتم للأنبياء ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” وهكذا جاءت النصوص صريحة في القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، أن الإسلام هو الرسالة الختامية ، لرسائل سبقته ، لها كافة مفاعيله ، وأحكامه ، ونؤكد ثالثاً ، أن محاولات تحديد بدايات للحق ، والعدل ، والصراع مع الباطل ، في مرحلة تاريخية معينة ، محاولات فاشلة ، فصراع الحق ، والباطل بدأ مع الإنسان ، وربما يرافقه إلى أيامه الأخيرة ، وفي الخطاب الديني السماوي ، بدأ منذ قابيل ، وهابيل .. واستمر عبر الزمان .. وهذا يستدعي تهذيب الخطاب الديني ، وتصويبه ، والكف عن القذف ، والرمي بالكفر للآخر ، والكف عن استخدام مصطلحات ترمي بالجهل المطلق على المراحل التاريخية لظهور هذا النبي ، أو ذاك .. يكفي هنا أن ندعو للتبصر في هذه الآية الكريمة من القرآن الكريم : ” ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ..” .. ألا يعني هذا ، أنه قد سبق المؤمنين بالإسلام ، مؤمنين …؟ ، وبالتالي ، فليس هناك عصر جاهلي ، وعصر إسلامي ، ففي العصر الذي يدعّون أنه “جاهلي” ، مؤمنين ، وغير مؤمنين ، وفي العصر الذي يسمونه إسلامي كذلك ، هناك مشركين بالله ، وجاهلين بالله .. ومؤمنين ، وتلك صفات تطلق على من تنطبق عليه ، في كل العصور .. ، ولا تطلق على عصر بعينه .. فهذا ظلم ، والله لا يحب الظالمين .

( 131 )

دعونا نعود باختصار شديد إلى قصة الخلق في التوراة ، ننقلها من “سفر التكوين” بتصرف : ” في البدء خلق الله السموات ، والأرض ، وكانت الأرض خالية .. وعلى وجه القمر ظلام . وقال الله ” ليكن نور ” فكان نور .. وفصل الله بين النور ، والظلام ، وسمىّ الله النور نهاراً ، والظلام ليلاً .. وقال الله “لتجتمع المياه التي تحت الأرض إلى مكان واحد ، وليظهر اليبس ”  ، فكان ذلك ، وسمى الله اليبس أرضاً ، ومجتمع المياه بحاراً .. وقال الله ” لتنبت الأرض نباتاً ” ، وقال الله ” ليكن في جلد السماء نيرات تفصل بين النهار ، والليل ، وتشير إلى الأعياد ، والأيام ، والسنين ”  ، فتم خلق السماوات ، والأرض ، وجمع ما فيها ، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله . واستراح . وغرس الرب الإله جنّة في عدن شرقاً ، وأسكن هناك آدم الذي جبله .. وأوصاه : “من جميع شجر الجنة تأكل وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، فيوم تأكل منها موتاً تموت” .. أوقع الرب الإله آدم في نوم عميق ، وفيما هو نائم أخذ إحدى أضلاعه ، وسد مكانها بلحم ، وبنى الرب الإله امرأة من الضلع التي أخذها من آدم ، فجاء بها إلى آدم ، فقال : هذه الآن عظم من عظامي ، ولحم من لحمي … .، وكانت الحيّة التي أغرت المرأة للأكل من الشجرة فقالت لها : لن تموتا ، ولكن الله يعرف أنكما يوم تأكلان من ثمر تلك الشجرة تتفتح أعينكما ، وتصيران مثل الله تعرفان الخير ، و الشر …. إلى آخر القصة .، ثم كانت الوصايا العشر ، ومنها : “أنا الرب إلهك .. لا يكن لك آلهة سواي ..لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ، ولا صورة … لا تسجد لها ، ولا تعبد ها .. لا تحلف باسم الرب إلهك باطلاً .. أذكر يوم السبت ، وكرسه له .. أكرم أباك ، وأمك .. لا تقتل ، لا تزن ، لا تسرق ، لا تشهد على غيرك شهادة زور ، لا تشته بيت غيرك ، لا تشته امرأة غيرك ، ولا عبده ، ولا جاريته ، ولا ثوره ، ولا حماره ، ولا شيئاً ممّا له ..”

وهنا لابد أن نقف عند الوعد الذي قطعه الرب مع إبراهيم في التوراة : ” لنسلك أهب هذه الأرض من نهر مصر ، إلى النهر الكبير ، نهر الفرات ”  ، و الصهاينة يقرأون هذا الوعد ، على أنه وعد لليهود ، وهذا مجاف للحقيقة التي جاءت في التوراة ذاتها .. فمن ، هم ، نسل إبراهيم .. ؟  ، نعود إلى النص : ” قالت ساراي لإبرام ” الرب منع عني الولادة فضاجع جاريتي لعل الرب يرزقني منها بنين : فسمع إبرام لكلام ساراي فأخذت ساراي امرأة إبرام ، هاجر المصرية جاريتها ، وأعطتها لإبرام لتكون له زوجة ، وذلك بعد أن أقام بأرض كنعان عشر سنين فضاجع إبرام هاجر فحبلت فلما رأت أنها حبلت صغرت سيدتها في عينيها …فأخت ساراي تذلهّا حتى هربت من وجهها ، ووجد ملاك الرب هاجر على عين الماء التي في طريق شور ، فقال لها ” يا هاجر كثيراً أجعل نسلك حتى لا يحصى لكثرته ” وأنت حبلى وستلدين ابناً فتسمينه إسماعيل ، لأن الرب سمع صراخ عنائك . فنادت هاجر ، الرب الذي خاطبها ، قائلة : ” أنت الله الذي يراني ” لأنها قالت : هنا حقاً رأيت الذي يراني ، لذلك سميت البئر بئر الحي الرائي ، وهي بين قادش ، وبارد  ، وولد لإبرام ، وهاجر ابناً فسماه والده ، إسماعيل .. وتراءى الرب لإبرام ، وقال : أنا الله القدير .. فوقع إبرام على وجهه ساجداً ، وقال له الله : هذا هو عهدي معك تكون أباً لأمم كثيرة ، ولا تسمى إبرام بعد اليوم ، بل تسمى إبراهيم ، لأني جعلتك أباً لأمم كثيرة ، سأنمّيك كثيراً جداً ، وأجعلك أمماً ، وملوك ، من نسلك يخرجون .. أحفظ عهدي ، أنت ، ونسلك من بعدك ، جيلاً بعد جيل ، أن يختن كل ذكر منكم ، فتختنون الغلفة من أبدانكم .. وفي ذلك اليوم ، اختتن إبراهيم ، وإسماعيل ابنه .. ، وتفقدّ الرب سارة ، فحملت ، وولدت لإبراهيم ابناً في شيخوخته ، فسماه إسحق ، وختن ابراهيم اسحق ، ابنه كما أوصاه الله .. ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يلعب مع ابنها اسحق ، فقالت لإبراهيم ” اطرد هذه الجارية ، وابنها .. فساء إبراهيم هذا الكلام ، لأن إسماعيل ابنه أيضاً ، فقال له الله : لا يسؤوك هذا الكلام على الصبي ، وعلى جاريتك .. فمضت هاجر تهيم في الصحراء .. وسمع الله صوت الصبي ، فنادى ملاك الله هاجر من السماء ، وقال لها : “مالك ياهاجر؟ لا تخافي سمع الله صوت الصبي ، حيث هو . قومي احملي الصبي ، وخذي بيده ، فسأجعله أمة عظيمة .. إلى آخر الرواية .. ”

          لو أخذنا هذا النص ، كما هو بالضبط ، يتبين ما يلي :

أولاً : إن الوعد كان لإبراهيم خليل الله ، ولنسله من بعده .

ثانياً : إن نسل إبراهيم كان إسماعيل ، وإسحق .

ثالثاً : لا يمكن تفسير هذا الوعد بأنه كان لأحد ولدي إبراهيم دون الآخر ..وإسماعيل أبو العرب ، وهاجر أمهم ، وهذا مهم للذين ينكرون عروبة الأقباط ، فالعرب جميعاً يحملون نصف جيناتهم على الأقل من هاجر القبطية …

يترتب على ذلك أن أي حديث عن وعد لأحفاد إبراهيم من امرأته سارة ، دون أحفاده من امرأته هاجر ، لا أساس له ، لا في التوراة ، ولا في أي كتاب سماوي .. ، وبالتالي فإن الحركة الصهيونية العنصرية مجردة من أي أساس ديني ..

( 132 )

عندما اشتد الصراع القبلي ، بين أبناء يعقوب ، وبينهم وبين الآخرين ، وعصوا الأنبياء المتعاقبين ، وتحالف الكهنة ، مع قوى الاحتلال الروماني ، ومع الأغنياء ، على إفقار الناس ، والتمسك بالعنصرية العائلية ، ظهر السيد المسيح ، يحمل راية العدل ، والمساواة ، والانعتاق من العائلية القبلية الضّيقة ، إلى الإنسانية الرحبة ، ليقول في الإنجيل :” لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة ، وتعاليم الأنبياء ، ما جئت لأبطل ، بل لأكمل .. لا يقدر أحد أن يخدم سيدين ، لأنه ، إما أن يبغض أحدهما ، ويحب الآخر ، وإما أن يتبع أحدهما ، وينبذ الآخر ، فأنتم ، لا تقدرون أن تخدموا الله ، والمال .. لا تدينوا ، لئلا تدانوا ، فكما تدينون ، تدانون ، وبما تكيلون ، يكال لكم ، لماذا تنظر إلى القشة في عين أخيك ، ولا تبالي بالخشبة في عينك ؟  عاملوا الآخرين ، مثلما تريدون أن يعاملوكم ، هذه هي خلاصة الشريعة ، وتعاليم الأنبياء .. الويل لكم يا معلمي الشريعة ، والفريسيون المراؤون ، تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس ، فلا أنتم تدخلون ، ولا تتركون الداخلين ، يدخلون ، الويل لكم يا معلمي الشريعة ، والفريسيون المراؤون ، تأكلون بيوت الأرامل ، وأنتم تظهرون أنكم تطيلون الصلاة ، سينالكم أشد العقاب ، الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراؤون تبنون قبور الأنبياء ، وتزينّون مدافن الأتقياء ، وتقولون لو عشنا في زمن آبائنا لما شاركناهم في سفك دم الأنبياء ، فتشهدون عل أنفسكم ، بأنكم أبناء الذين قتلوا الأنبياء ، فتممّوا انتم ما بدأ به آباؤكم .. ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله .. ياأبنائي ، ما أصعب الدخول إلى ملكوت الله ، فمرور جمل في ثقب إبرة ، أسهل من دخول الغني إلى ملكوت الله .. ”

فتشاور جميع رؤساء الكهنة ، والحاكم الروماني ، وتآمروا على يسوع المسيح ، ليقتلوه ، ثم قيدهّ الكهنة ،  وأخذوه ، وسلموه إلى الحاكم بيلاطس . فجلده ، وأسلمه ليصلب .. وسواء صلب ، أو شبه لهم ، فإن النتيجة واحدة ، موضوعياً ، لأن الذين قالوا بصلبه ، يرددون الآن ، كل يوم ” أنه قام ، حقاً قام ” من بين الأموات ..

( 133 )

بغياب المسيح ، وتفرق حوارييه في كافة الاتجاهات ، تفاقمت الأوضاع الاجتماعية ، ولم يحّد من ذلك ، أن إمبراطور الفرنجة اعتنق المسيحية استجابة لنصيحة أحد مستشاريه تثبيتاً لدعائم سلطته ، وليردد الله واحد ، الامبراطور واحد ، وتفاقمت النزاعات حول طبيعة السيد المسيح ، طبيعة واحدة ، أم طبيعتين ، وتعددت الكنائس نسطورية ، يعقوبية ، أرثوذكسية ، كاثوليكية ، بروتستانتية ، وإلى آخر الطوائف التي ظهرت حتى الآن ..

          لم يكن الصراع دينياً بحتاً ، كان في الأساس صراع سياسي اجتماعي تحرري ، كانت الكنائس العربية في مصر ، والشام ، والعراق ، وأرتيريا ، ونجران ، ونصارى الجزيرة العربية ، وفلسطين ، تنشد التحرر من الظلم  ، والسيطرة ، والاحتلال الأجنبي ، والتمسك بتعاليم الحرية ، والتسامح ، والانعتاق من طغيان العنصرية ، والمال ، تلك المباديء التي قضى السيد المسيح على محرابها ، فالجماعات البشرية التي كانت تنزاح في المنطقة العربية ، من الغرب إلى الشرق ، ومن الجنوب إلى الشمال ، تجد نفسها محاصرة ، باحتلال الروم من الغرب ، والشمال ، ولم يغيّر اللبوس الديني الجديد ، شيئاً من طغيان القياصرة ، كما أن إعلان الولاء من قبل القبائل ، والجماعات البشرية العربية في المشرق العربي ، للفرس لم يخفف من طغيان الأكاسرة ، ولم يكن أمام القبائل ، والجماعات العربية ، إلا إعلان الولاء لقوى الهيمنة الخارجية ، التي باتت تتدخل حتى في اختيار رؤساء العشائر ، والقبائل ، وتقوم بتعيين الحكام ، الفرس يتحكمون بالجماعات البشرية العربية في العراق ، والخليج ، والبحرين ، واليمامة ، ويتناوبون حكم اليمن مع الأحباش ، والروم يتحكمون بالجماعات البشرية في بر الشام ، ومصر ، ولوبيا والمغرب  العربي .. في هذا الوقت كانت هناك مساحة عربية عصّية على السيطرة الأجنبية ، وهي مكة ، وإلى حد ، ما ، يثرب ، في الجزيرة العربية ، كانت مكة قد تحولت قبلة للاجئين السياسيين ، والدينيين الهاربين من الطغيان ، وتحولت بطاح مكة إلى خليط من جماعات بشرية متعددة الأرومات ، من اليمن ، والشام ، ومصر ، والمغرب .. بل ، وحتى من المتمردين على الطغيان في بلاد فارس ، وبلاد الروم ، وبلاد الأحباش ، من سلمان الفارسي ، إلى صهيب الرومي ، إلى بلال الحبشي ، وكانت حركات التململ قد بدأت تظهر في حيرة المناذرة ، وبصرى الغساسنة ، وزنوبيا تدمر .. وابنة خالتها كليوباترة مصر ، ثم أخذ التمرد شكلاً أكثر تبلوراً مع وقفة حنظلة الشهيرة في “ذي قار” عندما تحدى رؤساء القبائل ، والعشائر الذين كانوا قد قرروا الهروب من وجه جيوش الفرس فتحّداهم أنه سيواجههم ، ولو بمفرده مع عائلته ، وأولاده ، فاضطروا للصمود ، وكانت موقعة “ذي قار” الشهيرة ، التي تجاوز فيها العرب تشكيلاتهم القبلية ، إلى الوحدة المجتمعية ، وكان ذلك أهم الدروس بأن طريق العرب إلى الحرية يمر عبر تجاوز العلاقات ما قبل القومية ، إلى وحدة الأمة ، ثم كانت محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة ، ومن ثم حلف الفضول .. إلى تفاصيل لا يتسع لها المقام هنا .. هذا كله شكل الحاضنة الواقعية ” الأرضية ” ، لتلقي رسالة السماء ، التي كلف بتبليغها ، محمد بن عبد الله .. بن .. بن إسماعيل .. بن إبراهيم .. ، “والله أعلم حيث يجعل رسالته” ، وكيف ؟ ، ومتى ؟ ، وكادت مارية القبطية ، تكررها ثانية ، فقد ولدت لمحمد بن عبد الله ، ابنه إبراهيم ، لكن لله ، حكمته ..!

( 134 )

لقد كانت الرسالة الجديدة استكمالاً للرسالات السماوية السابقة ، بل ، واستكمالاً للنسغ الإيجابي في التاريخ العربي ، والإنساني الذي يضخ العدالة ، والمساواة ، والأنسنة ، والحضارة ، في مواجهة التوحش ، والظلم ، حتى أن ذلك اعتبر من مصادر أصول الفقه تحت عنوان ( شرع من قبلنا ) .. و كانت الرسالة الجديدة ، بالإضافة إلى بعدها الديني ، العقائدي ، استجابة واقعية ، لحاجات أرضية ملحة للإنسان ، خليفة الله على الأرض ، في دنيا العرب .. و تضمّنت حلولاً ، لمشلات الفرقة ، والتعصب القبلي ، لتجاوز الأوضاع التي ثبت عجزها في مواجهة الظروف المستجدة ، والحصار المطبق من سائر الجهات ، وبالتالي لابد من الانتقال بالجماعات البشرية من العشائرية ، والقبلية ، والشعوبية ، إلى الأمة الواحدة ، والوطن الواحد ..

ورغم أن الرسالة الجديدة جاءت في سياق الرسالات السماوية السابقة عليها ، إلا أنها تميّزت بتجريد ، يكاد يكون مطلقاً ، فالله الذي تصارع مع يعقوب ، وبث قبساً من روحه في مريم العذراء أطل في الرسالة الجديدة مجرداً من الصفات التي يعرفها البشر ، وبالتالي لا يمكن تصويره ، أو تشبيهه بالحجر ، أو بالبشر ، أو بأي شكل آخر ، وبالتالي فهو منّزه عن التجسيد ، في بشر ، أو حجر ، أو هيكل ، والرسول الذي حمل رسالته ” ليس إلا بشراً مثلكم ” ، مثلكم تماماً ، يمارس حياته ، يولد ، ويتزوج النساء ، وعندما ينقضي أجله ، يموت ، فقط ، يتميز ، بميزة وحيدة ، هي أنه مكلف بإيصال الرسالة التي يوحى بها إليه على فترات زمنية متوالية ، إلى البشر ، وحسب الحاجة ، والأهم من ذلك ، أنه خاتم النبيين ، أي أنه ، إيذان من الله سبحانه وتعالى ، أن الخطاب الإلهي المباشر ، للبشر ، قد انقطع بعد ذلك ، وأن على بني البشر ، أن يتدبّروا أمورهم ، اعتباراً من ذلك التاريخ ، على مسؤوليتهم الشخصية ، في الدنيا ، والآخرة ، لذا ، كان الرسول عندما يسأل عن أمور تتعلق بالغيب ، والماورائيات ، وماذا يحدث بعد الموت ، كان يجيب بذلك الجواب البالغ الدلالة : ” الله أعلم ” ، ذلك المصطلح الذي أخذه عنه الفقهاء الأولون . حيث كانوا يختتمون أي حديث لهم ، أو أي رأي ، ب ” والله أعلم ” واستمر ذلك في عصور النهوض ، والتوحد ، والاجتهاد .. لكن عصور الانحطاط ، والفتن التي تلت ، أنتجت نماذج من المدعيّن ، والحكام ، يرفعون أصابعهم في وجوه الناس ، ويدعّون أنهم يعلمون سر الأسرار ، ويفتون شرقاً ، وغرباً ، بأحكام قطعية ، تنال من جوهر الرسالة ..

          إن السيرة العطرة ، للرسول خاتم الأنبياء ، تنبئ أن الهدفين ، السماوي ، والأرضي ، كانا متلازمين ، والمعارك مع المشركين ، والقبلية ، والعنصرية في مكة ، والمدينة ، والطائف ، وبلاد العرب ، كانت لتحضير ساحة المعركة ، وتوحيد الشعوب ، والقبائل ، لتحرير الأرض العربية من الغزاة ، لذا كان يصفح ، ويسامح ، ويتجاوز أشد الإساءات إيلاماً ، يتجاوز تهجيره من مكة ، ويتجاوز أن تلوك هند بنت عتبة كبد عمّه حمزة ، ويناشد أصحابه المحاصرين في يثرب أيام حصار الأحزاب ، إني أراكم في القصور الحمر في القسنطينية ، وفي القصور البيض في المدائن ، وفي قصور اليمن ، ويدخل مكة ، ويقول : أذهبوا فأنتم الطلقاء ، ويفك الحصار عن الطائف ، ليعود إلى المدينة ، ويجهّز الجيش الذي توحدت فيه قبائل العرب ليدفعه إلى الشام ، والعراق تحريراً للأرض العربية من الفرس ، والروم .. وتكون كلماته الأخيرة على فراش الانتقال إلى دار الحق ، لا تتعلق بالخلافة ، ولا بمن يحكم بعده ..

هل بات الجيش جاهزاً ..؟! .. هل تحرك الجيش ..؟!

( 135 )

أخيراً ، لنقف قليلاً ، عند قصة الخلق في الرسالة الختامية ، مقارنة مع ما جاء في الرسالات السابقة ، جاء في القرآن الكريم : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم * وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيثما شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ..*  لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم * الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يبتغون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ، من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم *  ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً * ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً * بشر المنافقين بان لهم عذاباً أليماً * لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً *  إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً ، أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ” .. دعونا نقول ، في ختام هذه الفقرة ، كم هو هام جداً قراءة الكتب السماوية ، بعيداً عن الطقوس ، قراءتها بعمق ، وعلم ، وتتبع أسباب النزول .. بالتزامن مع السيرة النبوية للرسل . لنتأمل فقط الآيتين الأخيرتين ، كم يكره الله الجهر بالسوء ، لكن الظلم مكروه أكثر بما لا يقاس ، ثم أن التفريق بين الأنبياء ، يستدعي العذاب المهين ..

إذا كان ما تقدم ، استعراض سريع ، وباختصار شديد ، لجوهر رسالات السماء فماذا يقول العلماء عن التكوين ، وتحولاته ، والتاريخ البشري ، وتطوره .. ؟!

( يتبع…. البيان … ” 26 ” … )

 

•        حبيب عيسى

E-mail:Habib.issa@yahoo.com

 

على بساط الثلاثاء

52

يكتبها حبيب عيسى

البيان ..” 26 “

الطليعة العربية

التكوين وتحولاته ، التاريخ البشري وجدليته

العلم ، والخيال العلمي

( تتمة … “البيان” …  26 … )

(136 )

لعل العرافين ، والمنجمين أول من أوحى للعلماء بما يسمونه ” الخيال العلمي ” .. مع الفوارق الأساسية ، بأن العرافين ، والمنجمين يدّعون قراءة ، ورؤية ، ما لا يراه غيرهم ، بينما العلماء يضعون فرضيات ، أو يتخيلونها ، بناء على معطيات موضوعية ، ويحاولون بالبحث العلمي اكتشاف كنهها ، وبما أن معرفة البشر العلمية بالقوانين والنواميس ، والأجرام ، والكواكب ، والنجوم ، والطبيعة ، والكائنات الحية ، بل ، وحتى معارفهم بجغرافية الكوكب الذي نعيش عليه .. بدأت متواضعة ، بالقياس إلى خيال العرافين ، والمنجمين ، والمتنبئين ، ومبتدعي الأساطير ، والملاحم .. ، فإن الكلمة الأولى كانت للفريق الأخير ، لكن مع تطور الإنسان عبر قانونه النوعي “الجدل” ، وبالتالي تطور معارفه من مرحلة تاريخية إلى أخرى ، واكتشاف الكثير من المجاهيل ، والتدخل الإيجابي في تغيير الظروف الموضوعية ، والتعامل معها ، فإن تلك المعادلة كانت تتغير باتجاه هذا الفريق ، أو ذاك ، بحسب ابتداع ، أو إبداع كل فريق عبر الزمان ، وبحسب تسارع ، أو تباطؤ التقدم العلمي ، والظروف الاجتماعية ، ففي ظروف الركود ، والاستلاب ، والعجز ترتفع نغمة التنجيم .. وفي ظروف الإبداع العلمي ، والتطور ، يفرض الإبداع العلمي ذاته .. ثم ، وفي مرحلة زمنية لاحقة ، تدخلت الفلسفة ، والأديان السماوية ، لتضع رؤيتها الشاملة ، للكون ، والظواهر ، والكائنات ، والإنسان ..

ورغم انقضاء مراحل تاريخية متعاقبة منذ ما يسمونه بداية التاريخ ” المعروف ” حتى الآن ، فإن سائر تلك الاتجاهات البشرية ، على تنوعها ، وتعددها ، وتفرعاتها .. مازالت تتعايش جنباً إلى جنب ، فالعرافين ، والمتنبئين ، والمنجمين ، لا يزالون يشغلون أماكنهم ، ويبثون توقعاتهم على العالم ، ولا يزال العلماء في مختبراتهم ومركباتهم الفضائية يبحثون عن كنه القوانين ، والنواميس ، والمجاهيل ، يعلنون موت فرضية ، وولادة أخرى ، ولا يزال الفلاسفة يبدعون مناهج جديدة على حساب مناهج ، وفلسفات بائدة ، ولا تزال الكنس ، والكنائس ، والمساجد ، تضيق بالمرتادين إليها ، كما المعابد ، والهياكل ، والنصب ، التي تمارس فيها شتى طقوس العبادات المختلفة .. ولا يزال الذين يؤمنون بأي شيء ، والذين لا يؤمنون بأي شيء .. لا يزال حملة تلك الرؤى المختلفة ، والمتصارعة إلى حد التصادم أحياناً يتعايشون معاً ، لم يتمكن أحد أن يلغي أحداً عبر هذا الزمان الطويل .. وإن كانت الأحجام في تغير مستمر ….

على أية حال ، فإن ذلك أدى ، فيما أدى إليه ، إلى تداخل حاد بين ما هو غيبي ، وما هو ميتافيزيقي ، وبين ما هو ديني ، وما هو أرضي ، ووضعي ، فبتنا أمام رجال دين يتحدثون بالعلم ، وكأن ما هو ديني يحتاج إلى إثبات علمي ..؟!! ، كما أننا بتنا أمام علماء يتحدثون بالأديان ، وعلاقة علومهم الوثيقة بتلك الديانات ، أو على العكس يصنفون علومهم في خندق التنافس ، أو التناقض مع الأديان ، والسجال ما يزال مستمراً حتى الآن ..وربما سيستمر في ما سيأتي من الأيام ….

( 137 )

لقد تعددت المحاولات لتعريف ” العلم ” تعريفاً دقيقاً إلى أن وضعت تلك التعريفات على الطاولة أمام علماء العالم قاطبة في “اليونسكو” ، لمناقشتها ، فأجمعوا على تعريف موحد في الجلسة العشرين لمؤتمر اليونسكو بتاريخ 27 تشرين الثاني ” نوفمبر ” 1978 يقول التعريف ما يلي :

( العلم ، هو النشاط الذي يقوم الإنسان من خلاله ، بمحاولات منظمة ، لكي يدرس بموضوعية الظواهر القابلة للملاحظة ، بقصد اكتشافها ، وفهمها ، فهماً كاملاً ، وفهم أسبابها ، والعلم يجمع معاً النظم الفرعية للمعرفة الناتجة عن التفكير ، والفهم المنظم في أشكال متناسقة ، غالباً ما يعبر عنها برموز رياضية يمكن استخدامها لصالح المعرفة ، ولفهم العمليات ، والظواهر التي تحدث في الطبيعة ، وفي المجتمع ، ولا يدخل أي سعي للإنسان في سبيل المعرفة في إطار العلم ، فالعلم ، هو المبني على أساس علمي منهجي منظم ، إن فهم الظواهر ، وتفسيرها ، واكتشاف أسبابها ، لا يخضع لتقديرات شخصية ، أو لتخمينات ، أو لتفسيرات عقلية ، فقط ، وإنما يخضع لمقاييس ، وطرق بحث معينة ، وأساليب محددة ، للبرهنة ، والإثبات ، ولابد أن تكون الظواهر التي يتناولها العلم ، ويدرسها قابلة للملاحظة ، وكونها قابلة للملاحظة معناه أنها تحتاج إلى معرفة ، وفهم ، وتفسير ، وتعليل ، ومعناه أيضاً ، أنها يمكن أن تخضع للقياس ، والاختبار ، والتجريب الذي هو أساس العلم ، ومعناه ، علاوة على ما سبق ، أنها متفق عليها من الجميع ، وبالتالي فالجميع يحتاجون إلى معرفتها ، وفهمها ، وتفسيرها ، وتعليلها ، أما الظواهر ، التي لا يمكن ملاحظتها ، فهي لا وجود لها ، بالنسبة للعلم ، صحيح أن العلم قد يكتشف ظواهر لم تكن ملحوظة من قبل ، ولكنه عندما اكتشفها كان قد انطلق لدراسة ظواهر أخرى قابلة للملاحظة ، والعلم لا يبدأ من فراغ ، ولا ينتهي إلى فراغ ، إنه يبدأ من المعرفة المتاحة ” كماً وكيفاً ” التي سبق للعلم أن توصل إليها في موضوع ، ما ، وينتهي بإضافة نتائج دراسة الظاهرة إلى هذه المعرفة ذاتها ، بطريقة منتظمة ، ومتسقة مع ما كان معروفاً من قبل ، ولذا يوصف العلم بأنه ذو طبيعة تراكمية ، أي أنه يبدأ من المعرفة ، وينتهي بأن يضيف إلى المعرفة ، وهذه التراكمية تجعل العلم في حالة استمرارية ، وديناميكية ، أي أن مسيرة العلم مستمرة ، ومتسعة كماً ، وكيفاً مع الزمن ، لذا يجب أن تصاغ الأشكال المتسقة مع المعرفة في رموز رياضية ، لأن الرياضيات لغة عالمية متفق عليها ، وما تقوله المعادلات الرياضية ، يمكن أن يفهمه كل أهل التخصص ، ويمكن أن يعاودوا اختبار ما تقوله للتأكد منه . ) ..

          انتهى تعريف ” اليونسكو ” للعلم ، ونلاحظ أن هذا التعريف قد تضمن تعريف منهج البحث العلمي ، وقد قصدنا أن نحدد تاريخ هذا التعريف الذي نسب العلم إلى  “النشاط الإنساني” في خريف 1978 ، وذلك لدراسته في نطاق البحث العلمي المقارن ، حيث أنه ، وقبل ذلك ، في عام 1965 كان عصمت سيف الدولة قد كشف عن منهج ” جدل الإنسان ” الذي يعّرف النشاط الإنساني الشامل ، والعلم واحد من مجالاته بما يكاد أن يكون متطابقاً مع تعريف ” اليونسكو ” وربما أشمل من ذلك .. لأنه شامل لنشاطات الإنسان كافة ” سيكولوجياً ” ، كفرد .. ، و ” سيسيولوجياً ” في الجماعة البشرية ” المجتمع ” .

( 138 )

والمجال هنا لا يتسع للفرضيات التي وضعها العلماء لنشوء الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان ، كما لا يتسع لاستعراضها ، ونحن لسنا في وارد إثبات ، أو نفي أياً منها ، فنحن بالإسناد إلى منهجنا ” جدل الإنسان ” نتعامل مع الظواهر ، كما هي ، ومع القوانين ، والنواميس التي اكتشفها الإنسان ، حتى الآن ن وسنتعامل بإيجابية مع كل اكتشاف جديد ، وبناء على ذلك ، نرى أن ما يتعلق بنشوء الكون ، ومصدره ، والمآل الذي سينتهي إليه ، مازال مفتوحاً للبحث العلمي ..و “الطليعيون العرب” اعتماداً على منهجهم يرفضون ادعاء ما لا يعرفون ، ويتعاملون مع هذه المسألة ، وسيتعاملون معها ، وفق تواضع المؤمنين ، المؤمنين ، فيقولون ” الله أعلم ” ، وكذلك وفق منهج العلماء ، العلماء ، فيطلقون على المجهول رمز ( س ) ويساهمون مع غيرهم عن طريق البحث العلمي “العلمي” ، في الكشف عن ما يمكن اكتشافه ، ولا يخجلون من القول عن المجهول ، مجهول .. حتى يضاء بالعلم .. ، فبين العلم  والإيمان ، وبين ” الغيب ” دينياً والمجهول علمياً ، وفيما يتعلق بالماورائيات عموماً ، والميتافيزيقيا .. فليؤمن من يشاء ، بما يشاء ، على مسؤوليته في الدنيا ، والآخرة ، وليس لأحد ، على أحد ، وصاية بهذا الشأن ..”فالبشر لا يتخذون من بعضهم على بعضهم الآخر أربابا” ، وإذا كانت الدعوة إلى الكلمة السواء مفتوحة بين البشر جميعاً ، بهذا الشأن ، لكن هذا يجب أن يكون محكوماً بشروط ملزمة لجميع الأطراف ، تنطلق من مبدأ أساسي ، فطالما أن الإنسان يعطي نفسه الحق ، بأن يؤمن ، بأمر ، ما ، أو لا يؤمن ، فإن عليه ، قبل ذلك ، أن يكون قد أقرّ بينه ، وبين نفسه ، أنه من حق الآخر ، أي آخر ، أن يؤمن بأمر مخالف .. ، والشرط الأساسي الثاني ، هو الالتزام ، باحترام الرأي الآخر ، وتهذيب الخطاب الإنساني بين البشر ، وتنظيفه من عبارات القدح ، والذم ، والشتم ، التي تعاقب عليها كافة الشرائع السماوية ، والقوانين الوضعية ، في العالم .. وأنه ليس لإنسان ، كائناً من كان ، أن يدّعي ، أنه يمتلك الحقيقة المطلقة ، فالكمال لله وحده ، كما يقول المؤمنون ، المؤمنون ، والعالم لا محدود ، وبالتالي لا يمكن أن يدركه الإنسان كما يقول العلماء ، العلماء .. ، فمعرفة الإنسان ستبقى جزئية ومحدودة .. ، وتلك هي الحدود التي لا تتخطاها “الطليعة العربية، إيماناً ، وعلماً ، على حد سواء …

( 139 )

لقد تراكمت العلوم ، والمعارف عبر الزمان ، بالنسبة للإنسان ، ولعله قد مرت على الإنسان عصور ، كانت معارفه ، وعلومه متدنية إلى حد العدم ، وقد تم التعبير عن ذلك في الخطاب الديني حيث جاء في القرآن الكريم أن عصوراً مرت على الإنسان كان ” نسياً منسيا ” ، بينما يقول خطاب العلم ، أن الإنسان انتقل من المرحلة الشبيهة  “بالحيوانية” إلى الأنسنة عبر الزمان ، وبالتالي ، وإلى عهد قريب ، تاريخياً ، كان الإنسان يعتقد أن الأرض مسطحة ، وأن الكواكب ، والمجرات في السماء محددة ومعروفة .. ثم اكتشف الإنسان ، بعد ذلك ، أن الأرض كروية ، وأنها تدور حول ذاتها ، وحول قرص الشمس ، وفق برنامج زمني محدد ، ووفق نواميس ، بعضها بات معروفاً للإنسان ، وبعضها مازال في الحيز المجهول ، كما اكتشف الإنسان ، أن الكون لا متناه .. وإلى آخره حيث تتالت الفرضيات حول ذلك ، وفي الربع الأخير من القرن العشرين كاد العلماء أن يعلنوا ، أن الكون لا يقتصر على الأبعاد الأربعة ، وإنما هناك أثنا عشر بعداً للكون ، يتضمن أثنا عشر كوناً ، وأن تلك الأكوان متراصة بجانب بعضها البعض ، يفصل بين كل كون ، والآخر غشاء تخترقه بعض الكواكب بين الحين والآخر ، لتنتقل من كون ، إلى كون آخر .. وذلك تفسيراً لأن هناك كواكب تختفي ، وكواكب جديدة تظهر ، عبر الزمان … وقد أطلقوا على تلك الممرات التي تبتلع كواكب من مجرات الكون ، الذي يضم كوكب الأرض ، بالثقوب السوداء حيث تتكثف مادة تلك الكواكب ، وتنطلق بسرعة هائلة عبر تلك الثقوب السوداء في ممر يؤدي إلى عالم ، و كون آخر ، مجهول ..أو إلى ما أطلق عليه العلماء ، على اختلاف بينهم ، مقبرة الكواكب والنجوم … ،  كذلك ، هناك ثقوب بيضاء تولد من خلالها كواكب جديدة .. شاردة من أكوان أخرى ، وهكذا .. لكن ، وبعد ربع قرن من التجارب ، والأبحاث لم يتمكن العلماء من إثبات تلك الفرضية فعزفزا عنها .. ثم انتقل العلماء للحديث عن ما يسمونه النظرية الخيطية ، ويمكن تلخيصها ، بأن الفضاء يعج بكائنات خيطية دقيقة غير مرئية تتحرك وتنبعث من حركتها موسيقا لا يمكن للأذن البشرية التقاطها ، وأنهم بصدد تصميم أجهزة لالتقاط تلك الموسيقا ، ودراسة حركة تلك الكائنات الخيطية التي قد تكون أرواح للكائنات الحية ، بما في ذلك الإنسان ..

( 140 )

إذا عدنا إلى أحدث الفرضيات عن نشوء هذا الكون الذي يضم كوكب الأرض ، تصادفنا فرضيات متعددة ، تم وصفها حين ظهورها “أنها علمية” ، أهم تلك الفرضيات ، قالت ، أن هناك إنفجاراً هائلاً حدث في الشمس نفث شظايا ملتهبة في الكون ، ومنها هذه الشظية الملتهبة التي نسميها الآن ، كوكب الأرض ، وأنها بقيت مشتعلة لقرون عديدة ، ثم بدأت تبرد ، وتعرضت خلال ذلك ، إلى ما يسمونه الرجم العظيم ، من نيازك انطلقت باتجاه الأرض نتيجة انفجارات أخرى ، حصلت في هذا الكون ، وأنه أعقب ذلك عصر يسمونه الشتاء الجليدي ، ويقسمّونه إلى خمسة عصور جليدية ، ويختلف العلماء في تقدير زمن العصر الجليدي من خمسة ملايين سنة إلى خمسمائة ألف سنة ، ثم إلى عصور متعاقبة عبر الزمان ، ومتداخلة في الوقت ذاته .. ورغم أن التحولات التي جرت ، وتجري في الكون ، وفي كوكب الأرض ، والتطور في التاريخ البشري ، والأثر الذي أحدثه الإنسان على الكوكب ، والذي يتجاوزه ، هذه الأيام ، إلى الفضاء الخارجي ، لا يمكن تقسيمها ، تقسيماً تعسفياً ، إلى عصور منفصلة ..فإن ضرورات البحث العلمي ، اقتضت ، وتقتضي مثل هذا التفصيل البحثي ، بشرط ملاحظة التداخل ، والتراكم فكل عصر ، يولد في رحم العصر الذي سبقه ، مع الإضافة ، وهكذا يمكن فهم تقسيم عصر نشوء الكوكب ، إلى عصور الكوكب المشتعل ، ثم الرجم العظيم ، ثم الشتاء الجليدي ، ثم الكائنات الحية ، ثم الإنسان البدائي ، ثم العصر الحجري ، ثم عصر البرونز ، ثم  الحديد ، فالبخار ، فالميكانيك ، فالأوتوماتيك ، فالذرّة ، فعصر المركبات الفضائية ، مع ملاحظة أن العصور الأولى كانت تخضع لظروف التحولات الموضوعية في طبيعة الكوكب ، بينما العصور الأخيرة منسوبة إلى الإنسان ، واكتشافاته ، وتدخله في الطبيعة ، ومما لاشك فيه أن التطور البشري ، لن يقف عند حد ، وبالتالي فإن عصراً جديداً يتكون في رحم هذا العصر ، ليحمل أسماً جديداً في المستقبل .. وهكذا ..

( 141 )

 وبدون الدخول في التفاصيل المتاحة إلى حد التخمة ، لمن يريد ، فإننا أردنا ، من استعراض التحول في الطبيعة والكون ، واستعراض التطور في المجتمعات البشرية ، رفع الوصاية عن العقل البشري ، وإطلاق طاقة البشر إلى أقصاها على طريق المعرفة ، والتطور فلا يملك أحد أن يغلق طريق المعرفة الطويل إلى المجاهيل التي تتعلق بنشوء الكون ، وظهور الكائنات الحية ، والإنسان ، ومصدر ذلك كله ، ولا يملك أحد أن يغلق طريق المعرفة الطويل باتجاه المستقبل ، والمآل الذي يتجه إليه .. وإذا كان الإنسان خلال تطوره قد كشف الكثير من المجاهيل ، والقوانين في الاتجاهين ، فإن مجاهيل كثيرة مازالت تخضع للبحث ، والتمحيص ، وإذا كان العلم يتحدث عن نهاية كوكب الأرض ، بنفاذ الطاقة التي توّلد القوة الكهرطيسية ، التي بدورها تولد التوازن في الكوكب ، وإذا كانت الأديان السماوية تطلق على تلك اللحظة ” يوم القيامة ” ، فإن هذا لا يعطي الحق لأحد بالوصاية على العقل البشري ، فالفرضيات التي يضعها العلم في مختلف فروع العلوم الكلية قابلة للنقض في أية لحظة ، فبالأمس فقط في عام 2008 أعلن أكبر مركز للأبحاث البيولوجية ، والأنتربيولوجية في العالم ، ومركزه الولايات المتحدة الأمريكية ، موت نظرية داروين في النشوء ، والارتقاء ، والتي كانت إلى عهد قريب ، عنوان الكفر بالعلم لمن يرفضها ، وعنوان الكفر بالدين لمن يتبناها ، وكذلك الأمر ، ليس لأحد ، باسم الدين ،أي دين ، أن يحرّم على الإنسان البحث العلمي ، فمن الكفر أن يدّعي أحد أن الإنسان يمكن أن يعرف إلا بإرادة الله له أن يعرف ،   فحدود الغيب لا يعرفها إلا الله ، وهو لم يوّكل ، كائناً من كان ، على  أرض هذا الكوكب بحراسة تلك الحدود ، أو معرفتها … ، وليس لأحد ، كائناً من كان ، أن يدعّي أنه يمتلك هذا السر المقدس ..  ، فهذا تجديف على أقل تقدير ….

( 142 )

وإذا كان مصطلح ” علم الإنسان ” ، يعود استعماله ، للمرة الأولى ، إلى عام 1739 في كتاب ” معالجة الطبيعة الإنسانية ” لمعتنق الاختبارية / هوم / فإن تطور الإنسان ، قد أعاقه ، ويعيقه الصراع الاجتماعي ، الذي يتأتى من السلوك السلبي للذين يقامون تطور الإنسان باتجاه المزيد من الأنسنة ، بل ، ومن استغلال التطور التفني لممارسة أعتى صنوف التوحش ، حتى تبدو أمامه عصور وحشة ، وتوحش الإنسان البدائي ، وحشية بدائية قليلة الأثر السلبي على الإنسان ، والطبيعة ، بالمقارنة مع التوحش المعولم ، والمعرفي المتطور ، ولعل أصدق تعبير عن ذلك ماجاء على لسان الفيلسوف الأباتي رينال الذي طالب بإعادة الاعتبار للمتوحشين ” البدائيين ” حيث يقول : ” أن هناك رجالاً في ظل إمبراطورية الشرف ، والشرائع الدينية ، والمدنية ، لا تحّمر وجوههم من أن يعملوا ما لا يعمله متوحش متحرر من كل ما يمنعه من ارتكاب ما ارتكبه أولئك .. إننا لا نتعلم في الغابات احتقار الإنسان .. بل نتعلم هذا وسط المجتمعات المجهزة بالبوليس .. ”

          على أية حال فإن العلماء في العصر الحديث أكثر تحرراً ، وعقلانية فقد كانوا في مراحل زمنية سابقة في سجال مر ، وحاد مع أفكار غيبية مطلقة ، دينية ، وغير دينية ، لهذا فقد أطلقوا على فرضياتهم ، صفة الإطلاق أيضاً ، في مواجهة الإطلاق المقابل .. فهم يقرّون ، الآن ، بأن الإنسان يعرف جزء من الكل ، لكنه لا يعرف الكل ، لأن الكل مطلق ، فالعقل البشري ، من وجهة نظرهم ، لا يمكن له أن يدرك الكل ، لأن الكل غير محدود ، ولا يمكن إدراك ما هو غير محدود ، وهذا الموقف العلمي ، يتوافق من الناحية الموضوعية ، مع مواقف الأديان السماوية من ” علم الغيب ” العصيّ على إدراك الإنسان …

( 143 )

وإذا كان لا اجتهاد في معرض النص الواضح ، والصريح ، والثابت في الخطاب الديني ، فإنه لا اجتهاد في معرض القانون العلمي ، الثابت ، والصريح ، والثابت ، في الخطاب العلمي ، وبالتالي فإن الاجتهاد فيما يتعلق بالظواهر ، والنواميس الكلية ، يتعلق حصراً ، بالمجاهيل التي عجز العقل البشري ، حتى الآن ، من اكتشافها ، وبالقوانين ، والنواميس التي عجز ، حتى الآن ، عن إثباتها ..

          في هذا الإطار ، فإن هناك مساحة شاسعة من المجاهيل ، والأسرار التي تتعلق ببداية الكون ، والمجرات ، وكوكب الأرض ، والكائنات الحية ، وظهور الإنسان ، يمكن للاجتهاد ، وللبحث العلمي ، والخيال العلمي ، والإيمان الديني ، والبعد الفلسفي ، يمكن للعقل البشري أن ينشط في مجالاتها ، لا وصاية لأحد ، على أحد ، في ذلك ، ولا وصاية على العقل البشري ، من أية جهة كانت …!

وكذلك الأمر ، بما يتعلق ، بالمآل الذي يتجه إليه هذا الكون ، وكيف تكون محطة النهاية ؟، وماذا بعد الموت بالنسبة للإنسان ؟، وما علاقة الروح ، بالجسد بعد الموت ؟، وأين تقيم ؟، وهل يصدق ما قاله بعض رموز المعتزلة العرب ، بأن الروح تسكن الجسد إلى أن يعطب ، وينهار ، هنا تغادره لكن إلى أين ..؟ ، وماذا بعد ..؟

هل يملك احد على أرض هذا الكوكب أن يجيب جواباً قطعياً على ذلك ..؟ ، إذا كان المؤمنين تستقر نفوسهم بالإيمان ، وفق الخطاب الديني على تنوع مصادره ، على جواب حاسم ، وقطعي ، فإن البحث العلمي سواء من يستنكر ذلك ، أو من يتبناه ، ليس لديه جواب علمي على تلك الأسئلة .. ذلك أن الظواهر بعد موت الإنسان ، وماذا يحصل للروح بعد ذلك ، وبعد أن يعود الجسد المادي تراباً .. غير معروفة للبشر،  وبالتالي هي غير موجودة بالنسبة للعلم ، كما أسلفنا تعريفه .. وهذا يعني أن هذه المسألة مفتوحة للخطاب الديني ، وللعلم ، وللفلسفة ، على حد سواء ، فليؤمن من يشاء بما يشاء على مسؤوليته في الدنيا ، والآخرة ، لا وصاية لأحد ، على أحد بهذا الشأن … والإجابات المفترضة على تلك الأسئلة الصعبة ، أكثر من أن تحصى ، ومن سائر تلك الأطراف ، وبتفاصيل متخيلة ، لا أساس ديني أو علمي لها ،  تثير الذهول أحياناً ..، من أولئك الذين يصفون عذاب القبر ، إلى الذين يفصّلون ممارسة نعيم الجنة ، أو عذابات جهنم ، بما يتجاوز ما جاء في الرسالات السماوية ، وصولاً ، إلى تلك الكائنات الدقيقة التي تفتت الجسد البشري ، وتحيله تراباً …

( 144 )

          وإذا كان هذا ما يقال عن مآل الكوكب ، والإنسان ، فإن ما يقال عن مصدر هذا الكون ، والإنسان أكثر تشعباً من إمكانية الإحاطة ، به ، وقد أشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة .

ما يعنينا ، الآن ، أن أغلب الأبحاث العلمية انصبت على كوكب الأرض ، كما هو الآن ، محيطات ، وبحار ، ويابسة ، وغلاف جوي ، وفضاء ، وكائنات حية ، وإنسان .. وبالتالي فإن الجهد كان منصباً عن البدايات في هذا المجال الموصوف ، والمحدد جغرافياً …!

          وإذا اعتمدنا ما يقال عن أن كوكب الأرض ، كان مشتعلاً ، لملايين السنين ، وأنه تعرضّ ، بعد ذلك ، لشتاء جليدي استمر ملايين السنين .. وأنه ، تعرض لرجم عظيم من النيازك ، لعشرات العقود .. فإن أحدث كشف علمي أظهر أنه تم العثور على الحمض النووي ، في أحد تلك النيازك التي ضربت كوكب الأرض منذ ملايين السنين  .. ، ونحن لا نريد أن نبني على ذلك إلا ما يقتضيه ، وفي الحدود التي مازالت قيد البحث العلمي .. في هذا الإطار ، ألا يمكن الافتراض ، وانسجاماً مع ما أثبته البحث العلمي من أن العصر الجليدي لم ينته دفعة واحدة ، وإنما تم ذلك بموجب خمسة عصور جليدية متتالية …. ، بأن الانحسار الجليدي بدأ في المناطق المنخفضة من الكرة الأرضية ، وأن تلك المناطق المنخفضة شهدت أول وجود للكائنات الحية ، وربما الإنسان ، وأن الإنسان شيّد في تلك المناطق المنخفضة ، التي تحيط بها الجبال الجليدية ، وتتخللها البراكين ، والعواصف ، والزلازل ، أول الحضارات الإنسانية ، وربما كانت حضارات مدنية متقدمة ، ثم ، وفي عصر جليدي لاحق ، تعرض كوكب الأرض لزلازل ، وهزات ، وثورة براكين ، وحرارة مرتفعة ، فتصدعت جبال الجليد ، وانهارت في الأماكن المنخفضة مما أدى إلى “الطوفان الكبير” الذي تشير إليه كافة الملاحم ، والديانات .. ، فاندثرت تلك الحضارات الإنسانية في أعماق المحيطات ، والبحار التي تشكلت نتيجة ذلك .. ونحن لا نقول هذا انسجاماً مع خيال علمي ، أو غير علمي ، ولا نقوله في سياق ما قاله العرب القدماء عن أن قاع الخليج العربي كان أرضاً غنّاء وأنهم أطلقوا عليها اسم ” الجنة ” وهي تمتد إلى عدن ، وأن الخليج العربي لم يمتلئ بمياه البحر إلا بعد الطوفان ، وأن هذا ينطبق على الصدع الذي حصل بين مصر والجزيرة العربية والممتد حتى البحر الميت ووادي الأردن والذي امتلأ بمياه البحر بعد الطوفان والذي يعرف اليوم بالبحر الأحمر “القلزم” ، وأن مصر كانت قبل ذلك متصلة بما يعرف اليوم ، جزيرة العرب ، ولا نقول ذلك لإثبات وجود المدينة التاريخية الواقعة على الطريق بين مصرايم ، واليونان ، والتي تقع في قاع ما يعرف اليوم بالبحر الأبيض المتوسط بين ” كبرس ” وصور ، والتي تحدث عنها أفلاطون ، وأسماها مدينة أطلانتك ،  ولا نقول ذلك لإثبات أن الأمريكتين كانتا قريبتين من أفريقيا ، وأوروبا ، وأن ما كان يفصلهما عن ما يسمى العالم القديم مجرد واد عميق ، امتلأ بالمياه بعد الطوفان ، وحدث الفالق الذي أبعدهما غرباً ، للدلالة على أن الإنسان الأمريكي القديم من المايا ، إلى الأنكا ، كان من ذات السلالات القديمة المتوسطية بدلالة أهرامات المكسيك ، وأبراج البيرو البابلية ، ومساكن الصخور المشابهة لما في البتراء ، ولا نقول ذلك لتفسير لغز مثلث برمودا الذي ، وإلى وقت قريب ، كان يبتلع كل ما يقترب منه ، حتى من المجال الجوي المحيط به … وإنما نقوله في سياق التحريض للكشف عن ظواهر باتت ثابتة وهي أكثر من أن تحصى ، منها أن الإسكندرية الحالية ليست الإسكندرية القديمة التي تقع إلى الشمال في قاع البحر الأبيض المتوسط ، حيث آثارها تكتشف يوماً ، بعد يوم ، وبعد أن كان يظن أن تلك الآثار المندثرة تحت مياه البحر قد انزلقت إلى البحر نتيجة زلزال مدمر .. الآن ، يتجه البحث عن المدينة القديمة ذاتها الموجودة تحت مياه البحر .. مثال آخر مدينة صور التي حاصرها الاسكندر المقدوني ، بحدود ثلاثة قرون فقط قبل الميلاد ، بالسفن من الجهات كلها ، مما يفيد أنها كانت جزيرة في البحر .. فهل اليابسة امتدت إلى صور ، أم أن مدينة صور التاريخية اندثرت تحت مياه البحر .. ، ، وأن صور الحالية هي التي بناها الناجين من اندثارها ، والذين وصلوا إلى الشاطئ ..؟! ، في مكان آخر من العالم تحت مياه المحيط بالقرب من الهند تم الكشف عن آثار ، وأوابد مدن كاملة يتم الغوص إليها للكشف عنها .. ، إن تلك ، والكثير غيرها ظواهر يمكن للبحث العلمي أن يكشف من خلالها عوالم مجهولة أخرى ..

( 145 )

بناء على ما تقدم نؤكد على ما قلناه من أن الطريق إلى الماضي مازال مفتوحاً أمام البحث العلمي ، وأمام الخيال الإنساني العلمي ، وغير العلمي ، ولا وصاية لأحد على أحد في هذا الشأن .. وبالتالي فإن كل ما قيل عن الكون ، وتشكل كوكب الأرض ، والكائنات الحية ، وبداية التاريخ ، والإنسان الأول ، خاضع للبحث ، والتمحيص .. وأن جغرافية الأرض الحالية ، من محيطات ، وبحار ، ويابسة ، حديثة العهد نسبياً ، وان ما يعرف بالتاريخ البشري المعروف ، حتى الآن ، قد يكون الجيل الثاني من البشر بعد أن اندثر الجيل الأول في قاع البحار ، والمحيطات .. ثم قد يكون ما قلناه صحيحاً ، أو بعضه ، وقد يكون غير ذلك .. المهم أن ينطلق العقل البشري بدون قيود للبحث عن ما يمكن له بحكم قدراته المحدودة ، أن يكتشفه من وقائع ، وقوانين ونواميس سواء من الماضي البعيد .. أو باتجاه المستقبل غير المنظور ..!

          إن الاتفاق على هذه القاعدة يؤطرّ الاختلاف بين البشر ، حول تلك المسائل الشائكة ، وبالكلمة السواء يدار هذا الاختلاف الذي يؤدي إلى الجدل الخلاق ، ويحد من الانزلاق إلى الخلاف السلبي ، والمدمر للجماعات البشرية ، وتلك كانت الغاية من البحث في تلك المسائل المعقدة ، وصولاً إلى موقف متفق عليه من قبل ” الطليعيون العرب الجدد ” ، فلا يتوهون في صراعات وهمية ، تصرفهم عن الفعل الإيجابي في واقعهم كما هو … لتغييره باتجاه الأهداف التي يقررونها .. لا أكثر من ذلك ولا أقل …

( يتبع ..” 27 ” … البيان ..)

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

على بساط الثلاثاء

53

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ..” 27 “…

” الطليعة العربية “

الكلمة السواء ..

( تتمة …”27″ …البيان … )

( 146 )

          قد يواجهنا البعض باعتراض يقول ، أن البيان التأسيسي الذي يحدد منطلقات ، ومسار ، وغايات ” الطليعة العربية ” كي “يلتزمها الطليعيون العرب الجدد” ، لا يطيق ذلك الحديث عن الكون ، والتاريخ ، والحضارات ، والأديان ، والعقائد … وقد يكون لهذا الاعتراض ما يبرره ، وقد يكون اعتراضاً وجيهاً .. لكن الواقع العربي المّر ، المعجون بتجارب مريرة ، ما تزال ماثلة أمام أعيننا ..، أكثر وجاهة .. فلقد رأينا بأم أعيننا مشاريع المقاومة ، والفداء ، وبرامج النهضة ، والتنوير ، وأحزاب الثورة ، والتحرير ، وحركات العدالة الاجتماعية لوضع حد لاستغلال الإنسان للإنسان .. رأينا ذلك كله ينهار ، ورأينا مؤسسات النهوض ، والمقاومة على اختلافها تتفتت شراذم متناحرة على كل شيء ، بالضبط على كل شيء ، على الإيمان من عدمه ، على الحضارة من عدمها ، على المذاهب ، والطوائف ، على الجغرافيا ، والتاريخ ، على اللون ، والعرق ، والجنس بين أهل الحضر ، والمدر ، والوبر ، والبدو ، بين أهل الريف ، وأهل المدن ، بين الذين تشردوا في الجبال ، والذين يجوبون الصحارى .. بين الدول الفعلية التي تأسست مؤخراً ، بين الذين يقفون مع الشرق ، والذين يحاربون مع الغرب ، بين الذين يلبسون الملكي ، والذين يتدثرون بالجلاليب .. بين الذين يطلقون لحاهم ، والذين يحلقون ، بين …، وبين .. حتى بات كل عربي رافضاً للآخر ، مرفوضاً منه .. فعاد الحال إلى ما كان عليه قبل مشاريع التحرير ، والنهوض .. بل إلى ما أسوأ منه بكثير .. ذلك أن الطغاة الجدد ، والمخربون الجدد في السلطات ، وفي المجتمع ، في الفكر ، وفي الثقافة ، في الأديان ، والمذاهب ، والطوائف ، والأحزاب ، في البوادي ، والأرياف ، والمدن باتوا أكثر خبرة في أساليب النفاق ، وأسلحتهم باتت أكثر مضاء ، يسخرّون أحدث التقنيات ، ووسائل الاتصالات ، في عمليات التخريب ، والتغريب ، والتشريق ، والطغيان ، والاستبداد ، والفساد ، والإفساد ..

          إن هذا كله ، لا يبرر هذا التأسيس العميق للبناء النهضوي العربي ، وحسب ، وإنما يجعل منه شرطاً لازماً ، وملزماً ، لا تقوم ” الطليعة العربية ” كمشروع نهضوي  إلا به ، ذلك أن “الطليعيون العرب الجدد” قرروا أن لا يكرروا التجارب الفاشلة ، قرروا الوقوف بانتظام أمام باب ” الطليعة العربية ” لا يخطون خطوة واحدة إلى الداخل ، قبل أن يوقعّوا عقداً ملزماً لهم جميعاً ، بأن هذا البناء ، ملكية مشتركة ، عامة ، لكل الداخلين إليه ، غير خاضع للخصخصة ، لأي كان ، الجميع فيه متساوون أمام اللوائح ، والبرامج ، ليس لأحد منهم ميزة على أحد ، إلا بما يكلفّ به من قبل المؤسسة ، أو بما يكلف هو نفسه خدمة للأهداف المتفق عليها .. فالعمل قسمة في ” الطليعة العربية ” والمهام ، والمراتب ، تكليف ديمقراطي ، محدد بالزمان ، والمكان ، كل واحد منهم يؤدي دوره ، ويمضي إلى حيث تقتضي المصلحة العامة للجماعة .. والبناء ثانياً ، غير قابل للقسمة ، أو للتبعيض ، فالطليعة العربية ، حرام على أهلها ، لا يعرضوّنها للخطر ، والانقسام ، لمجرد الاختلاف ، والتنوع ، يحتكمون إلى الكلمة السواء ، بينهم ، يتسابقون لتنفيذ القرار الذي يفوز بالاختيار الديمقراطي ، ليس لأحد منهم ، أن يفرض رأيه .. وإلا ..؟! ، وإنما يعرض رأيه ، ويرضخ لرأي الجماعة ، ولو كان مخالفاً لرأيه .. بل يسابق الآخرين لتنفيذ القرار الذي تم إقراره ديمقراطياً ..

          “الطليعيون العرب الجدد” يقررون ،  ويقرّون عند خط البداية ، وقبل الانطلاق ، بالتنوع العائلي ، والمناطقي ، والإقليمي ، والديني ، والأثني ..، وإلى آخره .. ، ويقروّن أنهم لا يتخذون من بعضهم ، لبعض أرباباً .. ويقروّن أن الانتماء للطليعة العربية لا يلغي ذلك التنوع ، وإنما يحتويه ، وينظمه ، ويطلق طاقاته ، ويرفع الحيف حيث وجد ، من أي طرف ، ليعطي ” الخاص ” أقصى ما يمكن من إيجاب ، وإبداع ، للعام ، والذي ينعكس بدوره إيجاباً على الخاص ، والعام معاً ، وفي الوقت ذاته تجري صياغة معادلة الجدل الإيجابي بين عناصر هذا التنوع ، حيث لا طغيان ، ولا استئثار ولا تهميش ، ولا إقصاء ، بذلك ، وبذلك فقط ، تكون ” الطليعة العربية ”  ، خلية نابضة بالحياة من خلايا الأمة العربية ، وعلى صورتها المرجّوة ، وليس الحالية ، بحيث تحمل ” الطليعة العربية ” في تكوينها ، كخلية قومية ، وفي خريطتها الجينية ، التنوع الجيني الذي يشكل الجماعة البشرية التي نسميها الأمة العربية ، بالمفهوم الحضاري ، وليس بأي مفهوم عنصري ، أو عرقي ، أو شوفيني ، أو ديني ، أو لا ديني ، وليس ، بأي مفهوم يتعلق بالجنس ، أو اللون ، وليس بأي مفهوم يتعلق بالاستعلاء ، أو الامتياز على الجماعات البشرية الأخرى في هذا العالم ، وكذلك ليس بأي مفهوم للدونية ، والانحطاط ، وإنما بمفهوم إنساني يحفظ للأمة العربية مكانتها على هذا الكوكب بين الجماعات البشرية الأخرى ، لا تعتدي ، ولا ترضخ للعدوان ، تنبذ العنصرية ، والتعصب ، تقاوم الظلم ، والطغيان ، تحمل للإنسانية رسائل الحضارة ، والتسامح ، والمساواة ، والعدالة ، تعطي الإنسانية أكثر مما تأخذ ، ترفض أن تكون عالة على الإنسانية في التقدم ، والعلم ، والحرية ، وإنما تسعى أن تكون نموذجاً يحتذى في نبذ التوحش ، والاستغلال ، والهيمنة ، والسيطرة سواء الفردية منها أو الجماعية .. و ” الطليعة العربية ” كخلية من خلايا هذه الأمة العربية تحمل في ذاتها هذه المعاني ، تطبقهّا على بنيتها الداخلية في ” الطليعة العربية ” ، وتناضل لتحقيقها واقعاً في أمتها العربية ، وتسعى لنشرها على الصعيد الإنساني الشامل لإيقاف عمليات القرصنة على هذا الكوكب .. والتي ستؤدي إلى تدميره .. إذا لم تواجه بنضال إنساني شامل .

( 147 )

لهذا كله فإن ما قلناه في الفقرات السابقة يندرج تحت عنوان رئيسي بأن الأمة العربية المدعوة للنهوض من المأزق ، وأن الطليعة العربية كخلية حية من خلاياها ، تستمد شرعيتها ، ومشروعيتها من نسغ نابض بالحياة ، متفرع من جذور الأمة الممتدة بين المحيط ، والخليج ، صاعداً إليها من الجذور الممتدة تاريخياً إلى الماضي البعيد المتنوع حضارياً ، وقبلياً ، وعرقياً ، وثقافياً ، ومن جذورها الممتدة جغرافياً عبر هذا التنوع التاريخي إلى سائر أنحاء جغرافية الوطن العربي التي انزاحت تلك الجماعات البشرية في أرجائها شمالاً ، وجنوباً ، شرقاً ، وغرباً  ، إلى أن اختصت بهذه الأرض ، دون غيرها ، والتي باتت موطن العرب ، وبالتالي وطن لأمة عربية تستحق الحياة ..

          إن القول الفصل ، في نجاح “الطليعيون العرب الجدد” ، بتأسيس مؤسساتي حقيقي فاعل يستنهض مقومات الأمة ، ويساهم مع غيره من قوى النهوض ، والتنوير في هذه الأمة ، بتغيير واقع الحال المأساوي الذي استمر أكثر مما ينبغي ، يعتمد على مقدرة ، ووعي ، وصلابة ، “الطليعيون العرب الجدد” لصياغة معادلة تؤمّن انسياب نسغ الحياة من سائر الجذور … على تنوعها إلى ساحة النهوض في الحاضر ، وبالتالي إلى المستقبل ، بحيث تضمن اللوائح الداخلية للطليعة العربية ، المساواة التامة ، فعلاً ، وموضعاً ، وليس شكلاً ، ونفاقاً .. فلا طغيان لأحد ، ولا انتقاص من حقوق أحد .. ذلك أن أي طغيان لفئة ما داخل مؤسسات ” الطليعة العربية ” تحت أي عنوان إقليمي ، أو ديني ، أو مذهبي ، أو عرقي .. يعني أن تلك الخلية ، التي كان من المؤمل أن تساهم في النهوض ، قد تسرطنت ، وباتت عالة على مشروع النهوض ، والتنوير ، كما أن أي استبعاد ، أو حتى إهمال ، أو إقصاء لأي مكون من المكونات الحضارية ، والاجتماعية ، والأثنية ، والثقافية ، والعقائدية يعني أن تلك المكونات ستتقوقع على ذاتها ، وتتحول بدورها إلى بؤرة للتسرطن في مواجهة مشروع النهوض والتنوير ، أياً كانت الشعارات المرفوعة ، من هنا ، أوهناك ..

( 148 )

لهذا كله ، مرة أخرى أردنا التأكيد بأكبر قدر من الوضوح أن ” الطليعة العربية ” لا تعتمد معيار الأقليات ، والأكثريات الأثنية ، أو الدينية ، أو الإقليمية ، فالطليعيون العرب الجدد ، بمجرد توقيع عقد “الطليعة العربية” يقرّون أنهم متساوون في الحقوق والواجبات أمام لوائح طالطليعة العربية” بغض النظر عن أي اعتبار آخر ، وأن الطليعة العربية تعتمد مبدأ محدداً للأقلية ، والأكثرية يعتمد معيار الموقف الراهن من أمر ، ما ، في الحاضر ، والمستقبل ، في زمان ، ما ، وبالتالي فإن الأقلية قد تكون أكثرية في مرحلة لاحقة ، والأكثرية قد تتحول إلى أقلية .. وهكذا وفق المواقف وتطور الأحداث ، وليس وفق أي معيار آخر …

          ولهذا أيضاً قلنا ، وبأكبر قدر من الوضوح أن ” الطليعة العربية ” تقاوم محاولات “فرم” التاريخ من قبل الذين “يفرمون” الحاضر ، ويسعون لفرم المستقبل .. فالطليعة العربية تنطلق ، واعتماداً على منهجها ” جدل الإنسان ” ، وعلى قانون التطور المتمثل بالجدل الاجتماعي ، بأن جميع المراحل التي مر بها تطور الجماعات البشرية عبر الزمان ، والتي تكونت منها الأمة العربية ، هي جزء لا يتجزأ من تاريخ هذه الأمة ، من العبث أن يتوهم أحد أنه يتمكن من إلغاء مرحلة منه ، أو تضخيم مرحلة أخرى .. إن ذلك التاريخ بحلوه ومره ، بسلبه وإيجابه ، بطغاته ومصالحه ، بثواره ورجعييه ، بنهوضه وانحطاطه ، بأعراقه ، وقبائله ، وعشائره ، وعائلاته ، ودياناته ، ومذاهبه ، وطوائفه ، بالظالمين والمظلومين ، بأنبيائه ورسله ، بالمؤمنين وبالجاحدين  ، بالعرب البائدة عاد ، وثمود ، وطسم ، وجديس ، وأميم ، وجاسم ، وعبيل ، وعبد ضخم ، وجرهم الأولى ، والعمالقة ، وحضورا ، ولقمان ، وعموّرة …. ، وبالعرب العاربة ، قحطان بن ذو القحف ، وأولاده يعرب ، وجرهم ، ويمن ، وبه سميت اليمن ، وحضرموت ، وخزاعة ، ومن أولاد يمن ، عبد شمس الذي لقب بسبأ لأنه بنى قصر سبأ ، ومدينة مأرب ، كما بنى مدينة عين الشمس في مصر ، وقد ولد لسبأ عشرة أولاد تشاءم منهم أربعة ، وتيامن منهم ستة ، أما الذين تشاءموا فهم لخم ، وجزام ، وعاملة ، وغسان ، والذين تيامنوا ، هم حميّر ، والأزد ، ومذحج ، وكنانة ، والأشعريون ، وأنمار ، وبالعرب المستعربة ويقال لهم العدنانيون وهم أولاد إسماعيل بن إبراهيم وامرأته رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي ، وبقبائل العرب مضر ، وكندة ، وقيس ، وكلب ، وربيعة ، وتميم ، وغطفان ، وتنوخ ، ومعد ، والمناذرة ، والغساسنة وقضاعة ، ونزار ، وقريش ، والمدياني ، وتغلب ، وبني مرة ، والأوس ، والخزرج ، وقد ذهب بعض الباحثين في علم الأجناس البشرية إلى وجود شبه كبير في الملامح بين العرب الجنوبيين في اليمن ، والقبائل في الصومال ، وحبشة ، والنوبة ، ومصر ، وقد نسبوا ذلك إلى أن تلك القبائل عربية الأصل ، هاجرت من جزيرة العرب عن طريق باب المندب ، ونحن نضيف ، أنه قد يكون العكس …. فقد تكون تلك القبائل قد جاءت عبر باب المندب إلى اليمن ، والجزيرة العربية .. كما عثر بين قبائل اليمن العربية على جماعات لها ملامح آشورية ، وينسب بعض النسابة النزاع بين الأنصار والمهاجرين بعد الإسلام إلى كونه نزاع أهل المدر مع أهل الوبر وقد رتبّ علماء الأنساب قبائل العرب إلى مراتب هي : شعب ، ثم قبيلة ، ثم عمارة ، ثم بطن ، ثم فخذ ، ثم فصيلة ..

وقد كانت كل قبيلة تتخذ حيواناً ، أو نباتاً ، أو كوكباً ، أو أي شيء آخر … أباً ، لها ، تعتقد أنها متسلسلة منه ، وتسمى باسمه لذلك كانت تقدسّه لأنه يحميها ، ويدافع عنها ، وبما أن القبائل ، كانت في ترحال دائم ، فإنها كانت عندما تقيم ، تجمع حجارة ، وتشّكل منها رمزاً للإله الخاص بها ، تتعبده من خلالها ، وعندما ترحل تتركه .. وتمضي .. كما كانت تؤمن بالحياة بعد الموت ، أو بالخلود الأبدي ذلك أنها كانت إذا توفي أحد أفرادها ، وهي في ترحالها تدفنه بثيابه ، وسيفه ، وتذبح ناقته على ضريحه حتى يجدها عندما يقوم بعد الممات ، ويلحق بالقبيلة .. وذات الطقوس تقريباً نجدها في الحضارات التي استقرت ، واختصت بالأرض ، بعد ذلك ، وبنت الهياكل ، والأهرامات ، والصروح لذلك . وإذا كانت بعض تلك القبائل قد انتقلت من البداوة إلى المدر ، إلى الحضر ، وبنت حضارات ما تزال أوابدها تدل عليها من سومر ، إلى آشور ، إلى الآراميين ، والسريان ، والكنعانيين ، والفراعنة ، والبابليين ، والأشوريين ، والكلدان ، والسبأيين ، والفينقيين ، والأنباط ، والحضارمة ، ومن بلقيس ، إلى زنوبيا وإلى ابنة عمتها كليوباترة ، ومن أخناتون إلى حمورابي ، إلى نبوخذ نصّر ، ورمسيس الثاني ، ومن طبرق إلى دارفور ، إلى القيروان ، ووهران ، وفاس ، والعيون ، ومن الأنباط ، والأقباط ، والحميريون ، وإلى البربر ، والأكراد ، والنوبيين ، والطوارق إضافة إلى الذين لجأوا إلى وطن العرب مؤخراً من الشراكس ، والتركمان ، والأرمن ، والأغريق ، والأفارقة ، والفرس ، فإن تلك الجماعات من عشائر ، وقبائل ، ووبر ، ومدر ، وحضر قد استنفذت خلال تطورها علاقات ما قبل الأمة فتفاعلت فيما بينها ، واختصت بالأرض ، وكونت الأمة العربية ، وبالتالي فإن التعبير عن تلك الانتماءات لا يكون ، إلا في سياق الانتماء الأرقى إلى الأمة العربية .. ذلك أن التطور صاعد أبداً ، والنكوص ، رجعية أبدا …… 

( 149 )

أردنا من ذلك التأكيد أنه من حق أي أحد في الوطن العربي أن يكون مغرماً بحمورابي أكثر من أخناتون ، أو بنفرتيتي أكثر من سمير اميس ، أو برمسيس أكثر من نبوخذ نصّر ، أو بزنوبيا أكثر من كليوباترة ، أو بأنكيدو أكثر من أدونيس ، أو ببلقيس أكثر من زرقاء اليمامة ،  ومن حق أي أحد أن يطرب لغناء الجرادتين في مكة ، اكثر من غناء الموصلي في البصرة ، ومن حق أي أحد أن يؤمن بواحدة من الديانات السماوية وان يقبل الاصطفاف في أحد طوائفها ، أو مذاهبها .. ومن حق من يشاء ، أن يعتقد ما يشاء على مسؤوليته في الدنيا ، والآخرة .. ومن حق من يشاء أن ينتمي إلى أحد الفرق الصوفية ، أو غير الصوفية ، ومن حق أي أحد أن يفتخر بما يعتقد أنه أصله القبلي ، أو العرقي ..

لكن ليس من حق أحد في الوطن العربي أن يقرر أن التاريخ قد بدا من حيث يعتقد هو ، وانتهى حيث انتهى هؤلاء الذين اعتقد بهم .. فذلك تزوير من حيث البداية ، ورجعية غير ممكن الرجوع إليها ، في النهاية ..

          لهذا فإن ” الطليعة العربية ” كخلية حية من خلايا هذه الأمة العربية ترفض منذ البداية سائر محاولات الاستئثار ، والإقصاء ، والتفرد ، فالتاريخ العربي لا يمكن اختصاره بأحد بعينه ، نقول ذلك تمهيداً للتأسيس عليه ، وللتأكيد أن الحاضر العربي لا يمكن اختصاره ، بأحد بعينه ، أياً كان ، ومهما كان ، ومهما كان الإدعاء .. وبالتالي فإن ” الطليعة العربية ” التي تتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، ترسم خطاً واضحاً لا تحيد عنه منذ البداية إلى المستقبل ينطلق من حرية الفرد في إطار الجماعة عبر لوائح ديمقراطية لا لبس فيها ، ولا غموض ، وبالتالي فإن الشرط الديمقراطي في بناء “الطليعة العربية” ليس شرطاً تكميلياً ، وإنما هو شرط تأسيسي ، وأساسي ، وعقائدي ذلك أن “كل إناء ينضح بما فيه” ، فإذا افتقدت ” الطليعة العربية ” الديمقراطية في بنيانها الداخلي ، لن تعرف أبداً كيف تمارس الديمقراطية في الواقع الموضوعي ، ولن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام على طريق أهدافها في هذا الواقع ، فالأحرار وحدهم ، هم القادرون على حمل برنامج “الطليعة العربية” بين المحيط ، والخليج .. كما أن التجارب المرة الحديثة العهد قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ، بأن الطريق إلى الوحدة العربية لا يمر عبر الطغاة ، والمستبدين ، حتى ولو كانوا “قوميين عرب أقحاح” ، والتجارب التي بلغت درجة المأساة أثبتت أن الوحدة العربية لا تتحقق بالضم ، أو بهيمنة إقليم على آخر ، أو بسطو جماعة على أخرى ، وبالتالي فإن ” الطليعيون العرب الجدد ” ورغم شوقهم ، وتوقهم لرؤية علم الوحدة العربية يرفرف .. فإنهم يرفضون رفضاً ، لا لبس فيه أن تقوم دولة الوحدة العربية عن طريق المستبدين ، أو بالإكراه من أي طرف ، كان ، حتى من طرفهم ، هم ، لأن الوحدة بهذه الحالة ستحمل جرثومة الانفصال لحظة ولادتها ، وبالتالي ستشّكل تجربة مريرة جديدة ، يسّتدل من خلالها ، على فشل المشروع التوحيدي العربي ، وبالتالي استمرار عصر الانحطاط ، والتجزئة عهوداً أخرى ..

( 150 )

إن هذا يرتب على ” الطليعة العربية ” مهام إضافية تتمثل في الانخراط ، بسائر النشاطات ، والمجالات ، والتصدي ، لمشكلات الناس على تنوعها في واقع ، ومؤسسات ، ودول تم تصميمها أساساً لمواجهة المشروع النهضوي القومي ، والتوحيدي التقدمي ، وبالتالي فإن على الطليعيين العرب أن يجيبوا على أصعب الأسئلة ، فقد تبين أن هذا الواقع لا يتم تغييره بتجاهله ، أو تجاهل ما حدث ، ويحدث فيه ، ولا يتم تغييره بالحديث المجرد ، والشعارات عالية النبرة عن إيجابيات الوحدة العربية وتآمر الإقليميين ، ووحشية الغزاة ، والصهاينة ، وقرصنة الإمبرياليين .. وتخلف البنية المجتمعية ، ومخاطر التجزئة .. بل ، أن للتغيير طريق واحد هو أن تتحرك ” الطليعة العربية ” بإيجابية  في إطار حاضنة جماهيرية تعرف ماذا تريد من الطليعة العربية ، وتعرف ” الطليعة العربية ” ماذا تريد منها ، وهذا يعني أن تكون ” الطليعة العربية ” في مجال الرؤية من القاعدة الشعبية لا تغيب عن ناظرها ، تشد نسيجها الاجتماعي ، وترتق ما انفتق منه ..، يترتب على هذا ، التعامل الإيجابي مع مؤسسات الدول الفعلية ، لتصويب مسارها ، ديمقراطياً ، بحيث تكون من ركائز دولة الوحدة ، التي تحتاج إلى مؤسسات لامركزية في الأقطار ، فالمطلوب بعد أن أصبحت مؤسسات الدول لأمراً واقعاً ، ليس تدميرها ، وإنما تصويب مسارها ، وتنقيتها من الفساد ، وتحويلها إلى مؤسسات وطنية ، وهذا ما عنيناه بضرورة الممارسة الديمقراطية في الواقع ، كما هو ، وهذا غير ممكن إلا بالنضال الجماهيري في سائر قطاعات المجتمع ، والدول القائمة في الوطن العربي .  

          وهكذا فإن ” الطليعيون العرب الجدد ” يوقعوّن منذ البداية عقداً ملزماً لهم جميعاً باحترام الرأي الآخر ، والدين الآخر ، والطائفة الأخرى ، والمذهب الآخر ، والأثنية الأخرى ، والقبلية ، والعائلية ، والمدنية الأخرى ، والثقافة الأخرى ، والفن الآخر ، واللهجات الأخرى ، والبيئة الأخرى .. وهكذا .. في جميع أطر ” الطليعة العربية ” وبنيانها الداخلي ، وكذلك على الصعيد الوطني داخل الأمة .. ثم على الصعيد الإنساني الشامل للبشرية جمعاء .. حيث يحتكم الطليعيون العرب الجدد للممارسة الديمقراطية وإلى الحوار ، والكلمة السواء ، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتشريعه على أسس ثابتة من المواطنة الحقة ، المصانة ، حيث تناضل “الطليعة العربية” ليتمتع الإنسان في الوطن العربي ، بسائر حقوقه الأساسية في المجتمع ، ليطالبه المجتمع ، بعد ذلك ، وليس قبله بتأدية واجباته كاملة .. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بوضع أسس واضحة للسلوك ، والممارسة اعتماداً على معيار أساسي يكفل لكل مواطن ، ولجميع المواطنين ، على حد سواء ، ودون استثناء ، أو إقصاء ، أو إهمال ، أو استئصال يكفل المساواة التامة أمام لوائح ” الطليعة العربية ” ثم يناضل الطليعيون العرب لتحقيق ، وتنفيذ هذا المعيار على صعيد الوطن ، والأمة دون أي تمييز بين الانتماءات الخاصة التي يتضمنها الانتماء الوطني العام سواء كانت دينية ، أو أثنية ، أو إقليمية ، أو مذهبية ، أو طائفية ، أو اقتصادية ، أو عائلية ، أو ثقافية .. فالطليعيون العرب الجدد يحترمون كافة المكونات الإنسانية للأمة العربية ، ويحترمون خصوصياتها في الإطار الوطني للأمة ، لكن تلك الخصوصيات إذا لم توضع في هذا الإطار العام فإنها تتحول إلى قوة تدميرية لخصوصيتها أولاً ، قبل أن تكون قوة تدميرية للأمة …

( 151 )

هل يعني هذا أن ” الطليعة العربية ” غير معنية بتلك الخصوصيات الدينية ، والأثنية ، والاجتماعية ..؟

أبداً ، على العكس من ذلك ، فالطليعة العربية حاضنة لتلك الخصوصيات ، وراعية لها ، ومحفزة لها للنهوض ، والاتساق في السياق العام لتطور الأمة .. والتجارب المرة قد أثبتت أن مجرد التعالي على تلك الخصوصيات ، وتجاهلها ، أو محاولة قمعها ، وإقصائها لا يحل المشكلة .. وإنما يزيدها تعقيداً ، إن على الطليعة العربية أن تتبنى مطالب تلك المكونات الاجتماعية ، وتحويلها من مطالب فئة معينة إلى مطالب وطنية عامة ، فتراث الجماعات البشرية المكونة للأمة العربية ، هو تراث الأمة كلها ،  وبالتالي فإن ” الطليعة العربية ” تعتمد معيار المواطنة ، كمعيار وحيد يتضمن سائر الخصوصيات المصانة الحقوق ، وهذا يقتضي التعاقد من حيث المبدأ بين كوادر الطليعة العربية على :

أولاً : أن الأمم ، والمجتمعات والدول في هذا العصر تقوم على أساس اختلاط الأجناس البشرية ، وتفاعلها ، واختصاصها بأرض الوطن ، وأنه لا يوجد في هذا العصر مجتمع واحد يتمتع بالنقاء العرقي ، ومن لا يصدق ذلك ، عليه أن يذهب إلى واحد من البنوك العلمية التي افتتحت أبوابها في بعض الجامعات العالمية ، ليخضع نفسه لفحص   الـ D.N.A حيث يمكن الوصول إلى الجد الأربعمائة .. ، فهل يقبل هؤلاء بالنتيجة ..؟

لهذا فإننا نقول لدعاة النكوص عن المواطنة ، إلى العرقية أنكم تقامرون بمستقبل ما تعتبرونه “أقليات في الوطن العربي” ، قبل أن يكون ما تقومون به اعتداء على الأمة التي احتضنت خصوصيات جميع مكوناتها ..والظلم الذي نال منكم ، نال في الوقت ذاته من الآخرين ، كل بحسب نصيبه ، ثم هل لنا أن نسأل كيف تسعون ، بأيديكم ، وأرجلكم ، لتكونوا مواطنين أسوياء في دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وكندا ، والدول الاسكندنافية ، والغرب ..؟ وترفضون أن تكونوا مواطنين أسوياء بين أهلكم ، أبناء أمتكم العربية ..؟ .. قد يكون الجواب على الفور ، لأننا نتعرض للظلم ، والتضييق ، وانتهاك حقوقنا ..؟ ، ونحن نقبل الجواب ، لكن هل أنتم وحدكم من يتعرض لذلك ..؟ .. أليست الأمة كلها في حالة من الاستلاب ، والقهر ؟ وهل هناك مخرج خاص لجماعة بعينها من هذا الوضع الشائن ..؟ وهل هناك وسيلة لاستمرار هذا الوضع الاستثنائي إلا بتفكيك النسيج الاجتماعي للأمة ، وبالتالي سيادة الطغاة ، والغزاة ..؟ ألا يعني هذا أن الذين يسعون لتخريب النسيج الاجتماعي للأمة ، هم الدعامة الأساسية للمستبدين ، والطغاة ، والظالمين .. ؟ ، ألا يعني هذا أن الطريق الوحيد لرفع الظلم ، والحيف عن المواطنين كافة ، وعن كل فئة بعينها ، يكمن بالتكافل الوطني ، والالتزام بالعقد الوطني ن والاجتماعي ….؟ 

المسالة إذن ليست مسألة أقليات ، وأكثريات ، وأعراق ، وأثنيات ، ومذاهب ، وديانات .. وإنما مسألة حرية .. وحقوق أساسية لا يمكن تحقيقها للأفراد ، والجماعات إلا بحركة نهوض تنويرية شاملة تحقق المساواة ، والعدالة ، وتصون الحقوق لسائر مكونات المجتمع العربي .. وهذا ما تسعى ” الطليعة العربية ” لتحقيقه ، بجميع مكونات المجتمع العربي وليس بمواجهة بعضها ، بعضاً .. هل ندخل في التفاصيل ..؟ لا ، ليس مجالها هنا ، وإنما سنترك ذلك ، للنص عليه في العقود التأسيسية للطليعة العربية في الأقطار ، والدول الفعلية القائمة .. فقط نقول ، هنا ، وباختصار شديد أن البربر قدموا لهذه الأمة العربية واحداً من ابرز رموزها هو طارق بن زياد ..، وأن النصارى العرب قدموا واحداً من أشرف أبطالها هو موسى بن نصير ، الذي تربى في أحد الأديرة قبل أن يعتنق الإسلام .. وأن الأكراد منحوا هذه الأمة رمزاً من اعز رموزها .. هو صلاح الدين الأيوبي .. وان الأقباط في مصر يقدمون لهذه الأمة العربية الآن الأنبا شنودة ، الذي حرّم على الأقباط زيارة القدس قبل تحريرها من الغزاة ، رغم توقهم لذلك .. ونحن هنا لا نقارن هذا الموقف مع موقف شيخ الأزهر .. فقط نشير إلى ضرورة تحرير المؤسسات الدينية ، من سطوة الطغاة ، وغير الطغاة … “إن الله لا يستحي من الحق” .

( 152 )

إن المسيرة العربية ، باتجاه الحرية التي انطلقت من ذي قار ، إلى القادسية ، إلى اليرموك ، إلى القيروان ، إلى الذين يتحفزّون الآن لاستئنافها ، مسيرة متواصلة ، تراكمية ، فمن ذا الذي يجرؤ أن يخوض في الدماء الذكية بحثاً عن عصبيات تدمّر الأمة التي قضوا جميعاً من أجل حريتها ، وشد نسيجها الاجتماعي …؟ ، هل آن الأوان للخروج من هذا العبث ؟ ، هل هناك حاجة لنقول أن احمد شوقي أمير الشعر العربي ،هو لأبوين كردي وشركسية ، ولجد يوناني …؟ هل تريدون أن نبحث بأصل ، وفصل، الفلاسفة ، والعلماء ، والأدباء ، والفنانين ، والفقهاء ، والمشرّعين ، الذين شكلوّا ، هوية هذه الأمة ، وتراثها الحضاري …؟ ، ثم ، وبالمقابل ، هل هناك حاجة بدعوة الذين يصدرون الفتاوى بالفصل العرقي للتثبت من عرقيتهم عبر فحوص الحمض النووي ، فقد يسفكون دماء بعض أحفاد أجدادهم ن وهم لا يعلمون …؟ .    

ثانياً : إن الحديث عن الدولة الدينية يقتضي التداعي إلى كلمة سواء بهذا الشأن ، فهل توجد دولة صافية دينياً ، بل هل ، وجدت ؟ ، خاصة بعد انقضاء عهد  الإمبراطوريات ، واستكمالاً لذلك هل يمكن الحديث موضوعياً عن دار للحرب ، وأخرى للسلم ، وهل توجد دولة في هذا العالم ليس فيها مؤمنين وغير مؤمنين ؟ ، ثم هل الفتح في هذا العصر مازال هو الأسلوب المناسب للدعوة إلى دين الله ، وبمواجهة من ؟

إنني إذ أدرك مدى حساسية هذه المسائل ، وصعوبة الخوض فيها ، فإنني أدرك في الوقت ذاته أن على الطليعيين العرب الجدد أن لا يتهربون ، ولا يتجاهلون تلك الأسئلة المتعلقة بمصير الأمة ، مهما بلغت درجة حساسيتها ، وهم لا يحتملون تكرار التجارب الفاشلة بالمضي على طريق النهوض ، والتنوير ، ثم  ، وعند أول اختبار جدي يتفرقون مذاهب ، وطوائف ،  وأعراق ..

          و بما أن المجال هنا لا يتسع للتفصيل ، فإننا نقترح أولاً اعتماد البحث الهام الذي قدمه شيخنا عصمت سيف الدولة عن العروبة والإسلام كجزء لا يتجزأ من هذا البيان تنطبق عليه كافة مفاعيله وأحكامه ونضيف :

1 – أن الديانات السماوية كما أسلفنا جاءت في السياق التاريخي لتطور الجماعات البشرية المكونة للأمة العربية ، وأنها تحديداً كانت في مواجهة الظالمين ، والطغاة ، وفي سياق متصاعد ، فمن نجاة إبراهيم الخليل من نيران النمرود ، إلى إلقاء يوسف في البئر ، إلى ملاحقة موسى ، وصلب السيد المسيح ، أو رمزية التشبيه بصلبه ، إلى محاصرة الرسول محمد بن عبد الله ، وتهجيره مع أصحابه ، وبالتالي فإن تاريخ تلك الدينات وحركة المؤمنين ، والجاحدين بها ، هو ذاته التاريخ الذي أدى تكوين الأمة العربية .. وهذا ما لم يفطن له بعمق دعاة النهضة ، والتنوير الذين ظن بعضهم أن مجرد الدعوة إلى ما أسموه ” العلمانية ” يحل المشكلة ، وأن رفع شعار “الدين لله والوطن للجميع” يمكن تحقيقه بنقل الحل الأوروبي لمشكلة طغيان محاكم التفتيش الكنسية ، والمتمثل بفصل الدين عن الدولة ، ولم يفطنوا إلى أن تاريخ الرسالات السماوية هنا هو ذاته تاريخ تشكل الجماعات البشرية التي تطورت إلى أن تم اكتمال التكوين القومي للأمة العربية ، وبما أنه لا يمكن فصل أمة ، ما ، عن تاريخها ، فإن القضية في الوطن العربي أعمق ، وأكثر تعقيداً ، من فصل الدين عن الدولة ، أو عن علاقة الدين بالدولة .. ذلك أن تلك العلاقة تشمل علاقة الدين بالمجتمع تأثراً ، وتأثيراً ، وتراثاً ، وتاريخاً ،ً وسنترك التفصيل في ذلك ، لبرامج أحزاب الطليعة العربية في الدول القائمة في الوطن العربي ، لأن تلك المشكلة ، تختلف تداعياتها ، من دولة إلى أخرى ، وبالتالي تختلف الحلول ، وإن كان هناك ناظماً عاماً لحلها ، تتفرع عنه حلول فرعية ، لكل حالة على حدة ..

( 153 )

          ونحن ، سنكتفي هنا ، بالإشارة إلى الرسالة الختامية للرسالات السماوية ، والتي تضمنتها ، ولم تنقضها ، نقول ، باختصار شديد ، أن هناك من يحاول اختلاق فتنة بين العروبة والإسلام ، وكأن الإسلام الحق ليس الرافعة التي تجاوزت بها الجماعات البشرية المكونة للأمة العربية علاقاتها القبلية ، والشعوبية ، والعائلية ، والعنصرية ، والإقليمية فاكتملت بذلك تكويناً في أمة واحدة .

          قد يقول البعض أن للدين الإسلامي رجاله ، والذين يفتون باسمه ، ونحن نعترض على ذلك ، ونقول دون مواربة ، أنه لا كهانة في الإسلام ، ولا رجال دين ، ورغم النص الصريح على ذلك ، فإن انحسار المشروع النهضوي العربي أبرز على الساحة العربية ، طبقة من الذين يفتون بكل شيء ، في غياب المعايير الدقيقة ، حيث تحولت المسالة إلى ما يشبه الفتنة المتنقلة ، بين المذاهب ، والجماعات ، والشيوخ ، ادعّاء ، وتكفيراً ، ورجماً بكل الاتجاهات فضاع جوهر الرسالة ، ودورها في غمرة هذا الضجيج …لتشويه هذا العنصر التوحيدي ، واستخدامه زوراً ، وبهتاناً ، في الفتن ، والتخريب ، والتغريب ، والتفتيت …

          وبما أن هذه الرسالة السماوية ، وما ترتب عليها ، هي التي نقلت القبائل ، والشعوب ، والجماعات ، والعشائر ، والأعراق إلى مرحلة التكوين القومي للأمة العربية ، فإن علاقتنا بها ، لا يمكن اختزالها بما يسمونه “العلمانية” ، أو فصل الدين عن الدولة .. ذلك ، أنها كما كانت رافعة باتجاه الأمة يحاول البعض الآن تحويلها إلى عوامل تفتيت ، وفتنة مذهبية ، وغير مذهبية ، وهذا يعني أن “الطليعة العربية” معنية في تصويب هذه العلاقة ، وبالتالي أن تقدّم قراءتها الواضحة ، لأن ذلك في صلب مشروعها النهضوي التقدمي التوحيدي .. ولهذا دعونا نطرح هذه المسألة على الطليعيين العرب الجدد عبر نقاط محددة لمناقشتها :

1 – دراسة الأثر الموضوعي للرسالة ، في الواقع العربي ، وقراءة الآيات القرآنية في سياق المكان ، والزمان ، مكية ، ومدنية ، وعلاقتها بأسباب النزول ، وما يتعلق منها ، بالعبادات ، أو المعاملات ، وما يتعلق منها ، بأحداث ظرفية ، ومكانية ، وما يتعلق منها بالعقيدة العامة .

2 – دراسة دولة الرسول في مدينة يثرب ، ودستورها ” الصحيفة ” كدولة مدنية متعددة الديانات ، فقد جاء في الصحيفة : ” ..وأن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وأن بينهم النصح ، والنصيحة ، والبر دون الإثم ، وأنه لن يأثم أمرؤ بحليفه ، وأن النصر للمظلوم .. وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها ” ومن هنا ندرك أن خرق بني قريظة لهذا العهد هو الذي أحالهم إلى التحكيم ، وما جرى بعد ذلك ، وكذلك دراسة التشريع في تلك المرحلة ، في زمانها ، ومكانها ، ومقارنتها ، بطرق الحكم السائدة في تلك المرحلة التاريخية.

3 – رغم أن دولة الرسول في يثرب ، والتي استمرت عشر سنوات كانت دولة مقاتلة فقد شهدت أكثر من  / 260 / معركة ، بمعدل 26 معركة كل عام ، بمعدل معركتين كل شهر ، ورغم ذلك ، فإن قراءة معمقة لتلك المرحلة ، نعرضها للنقاش العام داخل “الطليعة العربية” نستنتج منها : أن تلك المرحلة شهدت أول نظام للفصل بين السلطات في دولة الرسول ، فربما للمرة الأولى في التاريخ البشري كان هناك فصل بين سلطات أمير الجيش ، وسلطات القضاء ، وسلطات بيت المال ، فلم يكن للأمير سلطة على القضاء ، أو على بيت المال ، والعكس صحيح ، أما على صعيد الحكم في المدينة ذاتها فإن التشريع كان يوحى به من السماء ، عند الحاجة ، وإذا تأخر الوحي كان الأمر أن : “شاورهم في الأمر” ، وهنا لابد من التنبيه أن ” شاورهم في الأمر ” خاصة بالرسول وحده دون سواه .. أما مرحلة ما بعد الرسول ، وانقطاع الوحي ، ” فإن أمرهم شورى بينهم ” وهذه دعوة صريحة إلى البشر بعد انقطاع الوحي حيث الحاجة إلى التشريع ومعالجة الظروف المستجدة ، مستمرة ، وأن الشورى بين الجماعة هي المعتمدة .. بعد انقطاع الوحي ، وأن التشريع بعد انقطاع الوحي يعود للأمة وحدها عبر مؤسساتها الديمقراطية بالمفهوم المعاصر .

4 – المرحلة الثانية : هي مرحلة الخلفاء الراشدين ويمكن أن نطلق عليها أنها كانت مرحلة انتقالية تجريبية ، إما لصياغة أسلوب جديد يكفل الحرية ، والحقوق ، والمساواة ، والعدالة ، في الحكم ، ويستند إلى جوهر الرسالة …، وإما اختيار أحد أساليب الحكم التي كانت سائدة في ذلك الزمان ، وأبرزها النظم الإمبراطورية ، كسراوية ، أو قيصرية .. ، وكان انتصار أحد الخيارين ، سيحسم الكثير من المسائل ، ونلاحظ هنا أن الخيار الأول كان هو الأقوى حتى انقضاء دولة عمر بن الخطاب ، حيث عبّر عن خطورة استمرار الحاكم في الحكم لفترة طويلة ، فقال ، لعلي بن أبي طالب ، قولته الشهيرة : لقد ملني الناس يا أبا الحسن .. ثم كان موقفه الهام لحظة الاغتيال . حيث أبى التوريث ، كما أبى تسمية الخليفة ، واستحدث فكرة اختيار جماعة من الصحابة ، لاختيار خليفة ، على أن لا يكون واحداً منهم .. وكانت تلك فكرة جنينية ، لتوسيع دائرة الاختيار ، وعوضاً عن تعزيزها ..حصل ما حصل بعد ذلك ..

5 – بانقضاء عهد الخلفاء الراشدين حسم الأمر لصالح الخيار الثاني الإمبراطوري التوريثي .. من الأمويين ، إلى العباسيين ، إلى المماليك ، إلى الصفويين ، إلى العثمانيين ، وصولاً إلى المستعمرين الأوربيين ، وانتهاء بأنظمة الهلافيت المستبّدة هذه الأيام ، وتلك النظم الإمبراطورية التوريثية ، منذ ذلك الحين ، وحتى الآن ، هي التي أنتجت تلك الفتن ، وهذا الانحطاط ، والاحتلال ، والمذابح ، والتبعية ، والتخلف .

6 – إن الطليعة العربية إذ تقدّر ، وتحترم كافة المذاهب الفقهية في الإسلام ، على تنوعها .. فإنها تقرأ هذا المسار موضوعياً ، بعيداً عن الفتن ، والمذابح ، والتكفير ، والفتاوي التي غيبّت إلى حد التناقض جوهر الرسالة ، منطلقاتها ، وغاياتها .. حتى باتت رسالة التوحيد ، والتحرير ، والاستنهاض ، مذاهب ، وفرق ، وشيع تقطع أوصال الأمة ..وبالتالي فإن “الطليعة العربية” من خلال كوادرها ستعمل ، وفي كافة المواقع على فتح باب الاجتهاد ، لوضع حد فاصل بين الفقه ، وبين الفتن ، وتهذيب الخطاب مما علق فيه من عصور المذابح ، والانحطاط ، والثأر ، والتلاعن …. 

7 – إن ” الطليعة العربية ” لا تتعامل مع هذا الواقع العربي رغم ترديه المرير ، بأسلوب التعالي ، والرفض ، وإنما تتعامل معه ، كما هو ، لكن لغايات تقررها ، هي ، لتغييره ، واستعادة العقل ، ووضع حد للقطيعية ، وشد نسيج المجتمع من جديد ، وبالتالي فإن الطليعيون العرب الجدد ، لا يستعلون على أهلهم ، وأبناء مجتمعهم ، فهم يحملون إلى “الطليعة العربية” مشكلات الواقع ، ويعودون إلى الواقع ، بحلول مدروسة ، وفاعلة ، وإذا كان العرب المسلمين مكلفين بدعوة أهل الكتاب ، من غير المسلمين ، إلى الكلمة السواء .. فإن حالهم الآن ، فيما بين بعضهم البعض ، أولى للتداعي إلى الكلمة السواء أيضاً ، عوضاً عن فتاوي الشتم ، والتكفير ، والذبح ، والسبي ، والتفجير ، والتلاعن ..

          يقولون ، أن الإسلام دين ، ودنيا ، ونحن نقول ، نعم دين ودنيا ، لكن أي دين ..؟ وأي دنيا .. هل واقع المسلمين ، الآن ، وبالمقارنة حضارياً بشعوب العالم الأخرى يرضي أحد منهم .. هل يرضي الله ..؟!

8 – إن العصر الإمبراطوري ، قد انقضى ، وأن اليابسة مشغولة الآن بجماعات بشرية مختصة بالأرض ضمن دول ، وحدود ثابتة ، وبالتالي فإن الدعوة إلى دين الله في هذا العصر لم تعد تمر عبر الفتح ، والتفجير ، والاستبداد ، والتهديد ، والطقوس المبالغ فيها ، وإنما عبر تقديم النموذج الإنساني الحضاري العقائدي الإنساني المتسامح ، في جو من العدالة والمساواة ، واحترام الآخر ، والدعوة إلى الكلمة السواء ، ورفع الظلم ، ومقاومته ، والعمل مع قوى الأنسنة في العالم لإقامة نظام عالمي عادل لا “فيتو” ، فيه لأحد ، ولا هيمنة فيه لأحد ..

          ولينتبه العرب المسلمين ، أنهم مكلفون شرعاً ، بمقاومة الظلم ، والتصدي للظالمين .. وإذا كانت الشرائع السماوية ، والقوانين الوضعية ، تعاقب الظالم ، وتلاحقه ، فإن الرسالة السماوية للمسلمين ، العرب منهم أساساً ، تعاقب المظلومين ، إذا لم يقاوموا الظالمين ، كما جاء في الآية الكريمة : ” ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله أولياء ثم لا تنصرون ”

إذن ، فالطليعيون العرب الجدد ينطلقون من مبدأ عدم الركون للظالمين أياً كانوا ، ومهما امتلكوا من أدوات …. أياً كانوا .. وإلى أي مصدر انتموا ..

بناء على ما تقدم من حديث ، على مدى الفقرات السابقة ، بات من الممكن طرح السؤال المركزي : هل ، آن الأوان لنضع مشروع عقد ملزم للطليعة العربية ، نناقشه فيما بيننا ..؟!

                             نعم ، بكل تأكيد ، فهذا أوانه ….!

( يتبع .. البيان  ” 28 ” ….)

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

 

 

 

على بساط الثلاثاء 

 

54   

 

البيان..”28″ الأخيرة…

 الطليعة العربية 

 العقد

 

(تتمة …”28 ” …البيان … الأخيرة )

 تمهيد : في الأسباب الموجبة :

 

           في الوطن العربي ، الآن ، ومع انقضاء العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ، فراغ خلفهّ انحسار المشروع النهضوي التحرري القومي العربي المقاوم ، والمعاصر ، بل ، وانحسار مشاريع ، وإرهاصات مشاريع النهضة الاجتماعية ، والسياسية الأخرى على تنوعها ، واختلاف منطلقاتها ، وغاياتها من أول مشاريع الإصلاح الديني إلى آخر المشاريع الماركسية ، والليبرالية ، والنيوليبرالية مروراً بالمشاريع الإقليمية ، والمناطقية التي تجاوزت حدود الأمة أحياناً ، واقتصرت على أجزاء منها في أحيان أخرى ..

                 وبما أن الواقع الموضوعي للمجتمعات البشرية لا يطيق الفراغ ، فقد انتفخت ، وتورّمت المكونات الأساسية ، والتأسيسية للمجتمع العربي من أثنية ، ودينية ، ومذهبية ، وطائفية ، ومناطقية ، وإقليمية ، وعائلية تنبش القبور ، وتمتشق سيوف الثأر ، لكن لمن ..؟ .. ومن ، من ..؟ وبأية صفة ، أو ولاية ..؟ وكأن الزمان لم يتجاوز مجازر الزمن الغابر التي لم توفر جماعة ، ما ، من الفتك فيها ، كما أن تلك الجماعة عينها لم توفر الآخرين من الفتك فيهم ..؟ وكأن القتلة مازالوا أحياء يمكن الإشارة إليهم بالبنان في هذا العصر ..؟ وكأن دماء المقتولين مازالت حارة تسيل على الأرض تستصرخ الثأر .. ودق رؤوس القتلة ..؟!

وكأن المسألة لا تحتاج إلى الكثير من التوثيق ، والتحميص ، لتحديد هوية طالب الثأر ، وصفته ، وكذلك تحديد هوية المطلوب سفك دمه ، قبل أن تدق سيوف من لا ولاية لهم ، بإعتاق من لا جرم عليهم .؟!

                 لقد آن الأوان ، لوقف توظيف المكونات الإيجابية للمجتمع العربي ، والدماء الذكية للشهداء ، في خنادق الفتن ، والاستلاب ، وميادين القتل المجاني في محاولات مجرمة عابثة لإلغاء مراحل تاريخية تعاقبت خلالها أجيال عربية عديدة ، وتفاعلت فيها المكونات التاريخية للأمة أثرت ، وتأثرت ، وتجاوزت علاقات ما قبل المواطنة في أمة واحدة ، وشكلت أمة عربية واحدة ، مكتملة التكوين ، ولم ينتقص من ذلك كون هذه الأمة لم تتمكن حتى الآن من بناء نظامها السياسي الذي يتطابق مع حدود وطنها جغرافياً ، ومع حدود الأمة تاريخياً .. بفعل عوامل تخريب داخلي ، وغزو خارجي تم التناوب بينهما على مدى قرون مديدة ، على العكس من ذلك ، فإن ذلك يثبت أن هذه الأمة ضاربة الجذور في هذه الأرض ، وليست أمة مصطنعة تنهار بانهيار نظام سياسي ، أو إمبراطوري ، كما حدث ، ويحدث في هذ1 العصر الشديد التعقيد …

                 إن التكوين القومي للأمة العربية لا يلغي المكونات التي تكونت منها ، وإنما يحتويها على تنوعها ، وتعدد مصادرها ، وأروماتها ، وأن تورّم بعضها ، أو انزواء بعضها الآخر مرتبط بظروف طارئة ، مما يدفعها للتصارع ، ومحاولة إقصاء بعضها ، بعضاً باحثة عن سند لها من قوى خارجية في الغرب ، أو في الشرق ، وهي تتغذى على الجموع التي  تساقطت من المشروع النهضوي القومي العربي التقدمي ، الذي كان ملء الدنيا ، وبصرها ، نكوصاً ، أو يأساً ، أو إحباطاً ، أو حتى من الجموع المحبطة أملاً من البعض بتشكيل رافعة لمشروع التحرير ، والمقاومة ، والنهوض في هذه الأمة  من خلال واحدة من تلك المكونات ، أو العناصر ، على الانفراد ، دون أن يدركوا أن تلك المكونات مثقلة بما لحق بها من عصور الانحطاط ، والفتن ، والاستبداد التي امتدت قروناً عديدة ، وأن الحل الوحيد لإخراجها من المأزق يكمن في انخراطها في مشروع نهضوي تنويري شامل يشملها جميعاً ، ويضع حداً لمشاريع الإقصاء ، والاستئصال ، والتكفير ، وبالتالي فإن محاولة تحميل واحدة من تلك المكونات الدينية ، أو المذهبية ، أو الطائفية ، أو الأثنية ، أو العائلية ، أو الإقليمية …. مشاريع للتحرير ، والمقاومة لن ينقذها مما هي فيه، ولن يقدم حلاً استراتيجياً لأزمة مشاريع التحرير والمقاومة .. وإنما سيؤدي إلى إضافة أزمات جديدة للحالتين معاً .

                 لعل أغلب الذين هربوا من مواجهة أزمات مشاريع النهوض ، والتنوير بعد أن أعيتهم الأسئلة الصعبة ، والهزائم المريرة ، باحثين عن حوامل جديدة لمشاريع المقاومة والتحرير ، قد أدركوا الآن ، أن تلك الحوامل ، الأثنية ، والمذهبية ، والطائفية ، والإقليمية لا يمكن أن تحمل مشروعاً تحررياً مقاوماً يحمل هوية الأمة ، وأحلامها …في هذا العصر رغم النوايا الحسنة ، والإرادة الجهادية التي تجاوزت في بعض الأحيان إرادة الحياة ، وأدت بالكثيرين أن يحّولوا أنفسهم إلى قنابل موقوتة .. لكن ، وللأسف الشديد تنفجر ، في الغالب ، بأبناء الأمة ، وتقطع الطريق المؤدي إلى أهدافها …، وتشوّه نقاء الدماء الذكية التي تواجه المعتدين ، والطامعين  وهي للأسف الشديد أسيرة استراتيجيات ، وقوى إقليمية ، ودولية لا يعرف المفجرون لأنفسهم شيئاً عنها ، ولا يعرفون في أي رصيد ستثمّر دماءهم …

                 بالمقابل كانت هناك قوى أخرى في الواقع العربي تطلق الزغاريد بانهيار المشاريع النهضوية في الوطن العربي ، وهي في الأساس تقاوم أي تجديد ، وتتمسك ، وتتغذى على الصراعات ، والفتن في الوطن العربي ، كل منها ينتمي إلى ” الفرقة الناجية ” وكل ما عداها إلى الجحيم ، تقتسم هذا الواقع ، فيما بينها ، وتتقاسمه قطاعات ، ومزارع ، ومداجن ، وآبار نفط يتوارثونها فيما بين بعضهم ، البعض .. تلك القوى على تنوعها ، بما في ذلك المشاريع الإقليمية ، والدولية التي تستثمر في تلك الجماعات … لا تتصارع فيما بينها لتحقيق مشروع ، ما ، لهذه الأمة ، وإنما تتصارع لاقتسام هذه الأمة ، ووضع اليد عليها ، ونصيب كل فريق من الحصص ، والخصخصة ، فالأمة بالنسبة إلى تلك الجماعات ، محليين ، وإقليميين ، ودوليين مستباحة لمشاريعهم ، كل منهم يسعى للحصول على النصيب الأكبر .. وذلك الصراع قد يصل إلى حد الحروب الساخنة أحياناً ، أو الباردة أحياناً أخرى ، وبالتالي فهي حروب على الأمة ، وثرواتها ، وليست حروباً للأمة ، وإحقاق حقوقها ، وهذا يعني أنه من العبث أن ينقسم التحريريون المقاومون ، النهضويون في الوطن العربي بين هذا الفريق أو ذاك .. وإنما المطلوب التحالف بمواجهتهم معاً ..!

                 هنا يثور السؤال أين الشعب العربي من هذا كله ..؟ وإلى متى سيبقى مستلباً ، ووقوداً لصراعات هو الخاسر الوحيد فيها .. ذلك أن القوى المتصارعة قد تختلف نسبة جنيها للفوائد ، والأرباح .. لكنها جميعها رابحة من تلك الصراعات ..؟!

                 بما أن تضارب المكونات الأساسية للمجتمع العربي ، والصراعات فيما بينها لا يؤدي إلاّ إلى مزيد من الخراب ، والانحطاط ، وبما أن الفردية لن تكون مجدية في مواجهة مثل هذا الواقع المعّقد ، فإنه لا مخرج من هذا الوضع المأساوي ، إلاّ عبر المؤسسات الاعتبارية التي تنظم حركة الشعوب ، ذات النفع العام ، من أحزاب ، ونقابات ، واتحادات ، وجمعيات ، ومنتديات … وبما أن الأحزاب هي المعنية بوضع البرامج ، وتحديد التوجهات ، والأفكار ، والاستراتجيات لممارسة مختلف النشاطات المشار إليها في العصر الحديث ، فإن الخطوة الأولى ، والمركزية تبدأ من أن يتوجه النهضويون العرب ، على مختلف توجهاتهم ، وتعددها إلى بناء مؤسسات حزبية حقيقية يتوفر لكل منها شخصية اعتبارية تتضمن ، وتوجّه وتؤطرّ النشاطات الفردية للكوادر ، وليس العكس ، أي أن لا تكون الأحزاب وكوادرها مطية لمطامع فرد ، أو مجموعة من الأفراد .. فالوطن العربي ، وبعد انهيار مشاريع النهضة ، والتنوير يكاد أن يكون عارياً من تلك المؤسسات الاعتبارية التي تنقل العلاقات بين الناس في المجتمع من الفردية ، وأطر ما قبل المواطنة ، إلى المواطنة الحّقة ، وبالتالي تشّكل صادات عن المجتمع ، وحصانة له من الاستلاب ، والاختراق ، والقطيعية ، فالأحزاب ، وأشلاء الأحزاب المنتشرة الآن في الوطن العربي يمكن تصنيفها في واحد من المصنفات الثلاثة التالية :

-          المصنف الأول : أحزاب تمّثل مذاهب ، وطوائف ، وأعراق ، وهي مجرد مؤسسات شكلية ، تخفي وراء الستارة ، أياً كانت الأعلام ، والرايات ، تلك العلاقات المذهبية ، والطائفية ، والعرقية موضوعياً حيث القرار في مكان ، ما ، خارج تلك الأحزاب ..!

-          المصنف الثاني : ويضم مؤسسات ، وأحزاب سلطوية ، تديرها الأجهزة السلطوية في الوطن العربي ، وهي بهذه الصفة فقدت ميزاتها الحزبية ، وتحولت إلى واجهة لأجهزة خفية تتعيش على موائد الحكام ، وتتنافس في الفساد ، والإفساد ، وتكوين رأسماليات طفيلية ، أو ما يسمى ” رجال ، ونساء أعمال ” لا يعرف أحد مصدر ملاينيهم يديرون شبكات مافوية بالغة التعقيد …

-          المصنف الثالث : ويضم أشلاء الأحزاب التي كانت ذات يوم ترفع شعارات نهضوية ليس لتغيير الواقع العربي وحسب ، وإنما لتغيير العالم .. وتلك الأحزاب بعد انهيار المشاريع النهضوية باتت مهشمّة ، وهامشية بعد أن انفضّت من حولها الجموع ، وبعد أن دفعت أثماناً باهظة في سجون الطغاة ، والمستبدين .. وبعد أن انزوت لعقود طويلة في أقبية العمل السري ، فغابت عن نظر الجماهير ، وباتت خارج التغطية الجماهيرية ..

هكذا فإن الشعب العربي في الأجزاء ، وفي الكل افتقد وسائل الحماية ، وإمكانية الفعل وبات الواقع العربي ساحة تتصارع على أرضه جميع القوى التي تستهدفه ، وغابت العناصر ، والقوى التي تحمل أهداف الأمة ، أو غيبّت ، وغاب السؤال الموضوعي : من أنا ..؟ .. من أنت .؟ .. الذي يحكم المجتمعات الحية التي تتمتع بالعافية ، وتحترم علاقات المواطنة ، وحقوق المواطنين الأساسية ، وتم استبداله بسؤال مشبوه ، مع مّن أنا ..؟ مع مّن أنت ..؟ ذلك أن السؤال الأخير يلغي الفاعلية ، ويحاصر المواطن في اختيار أن يكون أداة بيد هذا ، أو ذاك .. وغالباً ما يكون محكوماً بعلاقات متخلفة تكون حاكمة له تمنعه حتى من حرية الاختيار …!

             هذا الواقع الموضوعي ، والذاتي بمجمل تداعياته شّكل ، ويشّكل عناصر الأسباب الموجبة لهذه الدعوة الموجهة إلى جميع من يهمهم أمر مستقبل هذه الأمة العربية في الأجزاء ـ وفي الكل ـ لاستئناف مشاريع التحرير ، والنهوض ، والتنوير في الوطن العربي ..

             خط البداية ، هو التحرر من إدعاء احتكار مشروع التحرير ، والنهوض ، والتنوير فالطريق إلى هذا كله عريض .. ويستدعي جميع القوى الحية في هذه الأمة للتنافس .. في مسارات متوازية ، لا متصادمة ، وطوبى لمن يتقدم الصفوف .. لهذا ، فإننا نقرّر في لحظة الانطلاق أن ” الطليعة العربية ” لا يمكن أن تحمل على الانفراد مشعل التحرير ، والنهوض ، والتنوير في هذا الواقع العربي المعقد ، ذلك أن زهرة لا تصنع ربيعاً .. وبالتالي فإن ” الطليعة العربية ” تأمل أن تكون حافزاً لاستئناف مشاريع النهوض ، والتنوير ، والتحرير على تنوعها .. وبقدر ما تتأصّل تلك المشاريع ـ وتنطلق باتجاه أهدافها .. بقدر ما يتوفر المناخ الإيجابي للطليعة العربية لتحقيق أهدافها .. فالطليعة العربية ليست بديل أحد ، داخل التيار القومي العربي التقدمي النهضوي ، ولا خارجه .. وإنما رديف ، وأن غاية ما يحلم فيه الطليعيون العرب الجدد ، هو أن تكون ” الطليعة العربية ” واحدة من القوى التي تصب جهود كوادرها في مشروع كبير متعدد القوى ، والساحات موحد الأهداف والغايات ..باتجاه مستقبل عربي مختلف إيجاباً .

 

الباب الأول

في المبادئ الأساسية

***

الفصل الأول

في الأسس

***

 

مادة ( 1 )

 

يحتضن هذا الكوكب الأرضي جماعات بشرية ، مرّت بأطوار تاريخية متعاقبة انزاحت خلالها في الاتجاهات كلها ترحّالاً ، وغزواً ، وتوسعاً ، وتقلصّاً تطورّت خلالها من الفردية الموحشة ، إلى العرقية ، إلى العشائرية ، إلى القبلية ، إلى الشعوبية ، ومن البداوة ، إلى الوبر ، إلى المدر ، إلى الحضر .. إلى أن تفاعلت تلك الجماعات البشرية تأثراً ، وتأثيراً إيذاناً بولادة عصر الأمم ، حيث كل أمة تختص بأرض معينة محددة ، ومياه إقليمية ، ومجال جوي ، مما يعني انقضاء عصر الإمبراطوريات التي كانت تمتد إلى حيث تصل حوافر خيولها ، وتتقلص إلى حيث تدفعها حوافر خيول إمبراطوريات أخرى ، وبالتالي ولادة عصر الدول التي تتطابق حدودها مع حدود الأمم التي تكونت تاريخياً ، بالتفاعل ، والتأثر ، والتأثير لكن وبما أن العصر الإمبراطوري السابق كان قد خلفّ وراءه جماعات بشرية غالبة ، وأخرى مغلوبة فإن الجماعات البشرية الغالبة ، ولو كانت قد تحددّت بدول معروفة الحدود إلا أنها احتفظت بالعقلية الإمبراطورية محاولة فرضها على المغلوبين ، بالاحتلال ، أو الهيمنة ، أو بابتداع أساليب متطورة مما أدى إلى فرض عدوان بالدول على بعض الأمم المغلوبة انتقاصاً من أوطانها ، أو تقسيماً تعسفياً للشعب ، وللوطن معاً ، وكان النصيب الأكبر من هذا العدوان للأمة العربية ، مما يقتضي إعادة النظر وبما أنه : ( في الكل الشامل للطبيعة والإنسان : كل شيء مؤثر في غيره متأثر به ، وكل شيء في حركة دائمة وكل شيء في تغير مستمر وبما انه في إطار هذه القوانين الكلية الثلاثة يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي وينفرد الإنسان بالجدل قانوناً نوعياً لتطوره ، وبما أنه في الإنسان نفسه يتناقض الماضي والمستقبل ويتولى الإنسان نفسه حل التناقض بالعمل إضافة فيها من الماضي ومن المستقبل ولكن تتجاوزها إلى خلق جديد ) فإن الجماعات البشرية تتطور باتجاه الإنسانية الشاملة حيث المساواة ، والعدالة بين بني البشر لا عنصرية ، ولا لون ، ولا جنس يرفع من قدر أحد ، أو يحط من قدر آخر ، وأن هذا التطور لن يحدث إلا عبر صراع مرير مع عناصر التقوقع ، والانعزال .

 

                                    مادة ( 2 )

 

               الأمة العربية ، جماعة من تلك الجماعات البشرية المنتشرة في أرجاء هذا الكوكب .. تطورت عبر مراحل تاريخية متعاقبة من الفردية ، إلى العرقية ، إلى العشائرية ، إلى القبلية ، إلى الوبر ، إلى المدر ، إلى الحضر ، وتفاعلت تلك المكونات شعوباً ، وقبائل بالتأثر ، والتأثير إلى أن اكتملت الأمة العربية تكويناً ، فامتدت الإمبراطورية العربية إلى خارج حدودها أحياناً ، واقتحمتها الإمبراطوريات الأخرى أغلب الأحيان ، لكن هذا كله لم يغير من خصائصها رغم عجزها لقرون عديدة من تكوين نظام حكم مركزي ، لكن ومع الانتقال من العصر الإمبراطوري إلى عصر الدول الحديثة كانت الأمة العربية خارج نطاق الفعل ، والتأثير ، والإرادة ، بفعل عوامل التخلف الداخلي ، والاحتلال الخارجي ، وبالتالي كانت ساحة لصراع قوى الهيمنة الدولية  في ذلك الوقت ، من السلطنة العثمانية إلى الحلف المقدس الأوروبي ، إلى عصبة الأمم المتحدة ، إلى هيئة الأمم المتحدة ، حيث تم اقتسام الوطن العربي عبر تركيب عديد من الدول على الأرض العربية ، واقتطاع أجزاء منها كمستوطنات للصهاينة ، وأخرى لدول الجوار الأفريقي ، أو للأتراك ، أو للإيرانيين ، وحيث لم يقتصر العدوان على الأمة العربية ، وإنما امتد ، ليشمل أغلب شعوب الأرض ، بإرساء قواعد ظالمة ، لما أسموه القانون الدولي ، والنظام العالمي ، القديم ، والجديد على أساس من الغلبة ، و ” الفيتو ” لدول الهيمنة ، وبالتالي فإن نضال الأمة العربية للتغيير لا يقتصر على إحقاق حقوقها ، وإنما يمتد بحكم موقعها المركزي ، والحضاري إلى إعادة التوازن للعلاقات الدولية ويندرج في إطار تطور الجماعات البشرية باتجاه الأنسنة وخفض نسبة الوحشة ، و التوحش في الجنس البشري .

 

مادة ( 3 )

 

إن الأمة العربية قد اكتملت تكويناً وتشكلت من تعشّق مكونات متعددة عرقية ، وعشائرية وقبلية ، وحضارات قديمة متعددة من حيث المكان ، والزمان ، وديانات هي بالإضافة إلى كونها عقائد دينية تندرج في كونها جزء من التاريخ الموضوعي للأمة العربية ، وفي سياق تطور الجماعات البشرية المكونة لها ، وبالتالي فإن الأمة العربية ليست تكويناً عرقياً ، أو عنصرياً ، أو قبلياً ، أو دينياً على الانفراد ، وإنما هي حصيلة تفاعل حضاري بين مكونات متعددة الأرومات ، والحضارات ، والعقائد ، لا امتياز لواحد منها على الآخر ، ولا طغيان لأحدها على سواه ، فتلك المكونات على قدر المساواة في الحقوق ، والواجبات في إطار من المواطنة الحقة .

 

مادة ( 4 )

 

” الطليعة العربية ” مؤسسة سياسية ، اجتماعية ، ثقافية ، منهجية ، اعتبارية ، تحمل في خلاياها ، وفي كل خلية منها الخريطة الجنينية المكونة للأمة العربية ، لا انتقاص ، ولا طغيان ، ولا تفرّد ، ولا إهمال ولا إقصاء لأي مكون من تلك المكونات ، ذلك أن كوادر الطليعة العربية متساوون أمام اللوائح ، والأنظمة الناظمة للطليعة العربية يخضعون لذات المعايير ، ويلتزمون ذات المنهج ، وينطلقون من ذات النهج ، والمنهج ، ويتسابقون لتأدية المهام ، وحمل مشاعل النهوض ، والتنوير ، ويتصدون لحل المشكلات ، ويتنافسون في تقديم التضحيات ..

 

مادة ( 5 )

 

إن وحدة المنهج هي الرباط الذي يحفظ للطليعة العربية وحدتها ، وينسق نضالها ، ويحكم بين أعضائها ، وبالتالي فإن الالتزام المنهجي سلوكاً ، وممارسة هو المعيار الأساسي للتقييم ، والتقويم ، وهذا يعني أن ” الطليعة العربية ” ليست مفتوحة الأبواب لجميع مكونات الأمة العربية على تنوعها ، وحسب ، وإنما هي ساعية لأن تكون تلك المكونات فاعلة على قدم المساواة في مؤسساتها ، لممارسة الجدل الاجتماعي ، وتفعيله إلى أقصى حد في الطليعة العربية ، ومن ثم ممارسته في المحيط الاجتماعي ، فالطليعة العربية لا تسعى لإلغاء المكونات المختلفة للأمة ، وانصهارها ، وإنما تسعى لتحقيق أكبر قدر من التفاعل بينها تأثراً ، وتأثيراً ، يترتب على ذلك أن ” الطليعة العربية ” تعتبر تراث تلك المكونات ، وثقافاتها ، وفنونها جزء لا يتجزأ من تراث الأمة ، وثقافتها ، وفنونها تعمل ” الطليعة العربية ” على بثها ، ونشرها ، وصيانتها من الاندثار لأنها جزء من تراث الأمة ، وتاريخها ، وبالتالي الارتقاء بتلك المطالب من مطالب فئوية لهذه الجماعة ، أو تلك إلى مطالب قومية للأمة العربية بأثرها …

 

الفصل الثاني

في المنطلقات

 

مادة ( 6 )

 

تنطلق ” الطليعة العربية ” من مبدأ حرية الإنسان الفرد ، وإزالة كافة العوائق التي تكبّل حريته تفعيلاً لمقدرته على الجدل ، إضافة إلى إتاحة كافة المعارف التي تؤهله للعطاء ، والإبداع في شتى المجالات لأن المعرفة شرط الحرية ، وبالتالي فإن ” الطليعة العربية ” تعتبر أن تمّتع الإنسان بحقوقه الأساسية كافة مبدأ أساسي لا تتنازل عنه ، ولا استثناء ولا تبرير لأي شكل من أشكال القهر البشري ..

 

مادة ( 7 )

 

تنطلق ” الطليعة العربية ” من مبدأ حرية المجتمع ، وإزالة كافة العوائق التي تكبل حريته تفعيلاً لانطلاق قانون الجدل الاجتماعي باعتباره القانون الأساسي للتطور ، ذلك أن وعي ” الطليعة العربية ” بأن الحل الجدلي للمشكلات لا يتأتى إلا بالمعرفة الجماعية لها ، والتصميم الجماعي للحلول ، والتنفيذ الجماعي بالعمل .

 

مادة ( 8 )

 

تنطلق ” الطليعة العربية ” من وعي الوجود القومي العربي كميدان لنضالها ، حيث تضع برامجها ، وتمارس نشاطاتها على مستوى الأمة العربية كلها رفضاً للتجزئة ، وتحقيقاً للوحدة في ذاتها التنظيمية ، ليمتد إدراكها ، فيما بعد ، إلى منبت كل مشكلة من المشكلات الاجتماعية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية في الوطن العربي ، فتعرفها الطليعة العربية  على حقيقتها دون تزييف ، وتقدم لها الحلول السليمة ، والمناسبة ، وتنفذ الحلول بالعمل ، مستفيدة في هذا كله ، من إمكانيات الكل ، لحل مشكلات الأجزاء ، ومشكلات الكل جميعاً .

 

مادة ( 9 )

 

مع اعتماد منطوق المادة ( 8 ) من هذا العقد ، وعدم التناقض معه ، فإن ” الطليعة العربية ” تعرف عن طريق منهجها الفكري أن كل مشكلة تحل في حدود ما تقدمه الظروف من إمكانيات ، ولا تحل بالأماني المثالية ، وتعرف من ناحية أخرى أن تجزئة الوطن العربي قد تركت آثاراً متفاوتة على مستوى تطور الأجزاء ، ونوع بعض المشكلات التي تطرحها ، لهذا فإن وحدة ” الطليعة العربية ” كحركة ، وتنظيم لا تمنع أن تكون ” الطليعة العربية ” في كل جزء متميزة عنها في باقي الأجزاء بعبء مضاف إلى رسالتها القومية ينعكس عليها تنظيماً فرعياً من التنظيم الواحد ، ونضالاً محلياً مضافاً إلى نضالها القومي .

 

مادة ( 10 )

 

تنطلق “الطليعة العربية ” من الواقع العربي كما هو بهدف تغييره باتجاه التحرير ، والنهوض ، والتنوير ، والتنمية ، والحرية ، والوحدة ، والاشتراكية ، والواقع العربي كما هو الآن تشغله دول مختلفة من حيث تكوين مؤسساتها ، وطبيعة السلطات التي تتحكم فيها ، والانطلاق من هذا الواقع باتجاه الأهداف لن يتحقق بالوعود ، أو العهود ، أو بالألفاظ ترصّ رصّاً ، إنما يتحقق بالمواجهة الإيجابية للظروف عبر حاضنة جماهيرية تلتصق بها ” الطليعة العربية ” ، وتتفاعل معها تفاعلاً حياً فتشاركها همومها ، وتفهم مشكلاتها لأنها تعلم أن تبادل المعرفة بالمشكلة يشكل أول حركات التطور الجدلي . كما تعلم أن التصميم الجماعي لحل المشكلة هو الحركة الثانية في قانون الجدل ، وبهذا يصبح الشعب العربي قاعدة للطليعة العربية ، ومصدراً لثقافتها فلا تفرض الطليعة العربية على الشعب العربي إرادتها ، ولا تتهمه ، إذ أنها تعلم أن وجود  المشكلة لا يغني عن إدراكها حتى تحل ، وأن عليها بحكم وعيها الشامل أن تفجّر وعي الناس لمشكلاتهم ، وحلولها .

 

مادة ( 11 )

 

تدرك ” الطليعة العربية ” أن الاستبداد المديد ، والفساد ، وتطور الأجهزة القمعية للسلطات ، وكذلك توسع تأثير مؤسسات الدول الفعلية القائمة في الوطن العربي يحتم على ” الطليعة العربية ” كمؤسسة قومية أن تتعامل مع هذا الواقع المتغير بجدية ، فالطليعة العربية لا يمكن أن تتعامل مع هذا الواقع إلا عبر مؤسسات حزبية جماهيرية تستنهض الناس ، وتشاركها حل مشكلاتها عبر تحريرها من الخوف ، وإعادة إحياء مؤسسات الدولة عبر المشاركة الديمقراطية ، وانتزاع الحقوق الأساسية للمواطنين ، والمساهمة في شتى النشاطات العامة من خلال النقابات ، والمنتديات ، والجمعيات ، والمساهمة في حل المشكلات الاقتصادية ، وفي تحقيق العدالة الاجتماعية ، وتصويب عمل مؤسسات الدولة لتكون جزءاً من مؤسسات دولة الوحدة ، فالطليعة العربية تدرك من خلال التجارب المرة أن الوحدة العربية لن تتحقق بالانعزال عن المجتمع ، ولا تتحقق بالانقلابات العسكرية ، ولا تحققها النظم الاستبدادية ، حتى ولو كانت محكومة من القوميين ، ولا تتحقق بالقهر ، والضم ، واحتلال إقليم لآخر .. وإنما للوحدة العربية طريق وحيد في هذا العصر يمر عبر المساهمة باستعادة الحقوق الأساسية ، والسياسية للمواطنين ، وممارسة الحياة الديمقراطية في المجتمع ، إن الترجمة الحقيقية لذلك تكون بان تقوم الطليعة العربية في الدول الفعلية القائمة مهما كان رأينا بشرعيتها ، ومشروعيتها ، وعبر نضال ديمقراطي ، وببرامج تلامس هموم الناس ، ومشكلاتها ، وربط المشروع القومي التقدمي التوحيدي ، بحل تلك المشكلات ، والانخراط في سائر النشاطات ، والأنشطة ، فالطليعة العربية تنطلق من الواقع ، كما هو ، من الدول كما هي ، من مؤسساتها ، وأنظمتها ، وقوانينها ، ودساتيرها باتجاه تغيير ذلك كله إيجابياً لصالح المشروع النهضوي التنويري القومي .

 

مادة ( 12 )

تنطلق ” الطلعة العربية ” من التعامل مع مفردات الحضارة العربية ، والثقافة العربية ، والتنوع العرقي ، والمذهبي ، والطائفي ، والإقليمي ، من خلال منهج إنساني شاملاً الأمة ، والوطن يحدد علاقة التكامل ، والنمو ، ويؤدي إلى صياغة حقيقية للحضارة العربية ، والتاريخ العربي بهدف إنهاء تجزئة تلك الحضارة ، إلى حضارات تتصارع فيها حجارة أوابدها ، وإنهاء تجزئة التاريخ العربي إلى تواريخ تتصارع فيه عظام الضحايا ، والأموات ، وإنهاء تجزئة الأديان تعسفياً إلى طوائف ، ومذاهب يتصارع فيها الأنبياء ، والحواريين ، والكهنة ، والفقهاء ، والأئمة ، ووضع حد لفرز الأعراق ، والأثنيات ، والقبائل التي تفاعلت ، وتمدنت ، ودخلت في تكوين الأمة ، ومن حيث النتيجة التوصل إلى صياغة مستقبل عربي تتفاعل فيه تلك المكونات إيجاباً لإنجاز مشروع نهضوي إنساني يحل مشكلات الأجزاء ، والكل معاً .

 

الفصل الثالث

في الغايات

مادة ( 13 )

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الحرية ، تحرير الوطن العربي من الاحتلال الأجنبي سواء في القلب العربي فلسطين أو في التخوم مع دول الجوار ، أو في أي أرض عربية تتعرض للغزو الخارجي ، وتتحالف الطليعة العربية لتحقيق ذلك مع القوى الحية في المجتمع العربي لتسخير كافة الأساليب ، والأدوات في سبيل ذلك ، وتساهم معها في بناء مقاومة أصلية تحمل هوية الأمة ، بمنطلقاتها ، وغاياتها ، عصية على الاحتواء فئوياً ، أو لصالح أي مشروع خارج مشروع الأمة ، في التحرير ، والحرية .

 

مادة ( 14 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الحرية : حرية الإنسان العربي ، وكل إنسان في هذا العالم ، وترفض كافة أشكال ، وصور التمييز الأثني ، والديني ، والطائفي ، والمذهبي ، وكذلك من حيث الجنس ، واللون ، وترفض التمييز بين أشخاص القانون الدولي ، وتسعى للمساواة ، والعدالة على صعيد الأجزاء ، والكل العربي ، والكل الدولي عن طريق تصويب قوانين الدول العربية ، ومن ثم قوانين دولة العرب الديمقراطية الاشتراكية ، وانتهاء بتصويب القانون الدولي بإلغاء التمييز بين الدول في الأمم المتحدة وإلغاء التمييز العنصري سواء عن طريق ” الفيتو ” أو بالدول الثابتة الدائمة العضوية في مجلس الأمن .

 

مادة ( 15 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الحرية : فحرية الوجود القومي شرط لحرية التطور ، وحرية المعرفة شرط لحرية الرأي ، وحرية الرأي شرط لحرية العمل .

 

مادة ( 16 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الحرية ، وهي قبل أن تلزم غيرها بحدود الحرية تلتزم هي تلك الحدود فحيثما تتصدى للمشكلات لا تعرف غير الديمقراطية سبيلاً  ، والشعب سنداً .

 

مادة ( 17 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الحرية : حيث ، لا يمتاز إنسان بمهنته ، ولا بثقافته ، ولا بلونه ، ولا بدينه ، ولكن بحدة المشكلة التي يعانيها كإنسان ، ولا تميز الطيعة العربية حدة المشكلة إلا بمدى ا تساع جبهة الناس الذين تفسد حياتهم فهي ، ترفض التقسيم الطبقي كما ترفض التقسيم على أساس من الدين ، أو اللون ، أو المهنة ، أو العرق ، وتحترم الإنسان ، كإنسان ، وتتخذه نقطة انطلاق ، وغاية ، ويعلمها هذا الاحترام أن تناضل لترفع عن الإنسان العربي كل ما يضغط إرادته ، وان تحرره أولاً ، وقبل كل شيء من الخوف ، وتحفزّه لمقاومة الطغاة ، والظالمين .

 

مادة ( 18 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الوحدة العربية : انطلاقاً من التأسيس على أن الوجود القومي شرط التطور ، وتخّطط ، وتناضل على هدي وعيها لتحرير الوطن العربي من الاستعمار الخارجي ، والاستعمار الخفي ، وهي تقاوم التجزئة لأنها تعطل انطلاق الشعب العربي باتجاه الحرية ، والتنمية ، والتطور .

 

مادة ( 19 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الوحدة العربية لأن الوحدة السياسية عندها حتمية كونها التعبير السياسي عن الوجود القومي ، فوعي الطليعة العربية للوجود القومي ، لا يعرف سبيلاً إلى الوحدة إلا برفع الحواجز التي تخصخص الشعب العربي ، ليلتحم الشعب العربي في جدل حياتي يحقق به مصيره الواحد .

 

مادة ( 20 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الوحدة العربية : لأنها تعلم أن الوحدة العضوية للأمة العربية تعني ألا تحل مشكلات الأجزاء حلاً سليماً ، نهائياً إلا في الكل الشامل ، لهذا فإن ” الطليعة العربية ” ترفض تبرير الإبقاء على التجزئة ، بآثار التجزئة .

 

مادة ( 21 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الوحدة العربية : غير أن الأسلوب العلمي الذي تنتهجه الطليعة العربية لا يسمح للمثالية أن تضللها ، فتتجاهل ما تتطلبه المشكلات المحلية من إدارات محلية ، لأنها تعلم أن الدولة القومية لا تلغي الإدارات المحلية ، بل تدعمّها ، وتمدّها بمزيد من المقدرة على مواجهة ما تطرحه الظروف المحلية من مشكلات إضافة من إمكانيات الأمة الواحدة إلى أبناء الأمة الواحدة في أي مكان من الوطن العربي الواحد ، كما أنها لا تتجاهل ما صنعته التجزئة التي امتد بها الزمن من آثار تنظيمية ، واجتماعية ميزت بها الأجزاء في مدى التقدم الحضاري ، وبما صاغته من ألوان الحياة ، فهي تدرك أن هذا ذاته مشكلة يجب أن تحل ، بالتكامل ، وبالقضاء على التمايز المصطنع  .

 

مادة ( 22 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل لاشتراكية العربية : حيث تساهم في التطور إلى الاشتراكية ، ففي أي مكان من الوطن العربي ، وأياً كانت درجة النمو الاقتصادي فيه ، تناضل ” الطليعة العربية ” لإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان أياً كانت أسبابه ، وتساهم في سن القوانين ، والأنظمة لمنع اتخاذ حرية الملكية ذريعة ، ليتملك نفر من الناس كل شيء تاركين أغلبية الشعب العربي بدون ملكية .

 

مادة ( 23 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الاشتراكية العربية : عبر تقييّد حرية الملكية ، بحيث لا تكون أداة للقهر الاقتصادي ، لكن حيث تقوم الملكية بدون استغلال ، فإن  “الطليعة العربية ”  تدعمها حرية مكتسبة .

 

مادة ( 24 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الاشتراكية العربية : وتكثفّ جهود كوادرها ، ومؤسساتها في عمل منظم غايته أن تحقق بالأسلوب العلمي كل ما تستطيع ظروف الوطن العربي أن تقدمه من ثروات تكفي ليتحقق لكل عربي المضمون المادي لحرياته ، إذ ، الاشتراكية عند ” الطليعة العربية ” حرية كاملة ، وبهذا تلتحم الحرية ، بالاشتراكية حياة حرة .

 

مادة ( 25 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الاشتراكية العربية : متجهة بالتخطيط الاقتصادي العلمي من حيث انتهى التطور الاقتصادي إلى الاشتراكية عبر طريق مطهّر منذ بدايته ، وإلى غايته من الاستغلال ، والقهر الاقتصادي .

 

مادة ( 26 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الاشتراكية العربية : غير أنها لا تخلط بين الاشتراكية كغاية ، ووسائل تحقيقها ، ولا تتجاهل عدم استواء النمو الاقتصادي في الأجزاء ، ولا تتجاهل ما تركته التجزئة من آثار على التطور الاقتصادي في أقطار الوطن العربي ، لهذا فإن التخطيط الاقتصادي ، ومواجهة مشكلات التطبيق ، ستكون على الوجه الذي تقتضيه الأساليب العلمية ، لتجاوز التخلف ، إلى التنمية ، ثم الرخاء مع الاحتفاظ دائماً ، بالحرية ، كغاية من الاشتراكية .

 

مادة ( 27 )

 

تناضل ” الطليعة العربية ” في سبيل الاشتراكية العربية : لهذا فإن ” الطليعة العربية ” لا تقبل أن يحل مستبد محل مستبد ، أو أن يقوم مستغل مقام مستغل ، ولا تتذرع بالاشتراكية ، لفرض العبودية ، ولا تقبل الفاشية ، ولو خططت ، ولو أممّت ، وبهذا تبقى حرية الإنسان العربي في الاشتراكية العربية غاية ” الطليعة العربية ” وحّداً لا يتجاوزه التخطيط الاقتصادي ، وبهذا تبقى طليعة عربية اشتراكية ديمقراطية .

 مادة ( 28 )

تناضل ” الطليعة العربية ” في الأجزاء ، وفي الكل العربي ، لتغيير الظروف التي تسمح بتخريب حياة الإنسان ، وتناضل في مواجهة الذين يحولون دون أن تحل المشكلات التي تطرحها تلك الظروف ، أو يعمّقون جذورها ، وتترك للممارسة الحية مهمة الكشف عن نوعية التقدميين ، ومن خلال النضال المنظم تتاح لكل كادر في الطليعة العربية أفضل الوسائل لوضع وعيه ، ومقدرته ، وخلقه في التطبيق .

 مادة ( 29 )

إن الطليعي العربي الذي يعي ” جدل الإنسان ” يدين بشدة ، وبكل وسيلة مناسبة أي احتقار للإنسان ، أو حّط  من مقدرته الخلاقة ، أو حجب للثقة التي هو أهل لها ، لهذا يدين الاستبداد ، ولا يكون مستبداً ، ويدين العنصرية ، والكراهية ، والحقد ، ولا يتعصب هو ، ولا يكره ، ولا يحقد .

 مادة ( 30 )

        إن الطليعي العربي لا يعرف شيئاً ، أو أحداً ، يستحق الخلود ، لأن قوانين الحياة ، لا تسمح بهذا الخلود ، ويعرف بهذا ، أن معرفة التاريخ ، علم ، ومحاولة إعادته ، انحراف جاهل ، لهذا يطهّر نفسه من التعصب القبلي ، لأن العهد القبلي قد ولى ، كما انقضت المجتمعات الدينية ، فحتمّ على الطليعي العربي أن يكون مطهّراً من التعصب الديني ، وكذلك من العلاقات الأثنية ، ومن علاقات ما قبل اكتمال التكوين القومي ، لهذا فإن الطليعي العربي لا يتحيّز للماضي ، تعطيلاً للمستقبل .

 مادة ( 31 )

إن الطليعي العربي يدرك نسبية القيم الخلقية في المجتمعات البشرية فلا يدين سلوكاً كان وليد ظروف مجتمعات غير المجتمع العربي ، إلا أن يكون عدواناً على إنسانية الإنسان ، ويحترم عادات ، وتقاليد ، وأخلاق الشعوب كافة ، لأن الطليعي العربي يعرف أنه مهما تبدو تلك العادات ، والتقاليد ، وقواعد السلوك شاذة في نظره ، بل حتى ، ولو بدت له رذائل ، فإنها من صنع ظروفهم ، وأن تغييرها رهن بمعاناتهم ، وبهذه النظرة يرفض الطليعي العربي إدعاء التفوق الطبيعي الذي تدعيّه بعض الأجناس ، ولا يدعيّه لنفسه أبداً ، أبداً .

مادة ( 32 )

إن جدل الإنسان يوفر للطليعي العربي إجابات ، غير مشوبة بالمعاني المجردة ، على الأسئلة : ما الفضيلة ، وما الرذيلة ؟ ، ما الخير ، وما الشر ؟ ، فكل ما يسهم في التطور الإنساني ، ويلبي متطلباته ، فضيلة ، وكل ما يقف في سبيل التطور ، ويعرقله رذيلة ، وبذلك يكون للفضيلة ، وللرذيلة أساس ، علمي فلا تختلطان ، إذ أنهما قيمتان مرتبطتان بحركة المجتمع ذاته .

مادة ( 33 )

إن ” الطليعة العربية ” لا ترفع شعار الثورة إدعاء ، وتضليلاً ، ولا تتخذه ذريعة إلى الإجرام الدامي ، فحيثما كان الشعب العربي قادراً مقدرة مشروعة قانوناً على الكفاح الديمقراطي في سبيل غاياته يكون أسلوب نضال ” الطليعة العربية ” الحوار ، والكلمة السواء ، والتوعية ، والتنظيم من خلال نضال ديمقراطي لتحقيق غاياتها ، وبذلك يكون مصطلح ” الثورة ” ذو مدلول مجازي ، ببذل الجهد المضاعف ، باتجاه أهداف ” الطليعة العربية ” في الحرية والوحدة والاشتراكية ، أما حيث تفرض على إرادة الجماهير قيود تسلبهم حريتهم ، بالاستبداد الفاشي ، أو بالقهر الاقتصادي ، أو حيث تبيح القوانين الاستثنائية العنف ضد الشعب قهراً ، وتقييداً للحرية ، واستلاباً للحقوق الأساسية للمواطنين ، وفرض قوانين استثنائية تبيح العنف ضد الشعب يصوغها المستبدون ، قيوداً على إرادة المواطنين ، وحرياتهم ، فإن ” الطليعة العربية ” تصّر على النضال الديمقراطي السلمي ، تجنيباً للمواطنين من بطش قوى الطغيان ، فالطليعة العربية ، بمواجهة القتل ، والقهر ، والاستبداد ، لا تقتل ، ولا تقهر ، ولا تستبد ، أما حيث تتعرض أرض الوطن للاحتلال الأجنبي الغاشم فإن ” الطليعة العربية ” تتحالف مع مكونات المجتمع العربي الحية للمقاومة بكافة الوسائل للتحرير .. هكذا فإن” الطليعة العربية ” تحدد موقفها ، فلا تطغى ، ولا تقبل الطغيان .

مادة ( 34 )

إن ” الطليعة العربية ” تنطلق من قاعدة ديمقراطية ، لتحقيق غاية ديمقراطية ، سواء في بنيتها الداخلية ، أو في دعوتها للحوار ، والكلمة السواء في المجتمع ، حيث حرية الرأي للجميع ، وعمل الجميع تنفيذاً لرأي الأغلبية ، كقاعدة ديمقراطية ملزمة ، بعقد تلتزمه ” الطليعة العربية ” ، وتسعى لصياغته كقوانين وضعية ملزمة للأفراد ، والجماعات ، والأحزاب في المجتمع .

 

الباب الثاني

في بنيان الطلية العربية

***

الفصل الأول

في العناوين

مادة ( 35 )

بتاريخه ، وبمقتضى هذا العقد تداعى نفر من القوميين العرب التقدميين ، لتأسيس حزب قومي عربي تقدمي يشمل نشاطه الوجود القومي للأمة العربية أرضاً ، وشعباً .

مادة ( 36 )

 

يحمل الحزب اسم :                ” الطليعة العربية ”    .

 

مادة ( 37 )

أهداف الطليعة العربية هي الحرية والوحدة والاشتراكية في الوطن العربي ، والمساواة ، والعدالة مع شعوب الأرض قاطبة .

مادة ( 38 )

راية ” الطليعة العربية ” تتمثل بالنجمة البيضاء تشع في دائرة سوداء على أرضية حمراء حيث النجمة البيضاء ترمز لوحدة المصير القومي العربي الموحد المنشود تنبثق من الكتلة السوداء التي ترمز إلى الوجود القومي المجزأ الراهن ، على قاعدة حمراء ترمز إلى الفداء ، والحرية ، والمساواة ، والعدالة ، والاشتراكية .

مادة ( 39 )

يكلفّ المؤتمر القومي الأول للطليعة العربية ، باعتماد نشيد قومي للطليعة العربية .

مادة ( 40 )

تناضل ” الطليعة العربية ” لرفع كافة القيود ، وتوفير كافة الضمانات ، لتفعيل قانون جدل الإنسان الفرد ، في إطار الجدل الاجتماعي الشامل للشعب العربي ، لأن تعطيل قانون الجدل الاجتماعي ، يعني تعطيل مسيرة التطور .

مادة ( 41 )

تتمتع ” الطليعة العربية ” بشخصية اعتبارية مستقلة ، تنبع قراراتها من مؤسساتها المنتخبة ديمقراطياً ، وتلك المؤسسات سيدة نفسها ، كل منها في مجال تخصصها ، وأي قرار يصدر عن مؤسسة من مؤسسات الطليعة العربية ، لا ولاية لها هو قرار باطل لا يعّتد به .

مادة ( 42 )

” الطليعة العربية ” حزب علني يجهر بالدعوة لتغيير الوجود العربي المجزأ إلى المصير العربي الموحد ، وبالتالي فإن منهج ، ونظرية ، وبرامج ، ووثائق الطليعة العربية ، متاحة لجميع من يهمهم الأمر .

مادة ( 43)

” الطليعة العربية ” كحزب معلن المبادئ ، والأهداف يسعى لتحقيق مبادئه ، وأهدافه بالطرق ، والأساليب ، والأدوات السلمية ، حصراً ، فالطليعة العربية لا تقر العنف يصدر عنها ، ولا ترضخ للعنف يمارس عليها ، لكنها لا ترد على العنف ، بالعنف ، وإنما بالحوار ، والكلمة السواء ، وكوادرها على استعداد تام لتقديم التضحيات في غياهب السجون فذلك خير من أن تسيل الدماء في الشوارع ، والساحات ، على هذا الطريق الصعب ، إلى أن يدرك الممارسون للعنف ، سواء كانوا من قمة السلطات ، أو من قاع المجتمع على تعدد أجزاءه ، بلا جدوى العنف على المجتمع ، بلا جدوى العنف داخل المجتمع ، وأن جميع الفتاوى بالعنف ساقطة ، وأن جميع التبريرات لذلك مزيفة ، وباطلة ، هناك استثناء وحيد يتعلق بالأراضي العربية المحتلة ، سواء في القلب ، أو على التخوم ، هنا ، المقاومة المسلحة ، وغير المسلحة هي الأسلوب الذي يفرض نفسه ، وهنا ، تساهم ” الطليعة العربية ” بكل إمكانياتها ، وبالوسائل المناسبة ، على مستوى الأجزاء ، وعلى مستوى الكل القومي ، في النضال ، والفداء ، والمقاومة ، لتحرير الأرض ، والإنسان .

وهذا يرتبّ على ” الطليعة العربية ” أن تسعى لدى مختلف مكونات المجتمع إلى الكلمة السواء ، والالتزام بعقد اجتماعي وطني ، سياسي ، يحرّ م العنف داخل المجتمع ، يحرم العنف نهائياً لحسم النزاعات السياسية ، أو العقائدية ، أو الدينية ، أو المذهبية ، أو الطائفية ، أو العنصرية ، أو الأثنية ، أو الطبقية ، أو الإقليمية ، وأن ساحة العنف الوحيدة المشروعة في الوطن العربي هي الأراضي العربية المحتلة ، وحصراً لتحريرها من الاحتلال ، وأن مبررات العنف تنقضي مع تحرير تلك الأراضي العربية المحتلة .

مادة ( 44 )

” الطليعة العربية ” مؤسسة حزبية جماهيرية مستقلة لكن هذا لا يمنع “الطليعة العربية” من التحالف ، أو التعاون مرحلياً مع أية مؤسسة أخرى في الوطن العربي حزبية ، أو غير حزبية ، لتحقيق أهداف مرحلية متفق عليها بين قوى ، وعناصر التحالف بما لا يتعارض مع الأهداف ، والمبادئ الأساسية للطليعة العربية .

الفصل الثاني

في الخصائص

مادة ( 45 )

 “الطليعة العربية” حزب ديمقراطي من القاعدة إلى القمة ينشأ ديمقراطياً ، ويستمر ديمقراطياً ، ويمارس الديمقراطية مع سائر القوى ، والأحزاب ، والحركات السياسية في المجتمع العربي ، وإذا كان الوجود العربي المجزأ يفرض بناء مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء فإن شرط الديمقراطية ، شامل الأجزاء ، والكل معاً ، فالديمقراطية شرط ملازم للطليعة العربية ، ابتداء ، ونشأة ، واستمراراً ، وغاية .

مادة ( 46 )

بما أن” الطليعة العربية ” تتعامل مع الواقع كما هو ، فإن مؤسسات الطليعة العربية في الدول العربية مقيدة ، بمن يحملون جنسية تلك الدول ، عضوية ، ونشاطاً ، ومجالاً حيوياً إلى أن يتغير هذا الواقع جزئياً بين دولتين عربيتين ، أو أكثر ، أو يتغير كلياً بقيام دولة العرب الوحدوية الديمقراطية الاشتراكية ، أمّا مؤسسات الطليعة العربية في المغتربات ، والمهاجر ، وكذلك المؤسسات القومية للطليعة العربية ، فإنها غير مقيدة على الإطلاق ، بالانتماء لأية دولة عربية ، وهي مفتوحة على قدر المساواة لأبناء الأمة العربية أجمعين .

مادة ( 47 )

إن الطليعة العربية تدرك أن هناك خلطاً مقصوداً بين مفهوم الدولة القومية الشاملة لوطن الأمة ، وشعبها ، وبين تجارب القوميين الذين حكموا دولاً إقليمية ، لهذا فإن الطليعة العربية تعلن موقفاً لا لبس فيه ينبع من منهجها ، وتقييمها لتلك التجارب ، فالفرق بيّن ، وشاسع بين النموذجين ، فالقوميون العرب على مختلف توجهاتهم ، الذين حكموا دولاً إقليمية فشلوا في تحويل السلطة في تلك الدول إلى نموذج الدولة القومية للأمة ، بل وعلى العكس من ذلك ، فقد تمكنت أجهزة السلطة الإقليمية من تطويع القوميين أحياناً في براثن إغراءات السلطة ، وخذلتهم في معاركهم القومية أحياناً أخرى ، والتهمت أحلامهم القومية في الأحوال كلها ، لهذا فإن الطليعة العربية تعلن براءتها من تلك التجارب الفاشلة ، وتعلن رفضها للاستبداد ، والقهر ، بالمطلق ، ومن أي مصدر كان لأنها بذلك تحصن نفسها من جرثومة الاستبداد ، فلا تستبد ، ولا تقبل الاستبداد ، ولا تهادنه ، فالاستبداد يلوّث الشعارات التي تتسّتر عليه ، بينما لن تتمكن الشعارات من إخفاء وجهه القبيح .

مادة ( 48 )

الدولة القومية التي يناضل الطليعيون العرب لتحقيقها هي دولة الحرية ، والديمقراطية ، والاشتراكية ، والعدالة الاجتماعية ، والمساواة ، وطن عربي ، لأمة عربية ، بسلطة ديمقراطية ، عادلة ، لا تفرد فيها ، ولا إقصاء لأحد ، ولا استبداد ، ولا طغيان .

 

مادة ( 49 )

إن الطليعة العربية ، وعبر مؤسساتها التشريعية ، والفكرية ، والعقائدية ستجهد في إبداع مؤسسات للدولة القومية تتيح أوسع الفرص التي تمّكن الشعب من المساهمة الفعالة في اتخاذ القرارات على مختلف الأصعدة ، وإذا كان من الهام أن تكون المؤسسات تمثيلية ، فمن الأهم أن تزال كافة القيود المادية ، والمعنوية عن جميع فئات الشعب ، لتتمكن من اختيار هؤلاء الممثلين ، وأن يحترم مبدأ تكافؤ الفرص ، وعلى هذا فإن الدولة القومية المنشودة للأمة العربية لن تكون بالتأكيد على شاكلة الدول الرأسمالية ، أو الدول الشمولية ، ولكنها ستكون دولة الإنسان العربي المتمتع بكافة الحقوق الأساسية ، يمارس حريته ، وإبداعه ، يعطي أقصى ما لديه للجماعة ، ويأخذ قدر جهده ، وما يحفظ كرامته .

مادة ( 50 )

إن الطليعة العربية تعلن عند الخط البداية ، وبأكبر قدر من الوضوح ، أن إنجازها لمشروع التحرير ، والتوحيد ، وإقامة الدولة القومية للأمة العربية ، سواء بمفردها ، أو بالتحالف مع قوى أخرى ، فإن هذا لا يعطيها على الانفراد ، ولا يعطيها معهم على الاتحاد ، أي حق في الانفراد بحكم دولة الوحدة ، وإقصاء الآخرين ، فذلك استبداد ، تتطهّر الطليعة العربية من جرثومته ابتداء ، حتى لا تصاب به انتهاء ، وأنه بمجرد إنجاز دولة الوحدة فإن الأمر يعود للشعب ، ولصناديق الاقتراع الحقيقية ، فالمهام بعد الوحدة بحاجة إلى فرسان من نوع مختلف ، وإذا لم تتمكن ” الطليعة العربية ” من تطوير نفسها لتكون كذلك ، فعليها أن تقبل خيارات الشعب ، وتشغل مقاعد المعارضة ، وتعيد النظر بما هي عليه .

مادة ( 51 )

إن الطليعة العربية تتمسك على طول الخط ، بالتعددية السياسية ، ابتداء من دول الأجزاء ، وحتى دولة الوحدة ، والطليعة العربية انطلاقاً من مبدأ منهجي ، ذلك أن الطليعة العربية التي تعتمد منهجها الجدلي تدرك أنها تكون أقوى ، وأصلب ، وأصوب بقدر ما تكون القوى والأحزاب الأخرى ، في دول الأجزاء ، وحتى دولة الوحدة ، قوية ، وقادرة ، فالطليعة العربية ، تقوى بقوة الآخر ، لا بضعفه .

مادة ( 52 )

إن الطليعة العربية ومهما بذلت من تضحيات في سبيل تحقيق المصير العربي الواحد ، فإن هذا لا يعطيها أية مّنة ، والسلطة في الدولة القومية سيتم تداولها بين الأحزاب السياسية ، بحسب برامجها المستقبلية لما بعد دولة الوحدة ، وليس لتضحياتها السابقة .

( 53 )

إن الطليعة العربية ، ورغم أعباء الانطلاق ، والتأسيس ، فإنها ، ومن خلال مؤسساتها الاستراتيجية ستضع برامج مستقبلية تتقدم من خلالها للشعب العربي بطلب الثقة ، تتعلق بتوزيع الثروات العربية ، توزيعاً عادلاً ، وإعادة هيكلة المجتمع العربي ، والعمران العربي ، والزراعة العربية ، والصناعة العربية ، واسترداد ما يمكن استرداده من الثروات العربية المنهوبة ، أو المهّربة ، والأهم من ذلك توفير الظروف الموضوعية المناسبة لاستعادة الثروة البشرية العربية المهاجرة ، أو المهجّرة ، ذلك أن الأمة هي الأحق بعلم علمائها ، وجهدهم ، كما أن الطليعة العربية ، ومن خلال كوادرها المتخصصين ستضع تصوراً واقعياً للبناء ، والتنمية ، والاستثمار الشامل لإمكانيات الأمة ، وطاقاتها البشرية ، والمادية .

مادة ( 54 )

 

إن الطليعة العربية تنطلق من منهجها الذي يحدد الجدل الاجتماعي كطريق وحيد للتطور ، يعرف الناس من خلاله غاياتهم ، ويدركون في الوقت ذاته أن النظام القانوني في المجتمع لا يكون مشروعاً إذا تضمن قيوداً سياسية ، واجتماعية على مقدرة الناس على الجدل الاجتماعي .

 

الفصل الثالث

الأسلوب

مادة ( 55 )

إن مشكلة الأسلوب تكاد تشّوه الغايات العظيمة التي يناضل من أجلها الشعب العربي فالطليعيون العرب الجدد يدركون أن الشعب العربي ، ومنذ أكثر من نصف قرن قد قدّم تضحيات هائلة من الدماء ، والوقت ، والجهد ، ومن حياة أبنائه حرماناً ، وتهميشاً ، فأثبت بهذا استعداده للبذل ، والعطاء ، والتضحية في سبيل غاياته ، وأثبت مقدرته الفذة على احتمال متاعب الطريق إليها ، ومع هذا ، أو بالرغم من هذا ، لا يتقدم إلى تلك الغايات بالقدر المتكافئ مع تضحياته ، إن الطليعيون العرب الجدد يضعون ذلك نصب أعينهم ، فالمشكلة لم تكن في الشعب العربي ، وإنما كانت في الأساليب الفاشلة ، لذلك يحصنون أنفسهم ابتداء من تكرارها ، ويطهرّون أنفسهم ثانياً ، من إدانة شعبهم ، أو الاستعلاء عليه .

مادة ( 56)

الطليعيون العرب يتفهمّون موقف الشعب العربي الذي يزدري شعارات التحرر المختلطة بالاستبداد ، ولماذا يدير الشعب العربي ظهره لشعارات الوحدة المختلطة بقبضة التفرد ، و الاستغلال ، ولماذا يسخر الشعب العربي من شعار الاشتراكية المختلطة بقبضة الديكتاتورية ، وبالتالي ، فإن الطليعيون العرب حريصون على تطهير مبادئهم من لوثة الاستبداد ، والاستغلال ، والديكتاتورية .

مادة (57 )

الطليعيون العرب يشاركون شعبهم الأسئلة الاستنكارية ، فما الذي يجنيه من ثمار تضحياته في كسر قيود الاستعمار الخارجي إذا تم تكبيله بقيود الاستبداد الداخلي ..؟ وما الذي يجنيه من فك حصار الإقليمية إذا حاصره الاستغلال ، والفساد في دولة الوحدة ؟ وما الذي يجنيه من ثمار تضحياته لرفع استغلال الإنسان للإنسان ، إذا عادت الديكتاتورية تمارس قهرها عليه ، وتستلب حريته ، وإرادته ..؟ .

مادة ( 58 )

الطليعيون العرب الجدد يواجهون بحزم محاولات اليأس ، أو التراجع ، أو حتى التوقف ، لأنهم ، ومن خلال منهجهم يدركون أن الشعب العربي ليس أول شعب في التاريخ يناضل من أجل تقدمه ، ولن يكون الأخير ، وإذا كانت الأساليب قد فشلت في تجارب مضت ، فمن قبلهم فشلت شعوب كثيرة قبل أن تتعلم كيف تتقدم ، كما أن شعوباً أخرى من قبله نجحت ، فتقدمت ، والطليعيون العرب يعرفون من خلال نهجهم ، ومنهجهم ، حتمية التقدم ، والتطور ، لهذا ، فإن اليأس ، أو التراجع ، أو حتى التوقف ، لن ينهي المشكلات الاجتماعية للشعب العربي ، ذلك أنها ستبقى قائمة ، وستتفاقم إلى أن تضيق بجيلنا ، وبالأبناء ، الحياة حيث لا مهرب ، هنا سيضطر جيلنا ، أو جيل الأبناء لمواجهة ذات المشكلات بعد أن تكون قد أصبحت أكثر تعقيداً .

مادة ( 59 )

الطليعيون العرب ، وبعد التجارب المرة ، يدركون أن الأسلوب ليس متروكاً للتجريب في ساحة الممارسة ، ولكنه جزء من النظرية التي يلتقي عليها ويلتزم بها ، ويحتكم إليها الطليعي العربي ، وعلى أساس الإلتزام بالأسس ، والمنطلقات ، والغايات ، ومن ثم الأسلوب حيث تفرز القوى ، وحيث كل جماعة تلتقي على نظريتها ، وتلتزم بها ، وتعمل على تحقيقها في الواقع بأسلوبها ، وعندما تفرز القوى تكون كل واحدة منها أقدر بذاتها على تحقيق غاياتها ، منها ، وهي مختلطة بغيرها تحت شعار ” وحدة الحلول الصحيحة للمشكلات الاجتماعية ” وهذا الفرز هو أول خطوة في سبيل حل مشكلة الأسلوب ، وفرز ” الطليعة العربية ” أسساً ، ومنطلقات ، وغايات ، وأسلوب .

مادة ( 60 )

الطليعيون العرب يؤسسون على قاعدة منهجية تقول ، أنه مهما يكن مضمون التغيير الذي نريد أن نحدثه في الواقع ، فهو إضافة غير قابلة للتحقق بدون عمل الإنسان ، وبالتالي فإن الترجمة العملية لذلك هي أننا لن نعرف كيف نحل مشكلة الأسلوب ، حلاً صحيحاً ، إلا إذا اعتمدنا قاعدة ” الإنسان أولاً ” وهذا يرتب مبدأ أساسياً ، وهو أن أي شعار على وجه الأرض لا يبرر تقييد حرية الإنسان ، أو يبرر انتهاك حقوقه الأساسية ، أو تعريضه للقهر ، والاستبداد ، والديكتاتورية .

فلا حرية ، ولا وحدة ، ولا اشتراكية ، إلا بإنسان حر ، سيد نفسه ، سيد قراره ، متحرر من القهر المادي ، والمعنوي ، حريته مصانة ، لا يستعبده أحد ، ولا يستبعد أحد …

 

مادة ( 61 )

 

الطليعيون العرب يلتزمون قانون الجدل الاجتماعي الذي يحدد الناس كأداة للتطور الاجتماعي الذي لا يتم إلا إذا ، وبقدر ما شارك الناس في طرح المشكلات الاجتماعية ، ومناقشتها ، ومحاولة معرفة حلولها الصحيحة ، والمساهمة في العمل اللازم ، والمناسب لحلها .. فالمعرفة المشتركة ، بالمشكلات الاجتماعية ، والرأي المشترك في حلها ، والعمل المشترك تنفيذاً للحل في الواقع الاجتماعي ، يؤدي إلى إضافة تحل فيها المشكلات الاجتماعية ، وتثور بها مشكلات اجتماعية جديدة ، فتحل .. وهكذا … ، ولن نعرف كيف نحل مشكلة الأسلوب ، حلاً صحيحاً ، إذا نسينا ، لحظة واحدة ، هذا القانون .

 

مادة ( 62 )

الطليعيون العرب يتصّدون للمشكلات التي تواجه المجتمع ، إذ لا وجود في المجتمع لما يسمى المشكلات خاصة ، فجميع المشكلات التي يواجهها أي إنسان في حياته ، هي مشكلات اجتماعية عامة في حقيقتها الموضوعية ، وكل إنسان في المجتمع شريك في صنع مستقبل مجتمعه ، فالبشر بحكم قانونهم النوعي لا يكفوّن ، ولا يستطيعون الكف عن معاناة مشكلاتهم ، كما لا يكفوّن عن العمل الذهني ، أو المادي الإيجابي ، أو السلبي الذي يعتقدون أنه يحل مشكلاتهم ، حتى لو لم يكن هو العمل المناسب لحل تلك المشكلات .. المسألة إذن هي : ما إذا كان هذا النشاط الذي يقوم به الناس يؤدي إلى حل مشكلاتهم فعلاً  ؟، أم أنه يبدد طاقاتهم في محاولات فاشلة لحلها ….؟ ، وهذا هو صلب حل مشكلة الأسلوب ، حلاً صحيحاً .

 مادة ( 63 )

إن أية مشكلة اجتماعية ، ليس لها إلا حل صحيح واحد في واقع اجتماعي معين ، وفي وقت معين ، والتطور الاجتماعي يتم عن طريق الجدل الاجتماعي ، ولا يتم إلا عن هذا الطريق ، والقوى الجماهيرية الملتقية على رأي مشترك تلتزمه في تطوير المجتمع ككل هي أقرب القوى إلى معرفة الحقيقة الموضوعية لمشكلات التطور ، وأكثرها اتفاقاً مع قانون الجدل الاجتماعي لا حيلة لأحد في هذا ، وهي التي يسمونها أحزاباً .

مادة ( 64 )

الحزب مؤسسة جماهيرية ملتقية على رأي واحد في مشكلات التطور الاجتماعي ، وحلولها ( نظرية ) ، تعمل معاً ( منظمة ) ، من أجل تنفيذ رأيها ( نظريتها ) ، في الواقع الاجتماعي .

مادة ( 65 ) 

يتكوّن الحزب من الذين يلتقون على نظريته ، ويلتزمون بها في الممارسة ، ويحتكمون إليها عند الاختلاف ، وهو ما يعني أن الحزب مؤسسة جماهيرية ذات وجود مستقل عن أي عضو فيها ، ولذا لابد لها أن تكون ديمقراطية في نظامها الداخلي ، ينفذ رأي أغلبية الأعضاء عند الاحتكام إلى النظرية ، وإلا فإنها تتحول إلى مؤسسة ( فرد ) ، أو ( شلة ) ، فتفقد أول ما تفتقد سمتها كقوة جماهيرية وتصبح جماهير في خدمة فرد ، أو شلة .

مادة ( 66 )

إن القوى القومية العربية تختلف في فهم مشكلات التطور القومي ، فلا حيلة لأحد في أن تقوم في الوطن العربي حركات ، أو أحزاب ، أو منظمات قومية تختلف في فهمها للقومية ، والطليعيون العرب يدركون ذلك ، ولا يدعّون احتكار قيادة الجماهير العربية ، أو الوصاية عليها ، والممارسة الديمقراطية هي المحك الذي سيكشف صحة ، أو خطأ ما يدعيه كل منها ، بما في ذلك ” الطليعة العربية ” ، فليس من حق أي حزب قومي عربي أن يصادر حق أي جماعة من الشعب العربي في أن تختار للأمة ما تعتقد أنه الطريق الصحيح للتطور ، والممارسة النضالية هي المحك الأخير .

مادة ( 67 )

لا يملك أحد أن يوجه الأمر للشعب العربي بألا يفعل شيئاً بانتظار ما يعتقد هو انه الحزب المخّلص الذي سيظهر يوماً ، ما ، الأجدى من ذلك أن يتم التعامل مع الواقع ، كما هو لتغييره ، وتطويره ، وأن تنطلق قوى النهوض ، والتنوير في الوطن العربي ، وهي قابلة منذ خط البداية ، بالتعددية ، فحتى في ظل دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية ، حيث تكون كل شروط الفعالية الكاملة للجدل الاجتماعي قد توافرت ، وحيث تكون كل الجهود معبّأة نحو غاية واحدة هي الإشباع الثقافي ، والمادي ، لحاجات الشعب العربي المتجددة أبدأ ، فستوجد التعددية حركات ، وأحزاب عربية تختلف ، وتتنافس لتحّقق في ذاتها ، وفي الواقع الموضوعي أفضل وسيلة لتحقيق التقدم ، والرخاء للشعب العربي كله ، وتحتكم في هذا ديمقراطياً إلى الشعب في دولته الديمقراطية .

مادة ( 68 )

الطليعيون العرب في داخل كل دولة عربية يناضلون ضد الاستبداد ، والديكتاتورية ، وضد من يرّوج ، أو يساند الاستبداد ، والديكتاتورية ، فهم مع سيادة القانون ، وحرية المعرفة ، وحرية الرأي بدون قيود ، ومع الاحتكام إلى الشعب ، والالتزام برأي لأغلبيته ، ومع الممارسة الديمقراطية على أوسع نطاق مع حرية الاجتماع ، وحرية تكوين النقابات ، وحرية النشاط الحزبي … الطليعيون العرب ، باختصار شديد ، يناضلون من أجل الديمقراطية ابتداء ، ومن أجلها أخيراً ، ويلتزمون نتائجها حتى ، ولو أدى إلى هزيمتهم في جولة انتخابية ، فلا يتعالون على شعبهم ، ولا يحمّلوه المسؤولية ، بل يبحثون عن الخطأ في ذواتهم ، ومؤسساتهم ، في برامجهم ، في أدائهم ، فالشعب دائماً على حق .

 

الباب الثالث

في التأسيس

***

الفصل الأول

خط البداية

مادة ( 69 )

الطليعيون العرب الجدد يدركون بعمق الوجود العربي المجزأ ، ويدركون بشكل خاص المشكلات بالغة التعقيد التي تعيق تأسيس حزب قومي عربي للانتقال من الوجود العربي المجزأ إلى المصير العربي الموحد ، ويقدرّون النضالات ، والتضحيات التي بذلتها الأجيال القومية العربية المعاصرة خلال القرن الأخير ، لكنهم في الوقت ذاته مصممون على قراءة ما جرى بدقة ، إن كان على صعيد أسلوب بناء التنظيم القومي ، أو على صعيد الوقائع الموضوعية التي فرضت نفسها على الواقع العربي ، والتي لا يمكن تجاهلها .

مادة ( 70 )

الطليعيون العرب الجدد يقررون ، ويقرون أن جميع محاولاتهم لبناء التنظيم القومي العربي ، متجاهلين الواقع العربي ، بمؤسساته ، ودوله ، ومنظماته قد باءت بالفشل مما يؤكد أن محاولاتهم تلك كانت محاولات مثالية فاشلة ، قررّوا أن لا يكرروها .

الطليعيون العرب يقروّن ، ويقررّون أن الوجود العربي المجزأ لن يتغير إلى المصير العربي الموحد ، بإعلان المبادئ القومية ، ورفض التجزئة ، والتلاعن مع الإقليمية ، والصهيونية ، والاستعمار ، والإمبريالية ، والرجعية ، وإنما بالتعامل مع الواقع ، كما هو ، فلا يجدي رفض الواقع ، ورفض المؤسسات ، والقوى الفاعلة على الأرض ، والتعالي على مشكلات الناس ، أو اعتبارها مشكلات ثانوية ، فالمصير العربي الموحد لن يولد ، إلا من رحم هذا الوجود العربي المجزأ الزاخر بالسلب الكثير ، والإيجاب القليل .. الطليعيون العرب الجدد ، قرروا رسم خط البداية في هذا الواقع ، بما يعجبهم فيه ، وما لا يعجبهم ، لقد كان منطقياً أن يرفض جيل الرواد من القوميين العرب قيام دول التجزئة ، ويطهّرون أنفسهم من التعامل مع مؤسساتها ، ويتعالون على المشكلات الحياتية ، والمحلية التي لن تجد حلها إلا على صعيد دولة الوحدة ، وبالتالي يرفضون هذا لواقع الذي صنعه تحالف من الأغبياء ، والمتخلفين ، والمصلحيّين ، والمنافقين ، والرجعيين ، والمستعمرين ، والصهاينة ، والعملاء ، وإلى آخر الصفات ..

الطليعيون العرب الجدد يقرأون هذا كله على أنه بات واقعاً تجاوز مرحلة التصنيع إلى مرحلة الممارسة ، وأن الذين يشغلون وظائف هذا الواقع من أول السجانين إلى آخر المسجونين ، ومن أول المستغلين ، إلى آخر ضحايا الاستغلال .. يشكلون هذا الواقع الاجتماعي الذي لا يمكن تغييره إلا بالعمل الإيجابي فيه لتفعيل قانون الجدل الاجتماعي الذي يؤدي إلى التطور ، والتغيير إلى المصير العربي الموحد .

مادة ( 71 )

الطليعيون العرب الجدد الآن اتخذوا قرار المباشرة بالتعامل مع الوجود العربي المجزأ كما هو لتعزيز ما هو إيجابي فيه ، ومواجهة السلب ، والنضال مع الجماهير لتحرير الإنسان ، ورفع القيود التي تكبّل حرية الرأي ، والقرار لأن الحرية أولاً  ، هي التي ستؤدي إلى الحرية في محطة الأهداف ، والمصير العربي الموحد .

مادة ( 72 ) 

يختار الطليعيون العرب الجدد على التوازي ، وبالتزامن تأسيس ” الطليعة العربية ” على ثلاثة خطوط تتفاعل مع بعضها ، بعضاً في تحمل الأعباء دون تعارض ، أو تعطيل :

-          الأول : التأسيس لبناء المؤسسات القومية للطليعة العربية .

-          الثاني : التأسيس لبناء مؤسسات الطليعة العربية على صعيد الجاليات العربية في المهاجر ، والمغتربات .

-          الثالث : التأسيس لبناء مؤسسات الطليعة العربية في الدول العربية .

 

الفصل الثاني

المؤسسات القومية

مادة ( 73 )

 

بمقتضى هذا العقد يتداعى نفر ممن بقي على قيد الحياة من شيوخ القوميين العرب التقدميين الذين مازال الحلم يؤرقهم ، والذين انتهت صلاحياتهم للعمل النضالي المباشر في ساحاتهم إلى اعتماد آلية للاتصال ببعضهم ، بعضاً ، وتشكيل لجنة تحضيرية منهم لإعداد الوثائق الفكرية ، واللوائح التنظيمية ، وجدول الأعمال ، وتحديد مكان ، وز